تلميذ الدهر …!

في صباح باكر كثير الضباب، مُصّفر الآفاق، مغيم الأجواء، هادئ الرياح، طفق أحمد يمشي على امتداد الشاطئ يتأمل في جمال البحر ورونقه، ويطلق عنان خياله الفسيح مستنشقا نسيم المياه، وذبذبات هدير الأمواج تداعب أسماعه، يوما كما يبدو من أجمل أيام أحمد لا سيما أن الشاطئ هو المكان المحبب إلى قلب أحمد،ودائما ما يقضي أوقاته السعيدة عند البحر.

لم يمر الوقت طويلا حتى سمع أحمد نحيب شخص يتمتم جالسا على صخرة أمام البحر، حاول الاقتراب أكثر كي يتسنى له سماع هذا الصوت فتمهل أحمد قليلا وتنصت، فإذا ببنت جميلة كأنها فلقة من القمر،بل القمر فلقة منها، غيمها الغم وأثقلها الهم تنوح وتقول:

مَا للحياة لا تَسُرْ *** ومن همومي أَضّجِرْ

وفي فؤادي تَسْتَعِرْ *** نيران غم ذي شَرَرْ؟!

وقف أحمد عند الصخرة وصمت برهة ثم سلّم عليها وقال لها:

أَوَفِي الهواء مُسْتَقَرْ *** أو تنج نفس من قَدَرْ؟!

أم كيف يمنحنا الشّجَرْ*** ثمرا، ولم يأت المَطَرْ؟!

رفعت البنت رأسها لتنظر إلى وجه أحمد والذي أبهرها بالكلام وقالت له:

أملي يكاد يَحْتَضِرْ *** وتفاؤلي ها يَْدَثِرْ

والعين أتلفها السَهَرْ *** تبكي وتصرخ لِلْفَجَرْ

أحس أحمد بالمعاناة التي تمر بها ومدى جرحها الأليم وحزنها الدفين وتذوق من كلماتها كم هائل من الحسرة واليأس،ولكنه أجابها بقوله:

إني تعودت السَمَرْ *** حتى أبوح للقَمَرْ

سرا بأحشائي غَبَرْ *** ولذاك لا ألقى الضَرَرْ

حاولت أن تبين لأحمد الحالة التي تمر بها، فيبدو أن أحمد يستهين بكل تلك الهموم ويأخذ كل شيء على محمل السهل، فقالت:

الهم في قلبي اِنْتَشَرْ *** كالجيش لما يَنْتَصِرْ

يكيد لي بكل شَرْ *** فدلني على المَفَرْ ؟!

أجاب أحمد بكل بداهة قائلا لها:

إن الحياة لا تَذَرْ *** نفسا بحال مُسْتَمِرْ

صفو يلاحقه كَدَرْ*** كدر يلاحقه أَشَرْ

لامس كلام أحمد الوتر المؤثر في فؤادها وانبهرت به وبأفكاره النيرة وبتعبيراته المفرحة والتي تطرح على القلب الأمل والتفاؤل فقالت له متسائلة!:

من أنت يا ثَبْتُ الغِدَرْ *** هل لي بأن أدري الخَبَرْ؟!

بل كيف تنسج ذا الفِكَرْ *** أم كيف تنثر بالدُرَرْ ؟!

فأجابها وقد بدأ ينصرف عنها ويقول:

إني لتلميذ الدّهَرْ *** والدهر يعطينا العِبَرْ

والدرس منفعة البشر *** والدهر يمنحنا الخِبَرْ

فلم تزل تنظره بإعجاب حتى اختفى من عينيها، وقامت متفائلة وقد أنقذها عبارات أحمد المنمقة من دوامة الحزن، وبدأت بعد ذلك الصباح تجلس على تلك الصخرة تأمل في رؤية أحمد مرة أخرى.

تعليق واحد

  1. بوركت وبورك قلمك يا أستاذ عبدالوهاب، لقد كتبت مقالا رائعا فيه جاذبية أدبية تجتذب المشاعر وتخطف الأحاسيس ما شاء الله، أديب غض الإهاب (صغير).
    فعلا تحرّكت غوّاصات ذاكرتنا فى بحر خيّالك الأدبي الجميل، كأنني على مشارف بحر الأحمر فى بوصاصو الذي أخذنا حوله( أنا وأنت) حزمة من أعمارنا أيام الطفولة والنشأة.
    أخيرا كلماتك تستحق أن تكتب بماء الذهب على صفحات من نور يا سلام لك عاطر تحياتي وأشواقي

%d مدونون معجبون بهذه: