زيارة خاطفة (قصة قصيرة)

غريبة أخطو إلى دار أسرتي في حي (ودجر) في مقديشو، والقشعريرة تسري في جسدي، غادرته طفلة في الثّامنة، وها أنا أعود وأنا على أعتاب الخمسين، أتلمّس الجدران المتهالكة، وأكاد أقبّل شجرة عتيقة والدّموع تشرق في عينيّ.

حين غادرت البيت مع أسرتي في ذلك اليوم الذي لن أنساه، صباح الخميس الثالث من كانون الثاني عام 1991م، كانت أختي الكبرى تراجع معي آخر سورة النّساء، لأنجو من عقاب معلم القرآن في (الدّكسي)[1] وأمّي تغسل الملابس بيديها والخادمة الشّابة عادت للتّو من السوق القريب، وتتهامس مع شقيقتي الأخرى حول رجل ذبح من الوريد إلى الوريد ورميت جثته في زواية قذرة في سوق الخضار، وأمّي تعاتبها برفق:”توقفيّ عن سرد الحكايات البشعة للبنات يا فرتون!”.

وبينما نحن كذلك، أتى بعض المعارف وأمروا أمّي بترك كلّ شيء من يدها، ومغادرة البيت إلى مكان ما، ووجدنا حافلة في انتظارنا وجمع من الرّجال المدججين بالسلاح، وبدأنا رحلة النّزوح… دون أن أعي أنّني لن أعود إلاّ وأنا في الخمسين!

وعندما عدت إلى المدينة بعد اثني عشر عاماً من الاغتراب، كانت العاصمة تعجّ برجال يعتبرون السّلاح نوعاً من الإكسسوار الرّجالي الذي لا غنى عنه، وحذّرونا من عصابات ذلك الحيّ ولم أذهب… غير أنّ الحلم لم يغادرني، عاش في قلبي، وعقدت العزم على انتهاز الفرصة يوماً لأكحّل عيني برؤية البيت والحيّ الذي ترعرعت فيه، وألقي نظرة على المستودع الذي كان بمنزلة غرفتي السّريّة لعلّي أدرك سبب عشقي لذلك المستودع المكّتظ بذكريات العائلة. أو ربّما أرى أصدقاء الطفولة، متخّيلة أنّهم ما زالوا في حارتنا الوادعة، وأرى الخالة سلطانو جارتنا، أو أشّم رائحة الخبز من الفرن الذي يقع خلف البيت، حيث كانت تقطن عائلة براوية، أربع سنوات قضيتها في مقديشو دون أن أقدر على زيارة البيت الذي عشقته، قالوا أنّ ثمّة عصابات ما تسيطر على الحيّ والدّاخل إليه مفقود، والخارج منه مولود…!

من يصدّق أنني اليوم عدت إلى هنا، وأتيت إلى وداجر دون خوف ولا وجل، دون أن تطالعني الوجوه العابسة، وأنّ شوارع العاصمة تغيّرت! من يتخيّل أنّي لم أصادف أي مسلّح أخضر الشّفاه من أثر القات، أو أيّ ملثّم جبان منذ أربع ساعات من التّجوال!

دلفت إلى البيت المتداعي، لم أشعر أنّه نفس البيت الذي لم أشف من حبّه يوماً، كان خاوياً من لمساتنا، من رائحتنا، وليس ثمّة ما يشي بمرورنا يوماً من هنا! تسمّرت مكاني دون أن أدري ما أقوله، فشعرت بذراع زوجي تحوطني وصوته العميق يهمس بعطف:” والآن… ماذا؟”

أشرت إلى المطبخ وتمتمت بصعوبة: أمّي غيّرت اتجاه الباب، قالت إنّه من غير اللائق مواجهة باب المطبخ لبوّابة البيت الرئيسية!”

وهزمتني الدّموع، فمسحتها أنامله، فالتقت عينانا، ووجدتني أمسك بذراع ابنتنا وأهمس باستسلام:” لنغادر المدينة يا حبّي!”

خرجنا بخطوات مثقلة، لم يكن هناك سوى الصمت… يبدو أنّي لم أعرف مقديشو ولا هي عرفتني… ربّما تحتاج إلى أشخاص غيرنا ليحبّوها على طريقتهم وتحبّهم، أشخاص ليست لهم ذاكرة مشتركة معها، أشخاص جدد…!

ألقيت نظرة أخيرة على البيت، وغادرت مقديشو، وجزء من قلبي، ورحلنا مجدداً إلى ديار غربتنا!.

---------------- هوامش -----------------------
  1. يطلق الصوماليون هذا الاسم على الكتاتيب []

16 تعليق

  1. ودجر ( مدينة ) خلف الفرن – عائلة براوية – ما هذه الصدف؟ فأنا براوي وكان منزلنا في ودجر وبجانبه فرن – علي العموم القصة معبرة ولكن المفروض تكون الراوية في الثامنة والعشرين فقط حيث كانت في الثامنة عام 1991 اللهم الا اذا كنت تقصدين ان حالنا سيستمر علي هذا الحال لعشرين سنة أخرى – نأمل أن لا يكون الأمر كذلك وتحياتي لك

  2. ياسلام علي القصة الجميلة وعلي الاحاسيس الحزينة واالكلمات التي لاستظيع ان اعبر عنها في داخل هذه السطور.
    يـــــــــــــــــا الله ظال بنا الامد فمتي نري حلمناعشناله اكثر من عشرين سنة,ورحمتك وسعت كل شي.
    شكرا علي الاخت سمية.

  3. أستاذ عبدالرحيم …

    يسعدني استعراضك للحقائق التي استخلصتها من القصة

    تفرحني مداخلاتك الفعّالة دوماً يا أستاذي.

    حبيبتي أيان….

    وداجر جرح غائر في قلبي وأحلم بزيارته يوماً ما إن شاء الله

    وأحلم أيضاً أن نلتقي مجدداً وصدقيني يا أيان أندم لأنني عرفتك في

    عامي الأخير في الجامعة ولكن لدينا أمل اللقاء أيتها الغالية لآنني

    مشتاقة لك أيضاً.

    سمية

  4. أخخت سمية ! ادام الله عمرك، فعلا ذكرتيني حي ودجر التي ولدت فيها، بيد أنني لم أترعرع فيها … اتذكر أن حي ودجرعانت من افعال بشعة في أيام التسعينات التي سكن ديارها أناس مسلحووووون.
    بارك الله فيك
    مشتاقة إليك يا سمية
    أييان

  5. عبد الرحيم الشافعي

    أخت سمية لله درّك

    قصة ترجيدية واقعيّة عاشه ملايين الصوماليين وسيعيشه بشكل أبدي إذا هو لم يغيّر سلوكياته تجاه الآخر الصومالي، من عدوّ تاريخاني وهمي إلي أخ يشاطره كلّ شيئ.

    حقائق في القصّة:
    1-الصومالي طريد ولاجئ في بلده
    2-الصومالي يهجّر أخاه ويسيئ معاملة ويهدر حقوقه ولكنه يعاتب الدول الأخري من مضايقات وسوء المعاملة.
    3-الإنفصال الحاصل بهذا المجتمع الواحد منذ ينائر 1991

    بارك الله قلمك ما أحوجنا إلي من يعرض ويصوّر لنا الحالة القاتمة التي نحن فيها.

    تحياتي

  6. أخي الذاكر

    شكراً على المرور والتعليق… ستبقى تلك المدينة جرح الألآف من الصومالين.

    أختي مريم

    نعم زرت وعشت في مقديشو وكان سكّانها سعداء أكثر ممّا هم عليه اليوم طبعاً،
    أمّا عن تجربتي هناك فسوف تلاحظينها في ثنايا قصصي القادمة إن شاء الله.

    أخي حسن

    شكراً لك على إحساسك هذا، بخصوص الفارق الزمني فالراوية في القصة نزحت وهي في الثامنة وعادت بعد 12 سنة ثم عادت مجدداً وهي في الخمسين، تقريباً في 2033 وأتمنى تكون أقرب يا رب! أما المراد من القصة فأدعها للقرّاء كلّ حسب خياله وتحليله.

    أخي عبدالقادر

    يبدو أنّك من الزّملاء السابقين في جامعة مقديشو… شكراً لك يا أخي وأعتزّ
    برأيك هذا.

    أخي عوفلي

    مرورك يسعدني وحرّر الله الصومال من المجرمين واللصوص والمجانين وأصحاب الأفكار الهدّامة.
    أخي عبدالفتاح

    أتمنى أن يكون التوضيح المذكور أعلاه كافياً فالقصة تنبؤ بزوال الحرب وسيادة السلام على البلاد في 2033م من يدري!!!

    أخي السّيد

    شكراً على متابعتك المستمرّة وتعليقك اللطيف.

    د. السجّاد

    شرف كبير لي أن تقرأ العمل وتعلّق أعتزّ بقرآءة غير الصومالين لقصصي. أشكر ك ويا رب
    يرفرف السلام على أوطاننا.

    أخي إبراهيم

    أشكرك على المرور الكريم

    أخي شافعي

    سأعيد قرآءة القصة التي أوردتها لأفهم وجه الشبه بينها وبين قصة (زيارة خاطفة) وأشكرك على كلّ كلمة.

  7. .. ألف شكر أختاه سمية بقصتك الرائعة .. لما قرأت تفاصيلها شعرت بالقشعريرة .. وتذكرت قصة قرأتها في وقت مضى من هذا الزمان .. تشبه هذه الحالة المأساوية .. وهذه هي القصة .

    وجدوا جثة منسية في عتمة طريق، قرروا أخذها إلى مدينة الوحشة والظلام والصمت الرهيب.
    حملوا الجثة على أكتافهم، قال أحدهم:
    إإنه لذو حظ عظيم، مات وريّح نفسه من الدنيا وما فيها .!

    أيّده بقية رفاقه الثلاثة، مشوا وخطواتهم ثقيلة بهمومهم، وجوههم كالجماجم مشغولة بآلامهم، أجسادهم الموجوعة لا تستر بقايا رصاصات خرقت أفئدتهم هي هدايا القدر لهم وتقلب وجه الزمن.!

    وقع صوت صمّ آذانهم، جفّ شفاههم، خيّم عليهم الذهول فوقفوا جاثمين.!

    “الحيـــاة عالم مليء بأحيـــاء يعيشون مع أموات، أحيـــاء يقنطون مع أحيـــــاء، أحيـــاء أماتوا أنفسهم فهم في عداد الموتى رغم سريان الحياة فيهم، لكن عالمي الذي تحسدونني عليه هو عالم مخيف، كئيب، عالم ترى فيه الأشلاء مبعثرة بلا كرامة، تــرى الشيـــوخ في مجون، والتبــرج في الكهول، ترى الضيـــاع في الشبــاب والتمرد في الأطفـــال.!

    نفضت يديّ من ذلك العالم، فتهت في زوايا الزمن، اكفهر كل ركن في جسدي واضطربت أحشائي وأضرم حريق في جوفي أذاقني ألوان العذاب.!

    والجمرات في داخلي لم تمت فهي في حالة احتضار دائمة، كالجحيم المستعر يقضي على كل شيء.!

    غضبت الأرض وصرخت في وجهي أخرجتني من بطنها فما عاد لي من سكن.!

    خنين ملأ الأجواء، سكت هذا الصوت الغامض المليء لوعة ومرارة.

    مزّق الصمت ذهولهم، رعشة أصابت أجسادهم، أحدثت زوبعة عظيمة في نفوسهم، تركوا الجثة المنسية في عتمة الطريق واختفوا.!

  8. أقدم تحية ل
    اختى سمية التى تتحدث كل وقت فى المأسات التى تحيط شعب الصومال اينما كانوا وتحاول أن تشعر الأمراء الحرب والعصابت التى تعوق الشعب الى يئن جوعا وفقرا والامهات اللائى فقدن اولادهن فى الحروب الاهلية المتواصلة والاولاد الدين أبترة صواريخ يقدف بلا هدى

  9. قصه مؤلمه وحزينه تتفطر لها الافئدة
    لا حول ولا قوة الا بالله
    اللهم امنا فى اوطاننا
    الامن اعظم امنيه
    اللهم امنا من كل خوف

    جزاكى الله خيرا

  10. لك كل التحية /أالاخت سمية الكاتبة الموقرة
    مقالات سياسية واخرى اجتماعية وقصص رائعة …
    الى الامام يا استاذة وكثر الله امثالك
    يوميا اتصفح المواقع لاجد بعض ماتكتبه من مدونتك ومن الشاهد والصومال اليوم
    نشوفك الايام الجاى
    م.م.الحاج

  11. الكاتبة القديرة والروائية المتمكنة … الأخت سمية , فعلا القصة رائعة و مؤثرة وأعجز عن أن أقول أكثر من رائع … الا أنني علي أمل أنك سوف توضحي لنا الفوارق الزمنية في القصة لاحقا ان شاء الله … وشكرا

  12. فعلا مقال أدبي جميل للغاية يتسم بالمواطنه التي افتقدها غزات على مدينة مقديشو من مناطقهم الوعره وجعلوا أعزة أهلها أدله وأمثالهم ملئي في التاريخ وأيديهم ملطخة بالدماء البشر ولا زالوا فعقولهم أثمة يتلددون بقتل الأخرين ويعتبر الصومال محتله من قبلهم ولا سيد حسن لها ولا حول ولا قوة الا بالله
    تحياتي لك \
    عوفلي

  13. شكرا لك سمية، مقال رائع هكذا أصفها، ودائما مقالاتك رائعة، وذلك لاختيارك الممتاز للمواضيع الجذابة، ذات العلاقة المباشرة بالحياة، وكل شخص يعيش مع مقالاتك عند القراءة.
    وفعلا كنت حتى في ذلك الحين الذي كنت في مقديشو، وأنت تدرسين في جامعة مقديشو، كنت شخصية متميزة، وكاتبة، محبوبة لدى الجميع، أنت وزميلاتك، في الجامعة.

  14. اختي العزيزة سمية
    ،المرة الاولى التي سمعت فيها اسمك كانت في عام 2008 عبر اذاعة البي بي سي، عندما فازت احدي قصصك في برنامج بي بي سي اكسترا،
    وانا اضعك منذ ذلك اليوم في مصاف كتابي المفضلين واتابع اعمالك علي شتي المواقع وحتى في مدونتك الخاصة،
    ولكنني اعترف بأنني اجد صعوبة في فهم المراد من قصتك (زيارة خاطفة) ، وحتي و القارق العمري بين طفلة في الثامنة وام في الخمسين غير متوفر في واقعنا بعد 1991، الااذا كانت زيارتك الخاطفة الي مقديشو لم تحدث حتى الان بل ستحدث بعد اربعة وعشرين عاما من الان، وان شاء الله لن يكون هناك حينها، مسلخ اخضر الشفاه من اثر مضغ القات ولا يحزنزن
    تحياتي لك

  15. أختي سمية ربنا يفرج همنا ويرفع الغم عنا .أكلنتنا الغربة وشيبنا هموم أمتنا,ولا زال الألم يرافق في كل نواحي حياتنا.
    ولازلنا نحلم أن نرى يوما من الايام وبلدنا في القمة,ولازلنا متعطيشين غلى ترابنا.
    ولكن قداستغربت رحلتك,كيف يمكن أن تزوري في مقدشوا وهي بين جحيمين,وشعبها يهرول وسطهما.
    هل كانت رحتلك مستقرة آمنة أم ماذا سجلت من أشياء روعك من خلال وجودك في هذه المدينة المنكوبة؟كيف كان
    جو حياتك في هذه المدة و كيف كان شعور اهل مقدشوا في هذا الوضع الحرج.
    ماذا هم يطمحون أن تؤول حياتهم,لأني والله العظيم استغرب لما أشوف في الفضئات ناس يبني بيت وناس يفتحوا مشاريع
    ناس ماشين بالشارع مرتاحين وكأنهم في عالم أخرىوبيوت فلة في أخر موضة,يعني ايش هذا الجو مع القصف الدائم والنزيف الدائم الذي نسمعه ليل نهار,أليس هذا يؤثر بهم,أم هم تعودا ذلك فكلما هدموا يبنوا وكلما دمروا اقاموا.
    المهم فاللحمدالله مادم قد رويت ذهنك وخفف عنك مرارة الغربة.
    وربنا يداوم لنا الخير ويجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.
    والحمدلله على سلامتك.

  16. الآن خليتني في نهاية القصة أشعر بالقشعريرة، بالحنين، لماذا رحّلتك مقديشو؟ لكن أقنعت نفسي عندما أدركت أنه رحل معك الكثيرون وتركوا أجزاء من قلوبهم.
    اللهم أعد السلام والوئام للصومال.

%d مدونون معجبون بهذه: