نور الدين فارح: الكتابة وطني الوحيد

يعيش في عالم بلا حواجز ثقافية او فكرية, وبعد ان نفاه سياد بري عن وطنه الصومال منذ العام 1976, اختار الكاتب نور الدين فرح اكثر من بلد مكانا لإقامته, فعاش في غامبيا والسودان واوغندا واثيوبيا ونيجيريا. والآن يعيش في كيب تاون جنوب افريقيا, وهو يتكلم الايطالية والامهارية والانكليزية والصومالية وبعضا من الفرنسية.
يعالج في اعماله الروائية أزمة ما بعد الاستعمار, نهاية الدولة القومية, النزوح والعودة, التحزب والعزلة.
في روايته الاخيرة «حلقات», يواصل فارح رحلة العودة الى مقاديشو, التي شاهدها لأول مرة في العام 1996, بعد 22 عاما من المنفى الاجباري, وكتب يقول: «كنت اتمنى ان اكون شاهدا, كاتبا يكتب شهادته في الوقت الذي تمزقت فيه مقاديشو الى اشلاء مثل لعبة طفل, ومثل طفل تمنيت لو كنت قادرا على البكاء المباح وهو ما فعلته بعيدا وبصمت في غرفتي في الفندق».
دائما يسافر نور الدين فرح خفيفا, حاملا معه كتابا ودفترا غلافهما من الكرتون كي يستطيع الكتابة وتسجيل الملاحظات. انه ابن الصومال, ولد في بلاد البدو والشعراء, وورث عن طبيعة ناس وطنه الميل الى التشرد وحب الادب. أغنته ثقافات كثيرة, افريقية, شرقية, اوروبية, وابتكر شخصيات رائعة.
وهو طفل رأى والدته تؤلف قصائدها بصوت عال, ذارعة الدار ذهابا وايابا, ولا تستقر الا حين تطمئن الى ان ابيات شعرها اصبحت جاهزة للالقاء. فالشعر الصومالي لا يكتب, بل ينشد أو يغنى. في عائلة فرح جيل نور الدين هو أول جيل تعلم القراءة والكتابة. في المساء, كان الفتى الصغير ينام وهو يصغي الى تهويدة اغنية لتنويم الاطفال, ألفتها امه له وحده, كما فعلت ذلك لكل واحد من ابنائها العشرة. في النهار يكتشف العالم اللانهائي للقصص المكتوبة, بدءا بـ«الف ليلة وليلة». في عمر 20 سنة €1965€ وقّع نورالدين فرح اولى قصصه الخيالية, ونشرت على حلقات في يومية صومالية.
عن ذلك يقول «حتى العام 1972, لغتي الام, الصومالية لم تكن تكتب». في اثناء مروره العابر في لندن, اعاد قراءة المسودات المطبعية لروايته الجديدة «اسرار», الجزء الاخير من ثلاثية, تتضمن ايضا «اقانيم» و«هبات», تشكل العمل الاهم في انتاج كاتب في اوج النضوج. تشهد هذه الثلاثية اضافة الى سائر رواياته, على غزارة اللغات والثقافات والتجارب التي تمخض عنها ادراكه الفريد. في المدرسة تعلم نور الدين فرح العربية, لغة القرآن, والامهرية لغة الاثيوبيين, المسيطرين على منطقته اوغنده ثم الانكليزية والايطالية, لغتي المستعمرين النافذين. في عمر 20 سنة رحل لتحضير اجازة في الفلسفة الهندية في جامعة شتوتغارت, حيث التقى زوجته الاولى, وتسجل فيما بعد لمتابعة دراسات مسرحية في لندن.

الروائي الصومالي العالمي نور الدين فارح

الروائي الصومالي العالمي نور الدين فارح

ازدادت صعوبة عودته الى الصومال. فالرئيس سياد بري, لا يحب اصحاب الفكر الحر, في عمر حوالى 30 سنة ارغم على ترك ارضه. مذاك عاش متنقلا بين بلدان عدة, خصوصا في افريقيا. يقول: «كوني حرمت العيش في الصومال, عشت في بلد من صنع خيالي». يسكن في معظم الوقت في كادونا, مدينة في شمال نيجيريا حيث توجد عائلته وزوجته الحالية. وهي باحثة تدرس موقع النساء في السياسة النيجيرية.
يردف قائلا: «انا صومالي, اي انني ورثت اساطير ورموزا واشعارا, كل ما اكتبه يحدث في الصومال… هذا التجذر يعطي معنى, وربما نوعا من العالمية لكتاباتي. لكنني لست صوماليا فقط. انا افريقي, مسلم, مواطن عالمي ومنفي. اتقاسم مع مسلم من الشرق الاوسط أو الهند, امورا كثيرة مما هو مع بعض الافارقة».
يتنزه الكاتب بين ناطحات السحاب والاكواخ الصغيرة, بين شريط مسجل عليه الشعر الشفهي الصومالي وروايات العالم اجمع: «لم تكن حياتي مستقرة كثيرا مطلقا, لهذا السبب في الحقيقة, يهمني العيش في افريقيا ويلهمني. احب فيها تناقضاتي, لأنني اسافر دائما بين عقليات متناقضة, وثقافات متناقضة, بين التجانس والتغاير».
هذه الفوضى الحميمة هي طابعه, يسخر من الظلمات, يبتكر شخصيات ساطعة على هوامش الحياة العادية دائما.
في الجزأين الاول والثاني, «اقانيم» و«هبات», من ثلاثيته, كتب بصيغة المؤنث, تخيل مولودين رائعين, وصف فتى صغيرا ظن انه يحيض مثل فتاة شابة, ثم حمل امرأة عجوزا الى داخله. لا يهم الترتيب الذي نقرأ فيه الجزأين الاول والثاني من هذه الثلاثية: هناك مضامين موضوعية مشتركة بينهما, لكن الشخصيات مختلفة تماما.
الطفل في رواية «اقانيم» فقد والده الذي مات بعد الحمل بقليل, ثم امه في اثناء الولادة. تبنته امرأة بسيطة اظهرت كل ما تدخره من ذكاء وحسية نحو هذا الطفل­ الهدية من القدر. دارت احداث القصة خلال الحرب بين الصومال واثيوبيا.
اما الولد الذي عثر عليه في رواية «هبات» فقد اتى ليشوش شخصياتها, كاشفا إياها لأنفسنا والآخرين.
«هبات» هي اولا قصة حب تدور احداثها في مقديشو, العاصمة الصومالية, بعدما ادت هزيمة الجيش في اوغادين الى جعل الصومال خاضعة لـ«المساعدة» الدولية ولـ«هباتها».
مسؤولة الممرضات في دار للتوليد في مقديشو, هي امرأة تدعى دنيا, عمرها 35 سنة. تربي ولدين توأمين, انجبتهما من زواجها الاول القسري من رجل عجوز أعمى, صديق ابيها, وفتاة انجبتها من زواجها الثاني من صحفي مدمن على الكحول. التقت المدعو بوزازو الذي يعمل لمصلحة الامم المتحدة, اثر عودته من الولايات المتحدة, نسجت علاقة حب بطيء, وعميق بين هذين الكائنين اللذين جعلتهما جروحات الحياة يتسمان بنضج ورقة استثنائيين.
منذ روايته الاولى «ولدت من ضلع آدم», تقمص نور الدين فرح شخصياته النسائية, وجعل منها المحرك الاساسي لأحداث رواياته وبطلاتها. يشرح اليوم الامر قائلا: «كتبت هذه الرواية في عمر 23 سنة, تنقصها الحذلكة من دون شك, لكنها تعالج موضوعات, مثل الختان, التعقيم, والاغتصاب التي تصدت لها بتوسع نصيرات تحرر المرأة في السبعينيات».
رواية «حلقات» تجري احداثها في مدينة مقاديشو, وكتب المؤلف في مقدمتها مقتبسا من «جحيم دانتي»: «من خلالي يمر الطريق الى مدينة المعاناة, من خلالي يمر الطريق الى الألم الابدي, من خلالي يمر الطريق الذي يجري بين المفقودين».
في هذه الرواية نتعرف إلى مدينة بلا حكومة مركزية, وتنقصها جميع الخدمات الضرورية لمواصلة الحياة والاتصال مع العالم: الخدمات البريدية, الهاتف, المدارس, عمال التنظيفات, الشوارع المعبدة… الخ.
واثناء هذا الوصف لحالة المدينة المزرية اليوم, يحاول نور الدين فرح العودة بالذاكرة الى الماضي, حيث كانت مقاديشو, نظيفة ونموذجية, ومركزا تجاريا مهماً مع العالم العربي.يقول: «كانت مقاديشو في الماضي, مدينة مرتبة, نظيفة, آمنة, مدينة تعيش حياتها الخاصة بسلام. الحاضرة المحبوبة بسواحلها ومقاهيها ومطاعمها وافلامها السينمائية في آخر الليل».
واليوم «انها مدينة الموت», حيث تخضع لارهاب المسلحين الذين ينشرون فيها الفوضى ويرعبون الناس, فأصبح المرء بلا حماية حتى بين ابناء عشيرته, الذين اذا طمعوا بما عندك, فسوف يقتلونك بلا شفقة أو رفة جفن.
ودانتي الذي يقاد عبر الجحيم يحضر في الرواية من خلال «جبيلة» السجين السياسي والبروفسور الذي اختار اطروحته في الدكتوراه عن «الجحيم» لدانتي, لكنه حين حاول ترجمتها الى اللغة الصومالية فشل في ذلك.
«جبيلة» العائد من نيويورك بعد سنين طوال من المنفى ليزور ضريح والدته, وكي يساعد في العثور على الطفلة «راستا» ابنة اخ صديقه الطبيب «بايل» والتي لم يعرف بعد سبب اختطافها. «جبيلة» هذا رجل يتمتع بميزات عديدة, فهو رجل ذو ثقافة موسوعية, ويدرس في جامعة بادوا, ويشرب القهوة, ويختار اطعمة تكشف عن خبرة في فن التذوق. «جبيلة» سرعان ما يفكر باسطورة صومالية, وفي لحظة ما يقلق بشأن الكهرباء وغيرها من الامور التي توحي بأنه حريص على احلال الاستقرار والسلام في بلاده.
الرواية ذات طابع بوليسي, وهي رواية هاجسها الاثارة, وفضح الزيف والاكاذيب والاعمال الوحشية التي ترتع تحتها الصومال في حقبة من حقبات تاريخها الحديث.
رغم ان نور الدين فرح يعتبر بحق من مؤسسي الادب الروائي في افريقيا, الا ان نتاجه ليس منتشرا كما هي الحال مع نتاج الحائزين الافريقيين على جائزة نوبل, امثال نادين غورديمر وول سونيكا.
ولد نور الدين فرح في الصومال في العام 1945, في بيدوا في منطقة اوغادين, العام 1965, رحل الى الهند للقيام بدراسات في الفلسفة, وفي العام 1974 صدرت اول رواية له, مذاك صدرت له على التوالي: «حليب مز» و«سردين» و«سيزام اخرسي» وثم: «اقانيم» و«هبات» و«اسرار».
حاز جائزة «نوستادر», ورغم ان قيمتها لا تزيد على 40 الف دولار, الا انها تعتبر لدى الكثيرين في مجال الادب الجائزة الدولية الارفع مستوى بعد جائزة نوبل. وهذه الجائزة منحت في السابق الى توني موريسون ونادين غوردمر وديريك والكوت.
هناك في الجنوب الصومالي, كان والده, مأمور الادارة البريطانية يصطحب معه بانتظام الصغير نور الدين فرح الى عند الحاكم. كان الولد يصمت ويراقب. احتفظ الرجل من ذلك بظرف بريطاني جدا ومظهر ضابط ترك السلك العسكري, صاحب ابتسامة ساخرة وكئيبة. زد على ذلك, في لندن حيث ذهب للاقامة فيها من اجل متابعة دراسات مسرحية, اصدر عملا روائيا سوف يفتح عيون نظام سياد بري على هذا الشاب الذي يعاند وينتقد الاوضاع السياسة والاجتماعية في بلاده ويدين عاداتها وتقاليدها المتوارثة.
بعد بريطانيا, ثم ايطاليا, حيث نجا من محاولة اغتيال, عاد نور الدين فرح مع ذلك الى افريقيا. انها حاجة مادية الى القارة السمراء, سكانها نور, واساطيرها تنمي الحياة. كان نور الدين فرح مقيما في شمالي نيجيريا, مسقط رأس زوجته الثانية, اليوم يعيش في افريقيا الجنوبية, وغدا في مكان آخر, من يعلم؟
فالمنفى نصيبه والادب وطنه الوحيد. لكنه لن ينتهي مطلقا الى حل مع الصومال. كيف يمكن ان يكون الامر مختلفا عن ذلك بالنسبة الى من هو ببساطة تامة «مبتكر» أدب هذه الامة الفتية. اذ كان عمره حوالى 20 سنة كما ذكرنا ونشر هذا المبدع اول قصة خيالية على الاطلاق, ليقوم بعد عقود من الزمن بتحقيق دخول قسري وعنيف الى القرية العالمية, حيث التمدن والتحضر المتسارعان, على خلفية مواجهات ايديولوجية, اصطدما بعنف بالاسلام والبنى التقليدية, الى درجة الغرق في الحرب الاهلية والتفتت التام.
نور الدين فرح هو اول كاتب لتلك الاضطرابات, ولذلك يصعب علينا تخيل الثقل الذي ينوء به كتفه. كيف يمكن للمرء ان يكون في آن معا منشدا للاساطير الخالدة لعالم شرع في الزوال, والمؤرخ لعالم شرع في الاعلان عن نفسه بالدم والجنون؟
كان يلزمه شجاعة غريبة كي يبادر الى الكلام في عزلة الكتابة, ويجد نفسه المعلم الوحيد على متن قصص خيالية تعوم في العالم الغريب الذي يفصل القديم عن الجديد.
أكسبت السيرة العائلية والحقيقة التاريخية الاستعمارية والدين الصغير نور الدين فرح اتقانا مبكرا للغات . وهذا ما منحه مقدما بعض الابعاد, لذاك الذي اراد التعبير عن تعقد العالم.
لن يفكك كاتبنا تعقد العالم باللغة الصومالية: عندما قرر الدخول الى مجال الادب, لم تكن لغته الام تكتب ولم توضح القواعد المتبعة فيها سوى في بداية السبعينيات.
اذاً, لماذا اختار الانكليزية للكتابة؟
لأن آلة الكتابة الوحيدة التي استطاع الشاب الطامح لأن يصبح روائيا ان يحصل عليها كانت معدة لذلك.
خمس لغات يتقنها كاتب واحد. لذلك لن نفاجأ بأن «اسرار» الرواية السابعة له, تنتهي بهذه العبارة: «جثة ثلاثة اسرار». واحدة من قدرات­ وهي عديدة­ هذا الكاتب الذي حياه سليمان رشدي كأحد معلمي الادب الانكليزي المعاصر.
يحلم نور الدين فرح بصومال ديمقراطية, وقد حقق ذلك في ادبه. الاحياء والاموات الاطفال الذين على وشك الولادة, كما الشيوخ الذين على عتبة الموت. جميعهم يبادرون الى الكلام, جميعهم يتمتعون بالاهمية. النساء بخاصة, هن في قلب كل كتبه, منذ صدور روايته الاولى «ولدت من ضلع آدم», التي تصدى فيها للختان, الموضوع التابو في الصومال. بعد ثلاثية «تغيرات حول موضوع ديكتاتورية افريقية» €تضمنت: «حليب مز» و«سردين» و«سيزام اخرسي», ألف نور الدين فرح ثلاثية اخرى, تشكل رواية «اسرار» الجزء الثالث والاخير منها.
نور الدين فرح يحلم بالعودة الى الصومال.. الى الصومال المتحررة من حروبها الاهلية ومن فظائع المجاعات . الى الصومال التي تحترم الانسان وتحترم ما يدب على الارض من حيوات. الى الصومال التي يتعلم اهلها القراءة والكتابة, ويتخلصون من عبودية الجهل والامية. الى الصومال بمدارسها التي تتسع للجميع والى مقاهيها ومطاعمها وفنادقها وحدائقها ومستشفياتها. الى الصومال الدولة التي تبني وطنا يعيش فيه الناس مثلما يعيشون في بيوتهم.
هل يتحقق حلم هذا الكاتب الذي انحاز الى الكتابة الخيالية في بدايته. اما ان الواقع الصومالي سوف يتجاوز باحداثه ومعطياته كل ما يبتكره اي خيال؟

تعليق واحد

  1. جميل عالم الأدب

    طول عمري وأنا أحلم بالحصول على رواية

    وأحيرا تحقق حلمي

    نور الدين فارح

    أحترمك

%d مدونون معجبون بهذه: