الانتظار الصعب..!

لا تخافي يا مدام سعاد هذه المرة لدي كل الثقة بأننا سوف ننجح ، كل الدلائل تشير إلى ذلك ، تملكي زمام نفسك، وثقي بي أرجوك ، هي مسافة أمتار ونصل إلى هناك ، قاطعت كلامه بشيء من الريبة لكن يا سيد أحمد أنا سمعت الكثير والكثير من هذه الوعود ، وأنا نفذت نقودي ولا أستطيع المغامرة في المال القليل الذي لدي ، أليس من الأفضل يا سيد أحمد أن نتريث حتى…. ، لا..لا ..لا.. التردد لا ينفع في مثل هذه الرحلة يا سيدتي ، أنت تحملت الكثير وبقي القليل… اصبري؛ لا تفكري بأي شيء سلبي ، سوف أجمعكِ بابنتك من جديد.. أتعهد لك ذلك ، قال الكثير من الكلام قبل أن يغادر.

 عادت الغرفة لما كانت عليه من الهدوء قبل قدوم سيد أحمد ، وكم تمنت سعاد بأن ذلك الهدوء يعود مرة أخرى إليها ويستوطن حياتها ، كل ما هو حولها هو صخب وفوضى لا يمت إلى الحياة الحقيقة بصلة ، شعرت بأنها تدور في حلقه مفرغه وأنها تسير داخل متاهة ليس لها نهاية إلا مخرج العودة ، ويبدو بأنه لا مناص من السير في ذلك المخرج الذي يعيدها إلى حياتها السابقة وإلى بيتها ويوقفها عن البحث المضني كما يقول زوجها؛ لكن هل تستطيع هي بحق أن تعود كما كانت في السابق.

 قبل ذلك اليوم الذي سمعت فيه صوت ابنتها البكر “عائشة” وهي تطلب منها ومن أبيها أن يباركوا جهادها في سوريا ، وكان ذلك خبراً مزلزلاً لهم لم تستطع سعاد أن تتحمل هذا الرحيل ، وظلت طريحة الفراش لمدة شهرين، أخبروا خلالها السلطات حتى تتدخل وتعيد لهم ابنتهم ، وكان رد السلطة بأن عائشة تجاوزت سن الوصاية وأنها مسؤولة عن تصرفاتها ، كان ذلك محبطاً وكفيلاً بأن يقضي على أمل العائلة بأن تزول هذه الغمامة عن سمائهم بأقصر مدى.

دخلت سعاد بعد ذلك اليوم موجه من الحزن واليأس ، وأصبحت الدموع تجري دائماً على خديها ، وبريق الانكسار يُقرأ من عينيها ؛ فقـدَ الطعام لذته والحياة متعتها ، حاولت مراراً أن تتعايش مع الواقع الجديد بروح التسليم ؛ لكنها لم تستطع أن تتجاهل حزناً عميقاً تراه في جسد زوجها الذي يكابر ، وتُشاهد غياب البسمة من شفتي أبنائها  ، لم تقدر على إسكات صوت ابنتها الذي يتردد على أسماعها ، استثقلت تلك الحياة التي توحشت بالسواد ، والتي أصبحت تسير على عجلة بطيئة جدا ، لا شيء فيها يتغير إلا ساعات الغياب التي تطول.

اكتوت سعاد بنار الفراق بما يكفي وأصبحت حبيسة ذكريات ابنتها التي لا تفارق مخيلتها أبداً ، قررت الذهاب خلف ابنتها ، صُدم زوجها من هذا القرار ، ورفض حتى مناقشة الأمر واعتبره كلاما في لحظة جنون ، أصرت هي وأصر هو على موقفه ، ولم يلتفت إليها مودعاً ، رحلت بعد ما قبلت أبنائها ، وهي تردد سامحني زوجي فلا أتحمل آلام البعاد ، تحركت وتحرك الزمن بها إلى فلك آخر ، وحطت الرحال في تركيا ، وفي تركيا علمت بأنها كانت على اليابسة ودخلت في عالم من البحار ، وبما أنه ليس بيدها خيار سوى المغامرة بكل ما لديها ، فوضعت حياتها رهن الاحتمالات مفوضة أمرها لله .

 بدأت سعاد تلك الرحلة المجهولة. وعاشت ثلاث سنوات حياة التخفي والتجسس ، ومراوغة رجال الحدود ، وتعرفت خلال هذه المدة بعدد هائل من رجال التهريب والكل يدعي بأن الحل بيده ، صدقت الكثير ، وخسرت الكثير، أرهقها الانتظار ، وملت الأسفار ، كبرت خلال هذه السنوات أضعاف عمرها الحقيقي ، الشيب غزى شعرها ، والأفكار تتزاحم لديها ، أصبحت لا تبالي بصحتها ، ولا تهتم بنفسها ، وذبلت سعاد ذبول الورد ، وسارت على درب الوداع بخطى مخيفة .

عاد إليها بعد فترة سيد أحمد وهو يحمل لها خبراً أنعش روح الأمل في قلب سعاد ، خرجت معه مسرعة ، جرت بكل طاقتها ، ترجلت بعد عدة ساعات من تلك المركبة المتهالكة، والتي حطت الرحال في المدينة التي قيل بأن عائشة تتواجد فيها ، استقبلهم رجلاً قال بأنه العارف بخبايا المدينة ، اصطحبهم إلى أحد الأحياء شبه الخالية ذات الأزقة الضيقة، والتي يبدو من مبانيها بأنها كانت ذات يوم تعج بالسكان ، تركهم لدقائق ثم عاد لهم وهو يستحثهم بأن يسيروا معه بحذر ، مشوا خلفه حتى وصلوا إلى أحد البيوت القريبة ، ودخل الرجلان إلى داخل المنزل وبقيت هي تنتظرهم في الخارج ، خرج سيد أحمد ومعه الرجل، وقال لها بصوت متردد أنا أسف سيدة سعاد لقد تركت ابنتك هذا المنزل قبل فترة وذهبت إلى مكان آخر ، ولكن لا تحزني سوف أبحث عنها وأجدها لك .

جلست سعاد على الأرض وهي منهكة مُتعبة ؛ وقالت لهما بصوت عاجز إلى هنا.. ويكفي البحث ، لا أستطيع أكثر من ذلك ، خارت كل قواي ، قتلتني الأمومة ، أريد حضنهم ، أريد زوجي . أريد بقية أبنائي..  وأملي كبير في أن تعود لي ابنتي يوما ما سالمة غانمة..

آهٍ.. ليتها تواصلت معي لتحدثني عن ما لاقته في رحلتها الطويلة منذ أن تم إقناعها باللحاق بركب المجاهدين في أرض الشام..؛ لكي تكون في حضن رجل غريب يقال إنه مجاهد في سبيل الله، رجل لا يعرفني ولا يعرفها… ولكن عزائي الوحيد ما كانت تقوله لي في آخر أيامها معي من إنها تتمنى أن تحتضنني وتستقبلني على أبواب الجنة بعيدا عن شقاء الغربة وهموم أروبا..إنه قضاء وقدر… قدر الله وما شاء فعل.

سأظل أحلم في عودة ابنتي عائشة حتى ستصلني ورقة استشهادها..نعم سأظل كذلك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا..

تعليق واحد

  1. إنها قصة مؤلمة ولكنها تترجم عن واقع حقيقي ومعاش، وهنا يثور سؤال هل القدر قاس إلى درجة أن يقع الأبناء تحت غواية المفسدين والشريرين والمستغلين أبشع الاستغلال، ويتعب الوالد ورائهم حتى يقع هو الآخر تحت رحمة التجار المهربين الذين هم الآخرين يستغلون ضعف الوالد وقلبه المكلوم أسوء الاستغلال. الولد والوالد هنا واقعان بين المطرقة واللسندان على حد سواء وفي أبشع مظاهر الاستغلال. إنه أمر دبر ليلا وهو مؤسف على كل الأحوال، كما إنه يدل على عالم عديم الرحمة والضمير.

%d مدونون معجبون بهذه: