فن المسرح الغنائي في التراث الثقافي للمجتمع الصومالي

تُسعفنا أبحاث علم أركيلوجيا الثقافة – كعادتها- بمعرفة غزيرة عن عمق جذور فن المسرح الغنائى، وفن المسرح بكل أشكاله وأطيافه فى ثقافة الإنسان الإفريقى الذي جبل على التعبير الجسدى (Body language) عما يدور فى خلده من مشاعر وأحاسيس، إلى جوار قدرته الفائقة فى توظيف الأقنعة عند توحده مع أرواح أجداده، أو حتى فى رقصاته التقليدية فى مواسم الحصاد، والزواج وغيرذلك من المناسبات الاجتماعية.

إلا أن الأمر ليس بهذا الوضوح والسهولة عند الحديث عن فن المسرح الغنائى، أو فن المسرح بشكل عام فى تراث العرب منذ العصر الجاهلى وحتى احتلال المستعمر الغربي لمعظم بلادهم فى القرن التاسع عشر، فمن المعروف للقاصي والدانى أن العرب أدمنوا منذ البداوة فن صناعة الشعر، ولم يفيقوا عن سكرة خمريات أبي نواس إلا مؤخراً، لذا لم يتسن لهم بعد تجاوز تلك الصناعة إلى فضاء إنسانى أرحب يزاوج بين قدرة اللفظ على التأثير، وعبقرية الجسد، للتعبير عما يدور فى الخلد.

أما أهل أوروبا فقد بنوا مسارح عظيمة لهذا الفن منذ الحضارة الرومانية، والمدنية الإغريقية، ومازالت هذه القارة العجوز رائدة في فن المسرح والتمثيل لدرجة أن المسرحيات التى ألفها شكسبير قبل قرون عدة ما زالت تعرض حتى اليوم على خشبة بعض أشهر المسارح فى لندن وغيرها من العواصم والمدن الأوربية.

إلا أنه يمكن أن نلاحظ بكل سهولة أن شبه القارة الهندية قد اقتبست من أوروبا هذا الفن الرائع عقب وقوع تلك المنطقة تحت هيمنة التاج البريطاني، وتمكنت على الفور من إعادة تصدير هذا الفن إلى العالم الخارجى ليس على شكل مسرحيات بل على شكل أفلام سينمائة راقصة نالت إعجاب الكثير من شعوب العالم وعلى وجه الخصوص شعوب الساحل الإفريقي المطل على المحيط الهندي.

هذه الأفلام – وكما هو الحال دائماً فى معظم الأفلام الهندية – كانت وما زالت تعالج قضايا العاطفة، ومشاكل تكوين الأسرة عند الشباب، وعلاقة الأب المتسلط ببناته وزوجته، ونار الحقد المدمر بين الإخوة والأصدقاء، وبؤس الفقر، ومشكلة التمايز الطبقى بين العاشقة ومحبوبها وغير ذلك من الإفرازات المتوقعة وغير المتوقعة فى علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.

هذا المتحوي العاطفى الذي تعالجه هذه الأفلام إلى جوار جمال منظر الطبيعة الشبيه بجنات النعيم، و بطلة الفيلم التى تثير فى مخيلتنا جمال الحور العين المغري، وصوتها المفعم بالشبق، والتوائات جسدها الساحر عند الرقص مع عشيقها، وما يتعرضان له من ذلٍ وهوان يفرط القلب، كانت وما زالت تجد قبولاً فى وجدان شعوبنا التواقة لقبول اجتماعى للتعبير العلنى عن مشاعرنا النبيلة تجاه من وقع عليه اختيار قلوبنا.

يعود فضل ظهور هذا الفن وازدهاره فى العاصمة مقديشو إلى فرق صغيرة من هواة الغناء وأصحاب الميول الموسيقية والغنائية ممن خلبت أفلام الهند العاطفية ألبابهم وتمكنوا عقب انبهار عقلي وعاطفي عميق من فك رموز لغة هذه الأفلام واستيعاب محتواها المعرفى، ثم ترجمتها إلى مسرح غنائى يعبر عن واقعهم العاطفى المعاش.

تعود نشأة هذا الفن إلى الأربعينيات من القرن المنصرم حين بدء رواد هذا الفن بعرض مسرحياتهم الغنائية على أسقف بعض المبانى القديمة فى مناطق شنغاني (Shangaani) وحمروينى (Xamar-Weyne) الأثريتين، والتى دمرت عن بكرة أبيها خلال غزوة الجنرال عيديد وقواته البدوية لمقديشو فى باكورة عام 1991م.

نالت هذه المسرحات الغنائية إعجاب الجمهور فى مقديشو، فانتقلت بعض هذه الفرق فى أواسط الخمسينيات إلى عرض مسرحياتها فى ساحة صغيرة بمقر الحزب الليبرالى الصومالى (Partito Librale Somalo) الكائن فى حى حمر ججب، وفور ذلك بدأت الأحزاب السياسية الأخرى فى التنافس على إغراء هذه الفرق الصاعدة بعرض مسرحياتهم ليس فى ساحات مقارهم فى داخل العاصمة فحسب بل أيضاً فى ساحات مقارهم فى المدن المجاورة مثل أفجوي، وجوهر ، ومركة، وغيرها من مدن إقليم بنادر الكبير.

السجع فى لغة المسرح:

لم تكن للغة الصومالية حروف تكتب بها فى تلك الفترة الزمنية، وكان يصعب على الممثلين حفظ محتوى أدوارهم ولذلك لجأ مؤلفو المسرحيات إلى أسلوب السجع متأثرين بدراستهم للقرآن فى الدكسى منذ الصغر حيث كان يسهل عليهم حفظ السور والآيات المسجوعة بكل سهولة ويسر، واستمر السجع كلغة للمسرح الغنائي لعقد من الزمن بعد كتابة اللغة الصومالية فى أوائل السبعينيات من القرن المنصرم (المقابل اللفظى لكلمة “سجع” باللغة الصومالية هو Geeraar).

الرواد الأوائل:

يصعب على كاتب هذه الأسطرتحديد أسماء الرواد الأوائل الذين وطدوا هذا الفن فى الثقافة الصومالية بدقة نظراً لاعتماده الكل على التأريخ الشفوي (الذي لا يخلو من التحيز) كمصدر وحيد لتوثيق هذه المعلومات، إلا أنه يمكن القول بقليل من الثقة أن اُناسا من أمثال : أمين عَديِ Amiin Cade، بافو Baafow، عبدالقادر دمينيكو Dumeniko، أويس غيدو دينلي (Awees Geedow Diinle)، عبد القادر جارس، مانا خديجو، أويس عبدى، معو أتور، على عثمان، ماما بنتى، إيكر شيخ عليو، أبادر بانا، قاسم هلولي (Hilowle)، و عائشة عبده، كانوا من الأوائل الذين شاركو فى عرض هذه المسرحيات الغنائية فى أسطح بعض المباني الأثرية السالفة الذكر، إلا أننا نستطيع القول بثقه أكبر أن الدكتور رافى Rafi كمطرب أولاً ومؤلف كلمات الأغاني، ثم كمؤلف مسرحى كان النجم الساطع للجيل الثانى، تليه فى ذلك فاطمة قاسم هلولي (مطربة وممثلة) مردادى حاج طغح، مكى حاجى بنادر، شريف بلدوز، معو أودينلي Macow Aaw Diinle، معاني جيغوحير (Macaane jeegoxiir) حواء حاجى، زهرة أزورا، صوفى علي عثمان، مريم ليليان، لول جيلانى، زيو توم، مريم عسير، شمس بشير، عبد القادر نورانى، شريف جيك، مريدى شارلس Moriidi Charles، خديجه شيشيكولا، وجيش هائل فى كل دروب فن المسرح الغنائى لا يسع المجال لحشر أسمائهم فى هذه العجالة.

صعود نجم أحمد ناجى سعد

التحق هذا الفنان بالفرقة المسرحية التى كانت تقدم عروضها فى ساحة مقر الحزب الليبرالى الصومالى دون العشرين من العمر فى أوائل الخمسينات من القرن الماضى، واُسندت إليه فى أول الأمر أدوار ثانوية، ثم امتهن عزف العود فى الفرقة، و تحول إلى الغناء وظل مع الفرقة إلى أن ذاعت شهرته كمطرب، ومؤلف أغنيات، فالتحق بالفرقة الموسقية الغنائية لراديو مقديشو. (Radio Mogadisho band).

فى أوائل الستينيان كون أحمد ناجى مع أخويه عنتر وعلى ناجى، والمطرب جيرى (Jeeri) وآخرون فرقة جيمينى سفن (Jimini Seven) كفرقة موسيقة تقدم أغانيها للجمهور باللغة الإنجليزية وتعزف الألحان الغربية فى الأندية الليلة، أو ما يعرف ب (Night club band)، للحصول على دخل إضافى إلى جوار مرتبه كمطرب وعازف فى فرقة عود فى فرقة راديو مقديشو الموسيقية.

قدمت هذه الفرقة بإقتدار أغانى راي شالز (Ray chales) و جيمس براون (James Brown) و إلفس برسلى (Elves Presley) وغيرهم من نجوم أغانى الجاز (Jazz) الامريكية إلى عشاق الأغانى الغربية من الشباب والمراهقين ورواد الملاهى الليلية فى مقديشو وما حولها.

استطاع هذا الفنان من خلال إدارته لهذه الفرقة التمكن من العزف على الآلات الغربية بمهارة فائقة وشرع فور ذلك فى إغناء الموسيقى الصومالية بإمكانيات هذه الآلات الحديثة، وبذلك كان له الفضل الأول – دون غيره – فى تحديث الموسيقى الصومالية وتطويع الإمكانيات الهائلة للغيثارالعادي، الأكورديون، البيانو، الغيثار الكهربائى، البطارية، الفيولين، السكسفون، الترمبيت، والكيبورد لتناسب أنغام وسلالم الموسيقي الصومالية مما نتج عنه فى آخر الأمر توديع الغناء الصومالي لثالوث العود والطبلة والناى إلى الأبد.

تجاوز أحمد ناجى تلك المرحلة إلى مرحلة اُخري تتمثل في تأليف قطع موسيقية تحاكى سمفونيات باخ وموزارت المشهورة فى الغرب، واستخدمت هذه القطع الموسيقية الرائعة فى معظم الأحوال كفواصل زمنية بين البرامج فى راديو مقديشو ثم لاحقاً فى التلفزيون الصومالي، إلى جوار ذلك يعتبر أحمد ناجى سعد أول من أسس شركة لتسجيل الأغانى بالجرامافون وبيعها للجمهور وذلك فور وصول هذا الجهاز إلى أسواق مقديشو أوائل ستينيات القرن المنصرم مما ساعد في ارتفاع دخل فرقته الموسيقية الخاصة ودخول أعضائها فى نادي الأثرياء.

تلي كتابة اللغه الصومالية فى أوائل السبعينيات ارتفاع الشعور القومى ومظاهر الاعتزاز باللغة الصومالية مما دفع فرقة (Jimini Seven) إلى تغيير اسمها إلى شريرو (Shareero) وهو اسم مأخوذ من آلة عزف وترية تعود فى جذورها إلى قري المجتمعات الفلاحية فى جنوب الوطن، إلا أن الفرقة استمرت فى النسج على منوالها القديم، وطغت شهرتها الآفاق بعد أن أصبحت تصدر ألبومات غربية خاصة بها، وتعتبر اُغنية (Buste Lose) باللغة الإنجليزية واحدة من الاُغنيات الشهيرة للمطرب جيري ( Jeeri) التى ما زالت عالقة فى ذهن كاتب هذه الأسطر، رغم السنين وأهوال الخوف و الحرب والفقر والمجاعة.

افتتاح المسرح الوطنى:

كان ذلك فى أواسط عام 1968، ويعتبر هذا الصرح الثقافى العظيم بكل اقتدار، المؤسسة الصومالية الوحيدة التى كانت تعمل بكل طاقتها من يوم افتتاحها فى ميدان حاو تاكو (Xaawa Taako) فى مركز العاصمة مقديشو، وإلى أن حوله الجنرال عيديد من مسرح للثقافة والأدب والفن إلى مجرد ثكنة عسكرية تتمركز فيها قواته البدوية الغازية للعاصمة في باكورة عام 1991م.

كان افتتاح هذا الصرح الفنى العظيم نقلة نوعية جبارة أدخلت فن المسرح الغنائى فى منعطف تاريخي جديد حيث بدء الممثلون وأهل الموسيقي فى الاستفادة من إمكانياته التقنية الحديثة بغرض تحويل جمهور المسرح من مجرد مشاهدين سلبيين إلى متفاعلين يؤثرون ويتأثرون بكل ما يدور فوق خشبة المسرح من مشاهد إلى جوار ذلك أصبح هذا المسرح معلما سياحيا تهفوا إلى رؤيته، ومشاهدة مسرحية فوق خشبته أفئدة الشباب والمراهقين فى جميع أرجاء الوطن، فزيارة العاصمة فى أشهر الصيف كانت تعنى أيضاً الاستمتاع بمشاهدة بعض العروض المسرحية فى هذا المسرح للكثير من طلبة وشباب الأقاليم.

لم تكن طاقة هذا المسرح أكثر من ألفى مقعد، إلا أنه كان بالإمكان إضافة خمسمائة مقعد آخر عند الضرورة، و عنى ذلك اقتصادياً تغيرا جذرىا هائلا فى دخل الفرق عند عرض مسرحياتهم فى هذا الموقع مقارنة بدخلهم الهزيل من الساحات الصغيرة.

الدخل الخرافى الناجم عن قدرة استيعاب المسرح الكبيرة، وارتفاع الطلب على تذاكر الدخول أشعل منافسة عارمة بين الفرق الخاصة من جهة، وبينهم وبين فرقه راديو مقديشو المسنودة من قبل الحكومة من جهة اُخري، ولم يدم هذا الصراع طويلاً حتى امتد إلى منافسة بعضهم البعض فى المدن الكبرى فى طول البلاد وعرضها حيث استخدمت هذه الفرق كل سبل المواصلات المتاحة من أجل التواصل مع جمهور المسرح الغنائى من هرجيسا شمالاً إلى كسمايو جنوباً.

ظهور فرقه وابري (Kooxda Waabari)

بعد وصول نظام العسكر إلى سدة الحكم فى أواخر الستينيات من القرن المنصرم تم توحيد فرقة الجيش الموسيقية فى أفسيوني Avisione مع الفرق الموسيقية لكل من راديو مقديشو وراديو هرجيسا، وأدي ذلك إلى ظهور فرقة موسيقية حديثة تضم فى جنباتها مواهب فنية جديدة، تتمتع بدعم حكومي وتعود فى أصولها الثقافية إلى خارج مدينة مقديشو.

تميزت هذه الفرقة بكبر حجمها إذ كانت تضم مطربين، مؤلفى مسرحيات، مؤلفى أغنيات، إلى جانب ممثلين، وعازفين، ومخرجين، وملحنين، وشعراء، وأصحاب الفلكلورالشعبى وكل من له علاقة عن قريب أو بعيد بفنون الموسيقي والمسرح والرقص والغناء.

أفرزت هذه الفرقة فنانين عظماء ارتفعوا بمستويات التذوق الفني عند الإنسان الصومالي إلى عنان السماء، وقدمت إلى جانب عروض المسرح الغنائى، أغانى وطنية، وحماسية، ورقصات فلكلورية تعود فى أصولها إلى كل قرى وبوادي الوطن مستفيدة بذلك من الخبرات المتنوعة لكل من فرق راديو هرجيسا، ومقديشو وفرق الجيش الموسيقية، إضافة إلى الدماء الجديدة القادمة من خارج مقديشوا والتى عليها إثبات جدارتها كقدرات فنية خلاقة.

الرواد الأوائِل لفرقة وابري

يصعب سرد أسماء المؤسسين الأوائل الذين أرسوا قواعد هذه الفرقة فى أرضية جيدة إلا أنه يمكن الذكر على عجالة كل من: عبد الله قرشة، حليمة مغول، محمد سليمان، مريم مرسل، فاطمة قاسم هلولي، أحمد ناجى، خديجة دليس، هدراوي، بحسن، أحمد علي عقال، أحمد موجى، عمر شولى، عمر طغولي، فارح سيدو، بير ديلاعشي Beer-delaacshe وغيرهم.

السباق من أجل تحجيم شريرو

استمتعت فرقة شريرو الموسيقة بقيادة أحمد ناجى سعد بلقب الفرقة المدللة فى سوق الموسقى والغناء بوصفها الفرقة الوحيدة التى تقدم خدمتها الغنائية والموسيقية إلى الأندية، والملاهى الليلية مثل ليدو وجنغل Jungel، وجزيرة وصالات الرقص فى الفنادق الكبرى مثل العروبة وجوبا إلى جوار خدمتها الموسيقية للفرق المسرحية المتنافسة مثل فرقة Libaaxyada Banadir وعدوتها اللدود Isbaheysiga Anzalooti بالسعر اللذي تراه مناسباً.

لم يدم تاج التدليل المرصوع بالماس والذهب منصوباً فوق رأس هذه الفرقة لمدة طويلة إذ ظهرت على الفور فرق موسيقية جديدة تسعى بخطى حثيثة إلى نيل حصتها من السوق، وذلك بتقدبم خدماتها إلى الملاهى الليلة و مراقص الفنادق الفخمة وفرق العروض المسرحية بأسعار تنافسية. ومن أهم الفرق التى أثبتت جدارتها فى هذا السوق فرقه إفتن Iftin و دردر Durdur وصومالي جاز Somali Jazz وبذلك فقد تاج فرقة شريرو بعضا من بريقه، وتمكنت الفرق المسرحية وملاهى الليل ومراقص الفنادق الفخمة من ادخار بعض مما كانت تدفعه نظير خدمات فرقة شريرو.

فى ظل هذا التنافس الشديد بين كل الفرق التى لها علاقة بالموسيقى والمسرح دخل فن المسرح الغنائى الصومالي عصره الذهبي (1968-1986)، وأصبح بعض من الفرق المتمكنة تطوف حول العالم لتقدم لشعوبه عروضا مسرحية وغنائية ذات جودة فائقة، يضاف إلى ذلك أن الموسيقى الصومالية بدأت تؤثر على موسيقى و اُغنيات الشعوب المجاورة إذ ظهرت فى أواسط السبعينيات أغانى إثيوبية (أمهارية و أورومية) بإيقاع موسيقى صومالية وكذلك بطبيعة الحال أغانى سودانية بإيقاع صومالي مما يدل على أن الغناء السودانى وأن كان يتم بكلمات عربية إلا أن اُصوله الموسيقية إفريقية المنشأ والجذور ويطرب الاُذن الإفريقية، إلا أنه يفشل فى إطراب الأذن العربية لإختلاف السلم الموسيقى فى الغناء السودانى عن المصري على سبيل المثال.

عشية إستقلال جيبوتى

كان من حسن حظ أهلنا فى جيبوتى أنهم لم يكونو بمفردهم فى عشية احتفالهم برفع علم بلادهم فوق تراب وطنهم، إذ شاركهم فى أفراح هذا الحفل التاريخى العظيم إخوانهم فى الصومال حيث قدمت الفرق الموسيقية الصومالية لهذا الشعب الشقيق حفلات موسيقة فى الهواء الطلق، استمتع بإيقاعها وتوحد مع نغماتها عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال والشيوخ فى لحظات رائعة امتدت من غروب الشمس وحتى الساعات الأولى من الفجر ولثلاث أيام متتالية، هذه الحفلات الموسيقية اُقيمت فوق منصات كبيرة نصبت فى كل من ميدان بلاس رامبو فى وسط مدينة جيبوتى العاصمة وكذلك ميادين مدينتى تاجوراء وعلى صبيح.

بطبيعة الحال تركت هذه المشاركة الإيجابية من قبل الفرق الموسيقية الصومالية انطباعاً جيداً عند أشقائنا فى جيبوتى ونتج عن ذلك زيادة نسبة السياح الجيبوتيين إلى الصومال مما دفع الخطوط الجوية الصومالية إلى تيسير ثلاث رحلات اُسبوعية لربط كل من هرجيسا ومقديشو بمدينة جيبوتى، كما افتتح مصرف التجارة والتنمية الصومالى (Bangiga Ganacsiga iyo hormarinta somaliyeed ) فرعاً له فى مدينة جيبوتى.

نافس هذا البنك البنوك الفرنسية والأوربية ذات الخبرة العريقة في الاقتصاد الجيبوتى وتمكن من إثبات ذاته بل وتحقيق أرباح طوال سنوات عمله فى جيبوتى، ليس لأن له خبرات وصلات عميقة بهذا السوق بل لأن الناس كانو يشعرون بانتماء لهذا المصرف أكثر من انتمائهم للبنوك الفرنسية والأجنبية الأخري.

فتح فرع لبنك التجارة والتنمية الصومالى فى جيبوتى إلى جوار رحلات جوية مباشرة إلى هذه المدينة دفع شركات ومصانع المنتوجات الجلدية فى مدينة براوة Barawe التى كانت تصدر منتوجاتها الفائضة عن حاجة السوق المحلية إلى ممباسة إلى فتح منافذ لتسويق منتوجاتها فى جيبوتى.

نافست الشنط اليدوية للسيدات، والحقائب والأحزمة والأحذية المنتوجة فى الصومال المنتوجات الجلدية المستوردة من أوروبا، وذلك لجودتها ورخص أسعارها، إلى جوار الحس التجاري الفائق وحسن المعاملة الذي يتميز به أهل براوة.

اقتفى – بطبيعة الحال – أثر أهل برواة وتجارتهم الناجحة فى جيبوتى شركات صناعة الأزياء المنتجة لآخر صيحات الموضة فى مجال ملابس الفتيات والشباب، هذه الشركات التى تعود أصولها إلى بيوت خبرة عريقة فى المدينة القديمة فى مقديشو أصبح لها منافذ ناجحة لبيع منتوجاتهم فى منطقة جودكا (Goodka) التى هى المركز التجاري لمدينة جيبوتى العاصمة.

تعتبر مدينة هرجيسا الرابح الأكبر فى العلاقات التجارية الجديدة بين جيبوتى والصومال، هنا يتمركز وبنسبة 100% ملاك شاحنات النقل المعروفة بسيسو (Sizu dhego dheere).

تنافست هذه الجماعة من ملاك الشاحنات فيما بينها فى تجارة من العيار الثقيل تمثلت فى شراء الفواكه والموالح الإستواية من قرى الفلاحين البسطاء فى الجنوب بالجملة و بسعر التراب بغرض بيعها فى جيبوتى بسعر الذهب.

وفرت هذه التجارة هامش ربح ممتاز فى كل شحنة تصل إلى مدينة جيبوتى، مما جعل ثمار المانجو، الباباي، الجوافة، البمبلمو، جوز الهند، الموالح وبالطبع ثمار الموز أهم ما يسيل لعاب تجار نقل البضائع المتمركزين فى هرجيسا.

وعلى الجانب الأخر سجلت أيضاً حركة شراء بيوت ومزارع من قبل بعض الاُسر الميسورة فى جيبوتى فى جنوب الصومال وهاجرت هذه الأسر أو بعض أفرادها للاستقرار فى موطنها الجديد بغية الانتفاع بهذه الممتلكات أو الحفاظ عليها.

تتميز هجرة الجيبوتيين إلى جنوب الصومال عن هجرة أهل صوماليلاند إلى هذه المنطقة، بقلة أعدادهم أولاً، وثانيا فى عدم تمركزهم فى حي واحد من أحياء العاصمة، وذلك على عكس أهل الشمال الذين فضلوا التكدس فى حى هدن (Hodan) ثانى أكبر وأرقى أحياء العاصمة مقديشو دون غيره من الأحياء الاُخري.

قد يكون التفسير السيكولوجى لهذه الظاهرة هو أن الجيبوتيين قادمون من مدينة كبيرة هى عاصمة بلادهم، وبذلك لا يخافون من الاندماج أو الانصهار فى مجتمع الجنوب المتعدد الثقافات والأعراق، بينما قدم كل أهل الشمال من مدن صغيرة ذات طبيعة بدوية، لا تقبل الآخر المختلف، تسودها إثنية واحدة وثقافة واحدة بل ولهجة واحدة، ويتولد عن ذلك الخوف من الاندماج والانصهار عند الانتقال الفجائي إلى مجتمع ضخم ومتعدد الجنسيات والثقافات والأعراق.

بعض المسرحيات الغنائية التى عرضت فى المسرح الوطنى

لا يستطيع كاتب هذه الأسطر أن يتذكر أسماء جميع المسرحيات التى عرضت على المسرح الوطنى لفترة تزيد على العقدين والنصف من الزمن وذلك لعدم تخصصه فى هذا المجال أو احترافه للفن، ومع ذلك يمكنه القول بكل اطمئنان أن حصة الأسد فى عرض المسرحيات على المسرح الوطنى تعود لفرقة وابري ذات الأمكانيات الهائلة والدعم الحكومى، ثم تأتي فرق القطاع الخاص فى المرحلة الثانية، والمدون أدناه هى أسماء بعض مسرحيات القطاع التى أثرت فى وجدان كاتب هذه الأسطر والعالقة فى ذهنه حتى اليوم وهي: Talaxume tol ma badiyo, Boqorkii Jaceelka, Roxaanta Israacde, Maxkamadii Jaceelka, Sedkaa Saaxir makaareebo, Ku-waano qaado waqtiga, Wiil iyo Waalid kala war-l’a, Imtixaanka Aduunka, Gebedhii la’aroose guurkeeda labaad, iyo Sir Naageed lama Sal-gaaro.

حياة الليل فى مقديشو:

من الظواهر الاجتماعية الملفته للنظر هى كثرة المؤسسات الترفيهية لسكان مقديشو الذين لم يزد تعدادهم فى سبعينيات القرن الماضى عن ربع مليون نسمة بأي حال من الأحوال، فشارع مكة المكرمة تميز بكثرة مقاهى الشاي التى تفتح – عند الغروب- أبوابها لمحبي الإستمتاع بالأغاني على أجهزة الإستيريو ذات السماعتين فى الهواء الطلق، كانت هذه المقاهى تزدحم بالزبائن ولا تهدأ فيها الحركة قبل الحادية عشر ليلاً، يضاف إلى ذلك 10 دور سينما هى: Banadir, Afrika, Xamar, Somalia, Nasar, Misione, Hodan, Equatore, Shaleemo Super iyo Xadramuut. ( يستمتع الأطفال والبنات بمشاهدة الأفلام فى هذه الدور من السادسة مساءً، بينما يستمتع الكبار بالعروض السينمائية من التاسعة والربع مساءً وحتى الحادية عشر ليلاً. هذا يعنى أن هذه الدور كانت تقدم لجمهورها كل ليلة 20 عرضاً سينمائياً من أحدث ما أنتجته صناعة السينما فى كل من الهند والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الأندية الليلة وعروض المسرح الوطنى المتوفرة لعاشقى هذا الفن كل ليلة طوال أيام الأسبوع.

إذا قارنت ذلك بمدينة القاهرة التى كان يسكن فيها 17 مليون نسمة فلا تجد فى وسط المدينة سوي 7 دور سينماء هى ( Diana, Qars-Alini Metro Rivoli,wa Al-opera )، بما يعنى 14 عروضاً فى الليلة الواحدة يضاف إلى ذلك مسرح فكاهى لعادل إمام و آخر لمحمد صبحى، أما الملاهى الليلية فى شارع الهرم فلم تكن تقدم خدمات ترفيهة إلا فى عطلة الأسبوع وكان معظم زبائنها من السياح والمغتربين.

أما طرابلس فلم تتمتع حتى عند سقوط القذافي بأكثر من 4 دور سينما كانت تقدم خدماتها لسكان كان يتجاوز عددهم المليون نسمة، ولا يعرف أهل طرابلس أي نوع من أنواع المسرح حتى يومنا هذا.

أديس أبابا دورين للسينما ومسرح فكاهى واحد لسكان يتجاوز الـ 8 مليون حتى يومنا هذا، يضاف إلى ذلك مجموعة من الملاهى الليلة انخفض جمهورها نتيجة للتضخم والخوف من مرض الأيدز، الخرطوم: لا يعرف الكاتب كثيراً عن الخرطوم إلا أنه لا يتوقع وجود أكثر من 5 دور سينما فى مركز المدينة، صنعاء عدد السكان غير معروف للكاتب، دورين للسينما فى وسط المدينة، لا مسرح، ويرفه الناس عن أنفسهم بمضغ أوراق شجرة القات، جيبوتى لا يعرف الكاتب عدد سكان المدينه، 5 أدوار سينما، لا يوجد مسرح، لا يوجد مقاهى ليلية ترفه عن زبائنها بتقديم خدمات موسيقية لهم، توجد مطاعم تقدم لزبائنها وجبات ليلية على الهواء الطلق، يرفه الناس عن أنفسهم بمضغ أوراق شجرة القات. جدة: لا يعرف الكاتب عدد السكان في جده، لا أدوار سينما ولا مسرح، ويرفه الناس عن أنفسهم فى البقاء فى البيت والفرجة على التلفزيون.

2 تعليقان

  1. شكرا يا اخى لكن ينبغى اي كاتب ان يكون له المام ومعرفة تجاه بلده,يقول الكاتب المحترم تكدس الشماليون احياءمعية فى مقديشو لكن مما يجهل او تيجاهل اخونا ان اقدم المدن الصومالية تقع فى الشمال بينما يقول الاخ العزيز ان الشمالين بسبب انهم من ثقافة واحدة و جميعهم من البادية, صحيح حياة بدواة موجوة فى الشمال والصومال عامة لكن بجانبهايوجد الحضارة عريقة وقديمة من اجل ذللك يتعانق حياة البداوة والحضر اضف الى ذلك ان جيبوتى اسست من قبل اهل الشمال لذى نحث على الكاتب ان يتحرى الدقة والمضوعية ونقل معلومة من غير تشويه او هجوم لاحد

  2. لم يدم تاج التدليل المرصوع بالماس والذهب منصوباً فوق رأس هذه الفرقة لمدة طويلة إذ ظهر على الفور فرق موسيقية جديدة تسعى بخطى حثيثة إلى نيل حصتها من السوق، وذلك بتقدم خدماتها إلى الملاهى الليلة و مراقص الفنادق الفخمة وفرق العروض المسرحية بأسعار تنافسية. ومن أهم الفرق ألتى أثبتت جدارتها فى هذا السوق فرقه إفتن Iftin و دردر Durdur وصومالي جاز Somali Jazzوبذلك فقد تاج فرقة شريرو بعض من بريقة، وتمكنت الفرق المسرحية وملاهى الليل ومراقص الفنادق الفخمة من إدخار بعض مما كانت تدفه نظير خدماتخدمات فرقة شريرو.

    ———– يارجل أتق الله ،وأحسن القول ، لعل الله أن يرفع البلاء من بلدك.—

    هذه من أسباب التى أدت أن يحل غضب الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة ، لذلك الواجب أن تحثهاعلى التوبة، لا أن تحيي الماضي.

%d مدونون معجبون بهذه: