حرقة دموع.. (قصة قصيرة)

دمعةكنا فى منتجع دار الهدى على مقربة من مدرسة أحمد جرى شرقي مقديشو .صلينا الصبح فى جماعة فى مسجد المدرسة، وبعد مضى وقت من الزمن أرسلت الشمس أشعتها لتلامس وجوهنا ولم يكن هذا الصباح ربيعياً بالنسبة لنا، ولم نلبث غير قليل حتى فوجئنا بسماع أزير المدافع والطلقات النارية تجاه الشارع الذي لايبعد سوى 100 مترعن دارنا.

التفتّ إلى زميلى الذي تبدو علامات الدعر و الفزع والهلع على  وجهه، وبادرنى بالسؤال قبل أن أصب فى أدنيه سيلاً من الاسئلة.

وقال لى هل هذه المدافع والطلقات النارية نذر حرب دامية متسعة الدائرة؟!

فقلت له : لاتتعجل يا زميلى فإن الأمر لم يتضح بعد .

وبعد قليل بدأت المدافع تسقط تباعاً قرب دارنا حتى أجبرتنا على الفرار من المنطقة، وبدأنا نحتمي بالمسجد.. كانت القذائف والصواريخ تنهال على المنطقة..احتشد فريق منا فى محراب المسجد علّه يجد مكاناً آمناً من الخطر الداهم، وسرعان ما اهتزت أركان المسجد حتى شككنا أن قديفة هاون سقطت على الطابق العلوي من المسجد،وبدأ بعض من المحتمين بالمسجد يتضرعون إلى الله وآخرون محزونون ينتابهم شعور بالخوف والقلق والاكتئاب، ويتساءل آخرون في إحدى الزوايا بالمسجد، أين المفر من هذا القضاء المحتوم؟..كل هذه التساؤلات وغيرها تخطر على بال الجميع وكل منا على هون .

قوات جرّارة  ـ لم نعرفها ـ مدججة بالدبابات العسكرية وآليات مدرعة أخرى تجول فى الشارع، وتطلق الرصاص في كل الاتجاهات وتقتل من وقع فى نسيجها العنكبوتي من دون شفقة.

في الساعة الرابعة والنصف صباحاً خرجتُ من المحراب قاصداً إلى شرفة المسجد فصدمتنى مشاهد مؤلمة ومروعة لأطفال في أحضان أمهم يتعالى صراخهم وبكاؤهم، بكاؤهم المرّ اختلط بصوت قذائف الهاون التي لا يعلوها صوت آخر في المنطقة، وكانت الصواريخ مستمرة وكنا إذا سقطت مدفعية تتلاحم أجسادنا من دون إرادة منا، ولا أحد يتمالك عندما يسمع دوي الانفجارات التى تنفجر حوالي المسجد.

ساد الصمت برهة فى المنطقة وهدأت النيران بعد ثلاث ساعات متتالية من الحرب الطاحنة التي أكلت وشربت من معالم المنطقة؛ حيث غطت (المنطقة) بالأنقاض والحطام والجدران المهدمة وكانت المخازن والمنشآة والأبنية والعمارات  تتأجج ناراً فيما كانت شاحنات الفحم تحولت إلى رمادٍ، وكانت رائحة الذخيرة وزيت المدافع تزكم الأنوف وبدأنا نكمّم أفواهنا بثيابنا وبالمناديل أحياناً أخرى.

***********

الساعة تشير إلى السابعة إلا ربعاً ..انصرف الجميع إلى الوضوء بعد أن خيم هدوء حذر على المنطقة لكن هدير الرصاص مابرح يقض مضاجعنا، لكننا مع ارتفاع أصوات البنادق الكلاشنكوف صلينا ولله الحمد.

وبعد عشر دقائق شاهدت رجالاً يحملون فوق أكتافهم أسلحة خفيفة وثقيلة، أعمارهم تتراوح مابين 20 ـ 30 عاماً وصدوا القوات المدججة التى اجتاحت المنطقة صباح اليوم .وأصبح الشبان مثلاً رائعاً يتداول حديثهم الجميع، كانوا آية فى البسالة والإقدام … وسرعان ما خطر على بالي أن الحرب لم تنته بعد .. وأنها ماتزال في أوجها. عاد الجميع إلى الدار ليملأ بطنه التي أفرغه صوت الرصاص من كل حبة أرز أو شعيرة تلقفها البارحة.

كان جو الطعام غريباً حيث يسوده صمت طويل ..ليس اليوم كالأيام التى عشنا فيها بسعادة وطمأنينة … فى زاوية من الصالة شخص يتحدث عن نفسه وآخر يفرقع أصابعه وثالث فى جوّ خيالي أخر ( شتان بين الواقع والخيال ).

الشمس تغيب عن أنظارنا رويداً رويداً ومازالت أصوات المدافع تنساب إلى مسامعنا وتخترق قلوبنا وتجري كالشريان فى دمنا، لكن قرر الجميع أن يفارق المنطقة التى تدك فيها المدافع دكاً شديداً وخرجنا من المكان سوياً ليتمتم بعض منا (..الحمد لله الذي نجانا من هذه البقعة المظلوم أهلها، كنا نسير مهرولين لانعرف إلى أين نريد؟ وإلى أين نتجه؟..كل منا يجُرُ كيسه الأسود الذي يحوى الأغطية والمقررات الدراسية، وقد سلكنا أول طريق رأيناه على الرغم من تساقط الصواريخ المنهمرة على المنطقة وكان الطريق وعراً لكثرة الصخور التى تشتهر بها المنطقة .

***********

وعندما أسدل الليل ستاره فى المنطقة المظلمة  وأرسل القمر أشعته البنفسجية ليرسم على وجوهنا خيوطاً متعرجة  ويبعث فى النفوس بصيصاً من الأمل للخروج من المنطقة التى رسخت فى أدهاننا حقد المتقاتلين فى المنطقة … وبدأ الجميع يستريح فى مكان خاص … عسى القوم أن ينسوا أهوال المعركة المحتدمة التى غيرت طباعهم وملامحهم ..

وها أنذا أوزع النظرات على المكان، وأشاهد القذائف والصواريخ المنهمرة على المنطقة والتى تنير المنطقة بحممها المتصاعدة، الغريب يتوهم أن المنطقة تحتفل بالعيد أو بمناسبة نضالية أخرى ..لكن أعمدة الدخان وألسنة اللهب تتصاعد وهي آخدة فى الانتشار  آكلة كل أثاث البيوت والأمتعة التى فرّ أهلها، وعادت المنطقة إلى العصر الحجري ..فلا حياة هناك ..كل البيوت قد سويت تماماً بالأرض …

في اليوم الثاني طلعت شمس لهيبة فى الأفق مختلفة عن أختها السابقة لكن ( كل يوم هو فى شأن ) .. رائحة الأشجار الوردية والنباتات  الجميلة، وأغاريد العصفور فى البكور كلها تشكل لوحة فنية جميلة فى مخيلتنا وتسرى كالشريان فى دمنا ..

ذلك اليوم فرق القلوب المتلحمة والمتجسمة فى قلب واحد ويفارق الصديق زميله والأيدي تتصافح ويتبادل الأصدقاء كلمات الوداع كمن يزور بلدأ أجنبياً آخر …كل منا يحبس دموعه حتى اقتحمت الدموع المآقي ..لتسيل على الأخاديد ..كل واحد يشاطر مع رفيقه  لوعة الفراق وحرقة الدموع التى تحفر الأخاديد ..

أنا وثلاثة آخرون نسير في غابات تكثر فيها الأشواك المؤلمة .. نقفز على الأشجار الصغيرة حتى لا نتأخر….اختلفت الأفكار والاتجاهات مرة أخرى ليذهب كل منا تجاه عشيرته ليحقق نواياه .. وكنت أسير بسرعة فى منتصف الشارع و فى عالم خيالي أخر وضاقت أحلامي وآمالي  …. لكن أحلام الرجال لاتضيق .

تعليق واحد

  1. قصة رائعة تعبر عن جزء من واقعنا المؤلم، واقول الجزء لان الكاتب الشاب شافعي ، كان رحيما بالقراء

%d مدونون معجبون بهذه: