الفن الصومالي بين الحروب والحداثة

بقلم الكاتب عبد الرحمن الشيخ محمود الزيلعى*

شهد الفن الصومالي تغيرات وتطورات زمانية ومكانية كغيره من الفنون الأخرى ، وحيث نتحدث عن الفن الصومالي فنحن نلقي الضوء على المسرح الصومالي وأطواره التاريخية وما طرأ عليه خلال فترة الحروب من (1991 – حالياً).
الفن وليد كوليد الإنسان وليس له زمن معين فإنه ينشأ مع نشأة الإنسان ويأتي من خلال الحراك الاجتماعي اليومي أو الموسمي, ولذلك كان للشعب الصومالي فنونه الشعبي التقليدي وما رسوه خلال حياتهم الاجتماعية والثقافية ، ويعتبر الشعب الصومالي من الشعوب الأديبة أو الشعرية ، حيث كانت معظم معاملاتهم الاجتماعية قائمة بالشعر أو الفن أما الشعر الغنائي أو الهجائى أو الغزل أو المدحي. وعبروا بلغتهم الصومالية ذات الأدب العريق إلى جانب لغتهم العربية المقدسة عندهم. وتوالت الأشعار والقصائد جيل بعد جيل شفوية وليس مكتوبة وكان حفظ الشعر أو الأمثال من ركائز التنشئة الأجيال

بداية المسرح

وأما المسرح كفن قائم حديث وكشكل درامي فإنه بدأ في الأربعينات القرن الماضى حيث تم تجديد وتطوير الفن التقليدى وتحويله إلى تمثيل ومسرحيات, ودخلت المسرحية إلى الصومال عن طريق المناهج العربية والمدرسين العائدين من الدول العربية ويروي الفنان والمؤلف الكبير ( سحر ديد ) أن المسرحية بدأت في الصومال في الأربعينات, وبدأها المدرسون في المدارس ومن المسرحيات الأوائل التي طبقها المدرسون على التلاميذ منها ( مالي أري ، القرد الأعمى ) وهما مسرحيات مأخوذة من المناهج العربية ثم بدأت فرق مسرحية مثل فرقة ( أحذية البيضاء ، وإخوان هرجيسا ، وما ساعد نشأتها أيضاً اقتتاح إذاعة هرجيسا عام 1943 م ودخول إلى الحضر وتلائم مع حياة المدنية ولعب الاستعمار دوراً في ترسيخ الفن وتجديده لأغراضه الذاتية ، حيث كان الشعب بدوياً متماسكاً بدينه وتقاليده ولم تجرفه ثقافة الاستعمار وهذا ما أنقذ الصومال من مكره الثقافي .
والمرأة الصومالية شاركت مع الرجل كل ملحماته الشعرية والأدبية ولها دور بارز في إبراز فنها والمرأة الشاعرة أو الأديبة كانت لها قيمة عند المجتمع الصومالي وكان الشعر والنثر سلاحها ضد الرجل ولكن بعد ظهور المسرح لم تجد المرأة موضعها في مشاركة المسرحيات والفن التمثيلى حيث كانت مشاركة الفتيات في المسرحيات والغناء عار وعيب على جبين الفتاة وعائلتها بل قبيلتها ، فكان بعض الفنانين يأخذون دور المرأة في المسرحيات يتقمصون المرأة في الصوت والشكل ومن الفنانين الذي آخذو هذا الدور منهم الفنان الراحل عمر طولي ومحمد هري ومحمد جامع جوف, وهكذا كان الفن متطور وظهرت الأغاني الصومالية مع الموسيقا السداسية ويعتبر عبد الله قرش أول فنان أدخل العود في الصومال ويلقب بأبو مسيقي الصومالية وجاء بعده الموسيقار الكبير (أحمد اسماعيل حديدى) والموسيقار (داؤد على مصحف) ويعتبر االفنانة( جدود عرو) أول فنانة صومالية تجرأت بالوقوف على المسرح أخذت دور المرأة في المسرحيات وكسرت حائط الخجل ، حتى دخل بعدها أخريات منهن الفنانة القديرة ، زينب حاج على وملكة الصوت أم كلثوم القرن الأفريقي الراحلة حليمة خليف مجول وعاشة عبدوه وهبه نور وغيرهن .

الشاعر محمد إبراهيم

وكذلك تكاثرت المسرحيات والتمثيل الروائي بعد الاستقلال وظهر مؤلفين أجلاء من أمثال الشاعر القدير محمد إبراهيم هدراوي أمير الشعر الصومالى, والمؤلف محمد على كارى نجم المسرح الصومالي والملقب بأبو الغرام لكثرة مسرحياته وأغنياته الغرامية وخاصة الغرام الوجداني ، والشاعر المؤلف محمد تكالي عثمان ، والشاعر المؤلف العربق مصباح المسرح الصومالي حسين فارح ، ومعلم الفن الصومالي الأستاذ يوسف حاج أدم . والمؤلف الشاعر أبو دراما البنادرية معو دينلى والشاعر الوطنى قاسم هيلولى,وكان للصومال مسرحين كبيرين وهما مسرح مقدشيو ، وهو المسرح الوطني, ومسرح هرجيسا ، وكانت المسرحيات معظمها من الحياة الاجتماعية في الصومال, ونصوص المسرحيات كانت شعرية أو رباعيات بالإضافة أغاني مناسبة لموضوع المسرحية فكثرت المسرحيات والأغاني والمطربين لا يعد ولا يحصي, والفن الصومالي لعب دوراً في كفاح الوطني حيث كان الخطاب الوحيد للشعب أو الإعلام الوحيد الذي استخدموه لإرشاد ووعي المجتمع وكفاحه ضد الاستعمار .

محاور المسرحية الصومالية

تدور المسرحية الصومالية عدة محاور منها :-
1- محاور وطنية حيث تم عرض مئات المسرحيات الوطنية وولاء الوطني وهذه المسرحيات لها أغاني وطنية تقوم بها الفرقة الوطنية (وابرى)
2- محاور اجتماعية وهي تدور حول المجتمع وحاجاته ومتطلباته وتحولاته الاجتماعية وظواهر الاجتماعية ومن هذه المسرحيات مسرحية (علم وعادة) ومسرحية ( البنات متي ستتزوحن )و( الندي لم تكن مطراً) ( الدنيا والأخرة ) ( نمر نساء ) وغيرها .
3- محاور الحب والغرام وتأخذ مثال الحب والغرام الذي دار بين فتي اسمه (علمي بوطرى) وفتاة اسمها (هدن) ، حيث كان حب علمي وهدن من أشهر وأعمق حب غرامي قدمته الصومال وهو حقيقي ، فكان علمي خباز في مدينة بربرة وهدن كانت تشتري الفرن من المخبز فدخل قلبها ولكنها لم تساعده في حبه لها حتى انتهت أشعاره وقصائده ودموعه ومات. فتزوجت برجل أخر وأنجبت له ولدا ألف فيما بعد كتاب مشهور عن والدته وعلمى كان عنوانه ( هل صدق أن للحب يموت ) ودفن هدن بجوار علمي في قرية بتلالي ونبت على ضريحيهما غصنين تلاصقاً معاً وهناك مسرحيات أخرى ، .
أهم الفرق الفنية
كان للصومال فرق فنية مسرحية ومنها :-
1- فرقة وابرى ، وهي الفرقة الوطنية ينتمي إليها معظم الفنانين والمطربين وهم الدرجة الأولي ترعاهم الحكومة
2- فرقة هر سيد ( الرائد ) وكانت تابعة للقوات المسلحة
3- فرقة هيغن ( المنبة ) وكانت تابعة للقوات الشرطية .
4- فرقة أفتن ( النور ) وكانت تابعة لوزارة التربية والتعليم
5- وفرق أخري مثل ( النسيم ، الرعد )
حليمة خليف
الفنانة سادوعلى
المسرح الصومالي بعد انهيار الدولة
تشعشع المسرح وتتطور كما مشينا على مراحله السابقة ، ولكن – بعد انهيار الدولة الصومالية عام 1991 م وإندلاع الحروب تحولت الأمور من عقب على رأس .وحدث ما لا يحمد عقباه . وحدث ما يلي :-
أولاً : المسرح الوطني
تم نهب وتدمير المسرح الوطني وأصبح خاوياً على عروشه ولم يبقي منه إلا أطلال وأشلال ، ولم يترك منه أثراً ، وأصبح منطقته من أخطر المناطق في عاصمة الصومال حالياً منطقة مأهولة وما زالت المباني والأشجار وحائط المسرح المنهار تنادي أهلها لترى نور الحياة وكذلك مسرح هرجيساً ما زال مهدوماً رغم تنعمه بالأمن
ثانياً : التراث الفني
يوم إندلاع الحروب وانهيار الدولة لم تترك آفه الحروب خضراً ولا يابساً لا يوجد حالياً أي تراث فني للصومال وتعرض كلها نهب وتدمير وإهمالها حيث تم تدمير ما كان في المسرح الوطني ووزارة الإعلام والإرشاد القومي ووكالة الأفلام الصومالية والمتحف الوطني وكل مراكز الدولة فلم يبقي أي شريط إلا وتعرض للنهب . يستعمل الناس حالياً بعض الأشرطة المسرحية التي كانت في حوزة المجتمع . وهي نادرة وليس هناك أي أثر للمئات من المسرحية الصومالية وتراث الفن.وهو من ضمن السلعة الغالية التي فقدتها الصومال بعد انهيار الدولة كما فقدنا الحكومة المركزية التي مازلنا نحثها في بطن الحوت تحت قاع المحيطات

ثالثا / الفنانين والمطربين
في هذه الفترة تلقي المطرب أو الفنان الصومالي مأساة الحياة – وشارك مع شعبه مر الحياة ولهب الحروب ، توفي كثيرون ورحلو عنا وهم في كفاح الحياة, ومن الذين رحلوا عنها في خلال الفترة الحروب وأتذكر منهم.

الشاعر المؤلف القدير (حسين فارح دبد) والشاعر القدير المؤلف محمد على كاري ـ والمؤلف القدير عبد بشير ، والشاعر الملهم عبد القادر – حرس يميم ، والأستاذ القدير يوسف حاج أدم ، ومحمد هري ، وغيرهم .
وأما المطربين والمطربات الذين رحلوا عنا منهم :-
الفنانة القديرة ملكة الصوت في الصومال حليمة خليف عمر مجول والفنانة شمس عمر والفنانة فاطمة عبد الله طليس ، والفنان القدير محمد موجي وأحمد موجي وعمر طولي ، ومحمد نور جريك ، وموسي إسماعيل قلنلي ، وكوسوكنتوارى والفنان القدير عبد القادر الشيخ على سنكا ، والفنان عمر نور عبد الله وكثيرون ، لا أتذكر ورحلوا عنا ونحن في معاناة وحروب .
وما الذين مازالوا على قيد الحياة فإما أنهم هاجروا إلى المهجر وبدؤا حياة جديدة في بلاد المهجر وقاموا بتجديد فنهم وممارسته من جديد وبعضهم فهم با قون في داخل البلاد يمارسون حياتهم العادية ويكادحون لكسب رزقهم تحت النيران .

رابعا : مشكلة الحداثة
في هذه الفترة ظهر فن غريب ليس له طعم ولا ذوق مستورد من بلاد الخواجة حملة لنا بعض الشباب الذين هاجروا إلى بلاد الغرب فكان الفن الصومالي مقتبس من تراث الفن العربي العريق ومن تراث الثقافي الصومالي الأصيل وكانت موسيقا الصومالية تمثل شعار للفن القرن الأفريقي ولكن نقلوا إلينا أغاني قالوا إنها صومالية وليس صومالية كلماتها صومالية ، لكن بموسيقي الأمريكية وخاصة ( راب ) و ( هيب هوب ) ورقصات جميكانية ، وكذلك لم وجدوا مؤلفين وشعراء فسرقوا الأغاني القديمة الكلاسيكية الصومالية فجددوها بموسيقي وغيروا ألحانها فأثارت مشكلة بين الفنانين القدامي والاصطناعيين الجدد .
وهذا يسبب في المستقبل تحويل الجذور الثقافية للفن الصومالي وسداسية وخماسية الموسيقي الصومالية الأصيلة التي كان يعرفها جمالنا وأغنامنا وحتى أشجارنا. وبهذه المسيرة التاريخية مشينا علي بساط الفن والمسرح الصومالي ونأمل أن يعود الأمل من جديد ويعرف الصوماليون قيمة الحياة قيمة الدولة وليغنوا مرة واحدة أغنية ما نديق (عاشت الصومال..والصومال للصوماليين…)
———————
*…كاتب صومالي مقيم فى القاهرة.

2 تعليقان

  1. ماجمل شي في الصومال محل تاشعل الي الاصل

  2. ووين مؤلف أول مسرحية صومالية الأديب الراحل حسن شيخ مومن، وأول مغني صومالي عبدي سينمائي؟ لا تكتب من دون علم ولا تتعصب

%d مدونون معجبون بهذه: