من أجل الدجاجة (قصة قصيرة)

عزيزي أحمد،

أرجو أن تكون في أفضل حال، أما عن حالي فلله الحمد، ولكن ما زالت سماؤنا كئيبة لكنها لا تدمع، فقد جفت الأرض حتى من الدماء، ذبل الشجر يا أحمد لأن الهواء فسد، حتى البحر صار بخيلا،،

لعلك يا أخ أحمد تتساءل لماذا أكتب لك ولا أحدثك هاتفيا، رغم أنك أهديتني جوالا باهظ الثمن .. لا تقلق .. لم أضيعه ولم أبعه لكن مثل هذا الجوال صار محرما علينا، لأن حركة الشباب سمعت بأنه يمكن مشاهدة مبارايات كرة القدم عليها، وقد يستعيض عنه الناس عن مشاهدة كرة القدم وغيرها من الأمور التي حرمتها الحركة، فقد نقلت الحركة الكرة من خانة الرياضة إلي خانة الفن المحرم لديها.

صديقي أحمد،

لعلك تستغرب من خطي الذي يشبه خربشات الدجاج .. حسنا .. سوف أخبرك !

مزقت الورقة ولم أكمل كتابتها.. كنت أريد أن أسأل صديقي أحمد في نيروبي أن يرسل إلي مبلغا صغيرا يفك عني ضيقتي كما يفعل الكثيرون، لكن استحيت .. رغم قسوة الظروف، فالحِر [1] الحقيقي لا يسأل الناس وإن كانوا أصدقاء

كنت أجوع يوما وأشبع يوما، لكن منذ ذلك اليوم الذي ذبحت فيه دجاجة تائهة لم أعرف إلا الجوع .. كنت أنوي أكل السمك رغم أني لا أطيق السمك، ولكن للجوع أحكامه، ذهبت إلي البحر .. جلست علي إحدى الصخور وألقيت بالصنارة لأول مرة في حياتي، وانتظرت، وطال انتظاري … هل  فرغ البحر من السمك أو هو من سوء حظي، أم ان الأسماك تعتبر وتتعلم من الحياة فلا تقترب من الطعمة التي في الصنارة القاتلة، يبدو أنه كذلك .. يبدو انه نحن فقط أبناء الصومال لا نعتبر، ..  صارت الأسماك أعقل منا فلا يستقيم أن تسخر من أجلنا .. لما كان البحر مسخرا لنا كانت الأسماك تداعب أقدامنا إذا ما نزلنا البحر.

لم أيأس .. انتظرت في صبر، أحدث الأمواج تارة وأتأمل مباني شنغاني الصامدة، منذ قرون كانت شنغاني قلب مقديشو، وعروس أفريقيا، شاخت لكن مسحة الجمال لم تفارقها أبدا حتى بعد أن اعتدي عليها الأعراب وحل عليها الدمار، ظلت تبتسم للبحر ولم يتوقف البحر عن التفنن في غزلها.

لم أكن الجائع الوحيد .. هناك علي بعد مسافة قصيرة خروف وحمار يقتاتان من القمامة بينما كانت حمامة تقتات من على ظهر الحمار .. قديما لم نكن نرى حيوانات تجول في هذه المنطقة التي كانت تعج بالأشراف، أما الآن فالخرفان سادة الأسياد.
كان الأشراف يرون تقبيل أياديهم سنة مؤكدة، غير أنهم كانوا كرماء، ولائمهم لا تنتهي، كانت هذه الولائم والمواليد الأسبوعية تخفف عنا وطأة الحياة نحن طلبة العلم، أو “الحِر” كما يسموننا، إنه باب فتحه الله لنا كي نتفرغ لطلب العلم، للأسف الحركة المسيطرة على العاصمة حكمت ببدعية الولائم، فاليوم إذا مات أحد يدفن للتو، لا وليمة ولا ختمة ولا حتى تلقين .. حتى الفاتحة على روح الميت صارت بدعة، وإمامنا الشافعي الذي كان يجمعنا صار مبتدعا، لأنه كان يداوم علي قنوت الفجر، الصلاة فقدت روحانياتها، لم نعد نصافح بعضنا بعد الصلاة .. ننصرف فور انتهاء الصلاة فالدعاء بعد الصلاة بدعة.أيضا
شعرت بجذب خفيف من طرف خيط الصنارة، جذبت الخيط سريعا، لكن يبدو أني توهمت فلم أشعر بأي مقاومة تدل علي وقوع الصيد في الصنارة .. نظرت نحو القمامة .. كان الخروف يتحرش بالحمار كأنه يسعي إلي شجار .. الخروف هيئته غريبة جدا نوعا ما .. رأسه أشبه برأس البقر الوحشي وله عدة قرون ،، منظر عجيب ،، أربعة .. خمسة .. سبعة  .. خروف بسبعة قرون ويتحرش بحمار، ما سبق لي ان رأيت خروفا بهذه الهيئة ..

ويحك أيها الخروف، إنه لا يبحث عن شجار بل يسعى إلى المحبة، كأنه يريد أن يمكن الحمار من نفسه .. أف عليك أيها الخروف الشاذ .. ما أظنك صوماليا أبدا .. لا شك أنه خروف من أصول حبشية ويجب أن يصلب ثم يرجم .. أين أنتم أيها الشباب.

اشمئززت من منظر الخروف وفعلته الشنيعة ونفذ صبري من بخل البحر الذي لم يعد يحبنا، ولا لوم عليه، فالحب لا يكون من طرف واحد .. جمعت عدتي ووضعتها في الكيس لأنصرف.

عندما كنت علي بعد مرمي حجر من القمامة، تناولت حجرا لأخيف به الخروف المشاكس فأصرفه عن محاولاته غير الأخلاقية .. ولكن كانت هناك أيضا دجاجة ترتزق من القمامة فما أردت أن أخيفها .. وأظن انها خائفة قبل أن أخيفها .. رغم أنها أكبر من حجم الدجاجة العادية إلا أنها كانت هزيلة .. كأنها كانت ديكا يوما ما .. ولم لا؟ إذا أمكن تحول البنادريين [2] إلى أعراب[3] والعشاق إلى همج، فما أسهل تحول الديك إلى دجاجة.

ألقيت بالحجر لا إراديا نحو الخروف بعد فعلة جريئة منه .. الخروف لم يبال بينما فرت الدجاجة المسكينة .. خطر في بالي خاطر شرير.. جلست علي حجر جيري أصوغ مبررات للخاطر الشرير وفي نفس الوقت أحاول أن أصرف ذهني بالنظر إلى الخروف العجيب وقرونه السبعة .. الكتب تذكر ما تولد عن الكلب والخنزير .. أيضا الحمار والفرس، لكن ما سمعنا عن خروف وحمار، فكيف إذا كان الخروف ليس أنثي! .. لكن ماذا لو كان أنثي؟ .. ترى ماذا يتولد عن الحمار والخروف؟ .. بالتأكيد لا شيء، الخروف لا يلد إلا خروفا .. النملة لا تلد فيلا .. والإنسان لا يلد ملاكا.

،تناولت حجرا آخرا وألقيته نحو الخروف، ابتعد الحمار ونظر إلى الخروف نظرة لم تكن وديعة أبدا، ثم تلاه الحمار ورأيت علي جبهته إشارة حمراء كتلك التي علي العلم الإنجليزي.

عادت الدجاجة تنقب في القمامة فعادت خواطري الشريرة .. لعلها رحمة ربي .. لعلها دجاجة سماوية أرسلها ربي، لكن قد يتبعها فضيحة كبرى .. حر يسرق دجاجة .. أليس من الأفضل أن يقال حر يسرق خروفا .. هذا أشرف، وقد قيل: إن سرقت فاسرق الجمل كما قيل: إن دخلت النار فتعمق فيها .. ولكن .. نجاسة الخروف الصليبي منفرة .. لم يرق لي أكل خروفا مخنث أفرج ساقيه لحمار.

حاولت أن أمسك بالدجاجة .. الخروف لم يكن راضيا .. ينظر إلي نظرة شريرة كأنه يريد أن ينطحني ولا أدري ما دخله في الأمر، بعد عدة محاولات وقعت الدجاجة في يدي فطيرت رقبتها وطيرت حركة الشباب يدي بعدها بساعات من أجل الدجاجة، لذلك أصبحت رسالتي كخربشات الدجاج، وسأظل أخربش إلي أن أعتاد الكتابة باليد اليسرى!

 
[1] حر بكسر الحاء وسكون الراء كلمة صومالية وتعني طلبة العلم أو اتباع
[2]البنادريون، عشيرة في مقديشو، غير ان الكاتب هنا يقصد جميع سكان بنادر
[3]الأعراب هم سكان البوادي، لا يأنسون بمكان ولا يستقرون فيه

تعليق واحد

  1. ماشاء الله مقال رائع,ليس لنا إلا التوجه إلى الدعاء لأرضنا الحبيبة,أعاده الله إليينا

%d مدونون معجبون بهذه: