حلم على أعتاب الصومال الكبير [2-3]

ذهب المجد وتوالت الأيام السوداء المتشابهة، و في عز مأساتنا وفي حقبة الزمن الظامئ إلى الكرامة المفقودة، وإعادة المياه إلى مجاريها، واستعادة الماضي لم نجد ما نتحدث عنه سوى التراجيديا والحنين إلى الماضي الفخيم ” النوستالجيا”، وعندما التحم الأمل المنشود بالألم الذي نعاني منه حاولنا أن نحلم من جديد، أن نحلم ونحن نغرد خارج السرب العالمي، أن نحلم ونحن لم نتمرس بعد بأساليب القوة والدفاع وبناء القواعد الصلبة للنجاحات العسكرية والاستعدادات اللازمة للمعارك العنيفة التي ترسم مستقبل الأمم وتمهد لصعود أو هبوط القوي أردنا أن نحلم ونحن في طور البناء والتشييد ففجرنا عصرا جديدا من النضال والكفاح المسلح، وكتبنا صفحة جديدة من المقاومة الشريفة والصراع مع أخطار الواقع الجديد الذي فرض علينا، ولكن ـ ومع الأسف ـ لم تتجاوز أحلامنا على عتبات لساننا وفوهة بندقيتنا البدائية، وفي صدى أصواتنا المبحوحة، وفي طيات قصائدنا الملتهبة، وأشعارنا الثورية المؤلمة التي ترددها الحناجر الثائرة والمشاعر الجياشة في الميادين الصومالية المشبعة بالوطنية والتضحية.

 لم نكترث تحذيرات القوى الخارجية، ومناشدات التكتلات السياسية، وصيحات الأحلاف القديمة للدول المجاورة التي نريد أن نشن عليها حربا ضروسا، والدول المجاورة (دول مسيحية تحارب من أجل انتشار مبادئ النصرانية وتسعى للسيطرة على المنطقة وتحويلها إلى منطقة مسيحية بامتياز، أو جعل المسيحية دين الغالبية العظمى من سكان القرن الإفريقي)، ولم نعر اهتماما الضعف الواضح وقلة التجربة والمعين، ولم نجد من يقف إلى جانبنا باعتبارات نعرفها جميعا، وبعد أن دخلنا غمار الحروب وانتصرت إرادة الشعب الصومالي المناضل على غرور المحتل وكسرنا أرنبة أنفه في سابقة كانت الأولى من نوعها في إفريقيا، التي كان الجيش الإثيوبي يصول ويجول في ربوعها بعدما أطلق على نفسه بــ “أسد إفريقيا”، استنجد العدوّ كالعادة أشقاءه في الدين والفكر أمثال كوبا والاتحاد السوفيتي وبعض الدول العربية كليبيا واليمن الجنوبي، ولا غرو فالتدخل المسيحي على المنطقة ليس جديدا، بل في زمن المجاهد الكبير أحمد جري استنجد أباطرة الأحباش بقيادة ملكة هيلين مملكة بالبرتغال المسيحية بقيادة ملك مانويل.

وبسبب القوى الخارجية التي أثرت مجريات الحروب وحولت النصر إلى هزائم والنجاحات العسكرية إلى إخفاقات تغيرت مجريات الواقع، ووجدت إثيوبيا المحبطة انتعاشا عسكريا وروحا جديدة تدب في أوصالها، فحدث ما لم يكن في الحسبان الصومالي حكومة وشعبا، دول التحالف تمنح مهلة قصيرة للجيش الصومالي وتجبره على الانسحاب، قصف مروع بقيادة الاتحاد السوفيتي للشعب وللجيش في الخطوط الأمامية، وهزيمة مدوية اتبعها انسحاب عسكري غير منظم، وصرخات غير هادئة تصدح من هنا وهناك، وفلول الجيش المهزوم تسابق الريح، والأجساد المنهكة تنهشها الذئاب في الطرقات، وأمواجا من النازحين يهربون نحو الصومال، وخيرا انهيار الدولة الصومالية وتلاشي النور القميء الذي كان يبعث من نهاية النفق المظلم وبعد بداية الحروب الأهلية و انهيار المظلة الكبيرة التي كان الشعب الصومالي يستظلها، وبعد تلاشي بصيص الآمال الذي كان يلوح في الأفق وإطفاء آخر جمرة من جمرات الندية والجدية في إعادة الأقاليم الغائية بدأت تتهاوى الأمنيات في قلب كل من يحمل هم الصومال الكبير نحو سحيق التلاشي، واغتالت الأيادي القوية والأطماع الخارجية والضعف الداخلي مطالب الشعب قبل أن تكتمل أركانها، وتحطمت الرغبات الحقيقة على جدار الواقع المكبل.

دخل الوطن متاهة سياسية وأخلاقية، وتخبط الجميع في عقر التيه، وطرأ على الحياة الصومالية أفعالا جديدة، وتفكيرا سلبيا تجاه الدين والدولة والحياة والوجود، وسيطر العنف والعنف المضاد و القبلية والجهل مفاصل الحياة وربوع الوطن، وجعلت الأفعال القبيحة والتصرفات العنجهية حياة الشعب جحيما لا يطاق.

عصر من الفوضى والقسوة والإهمال حياة قاتمة داكنة بلا بريق، ومستقبلا يركب في كف عفريت، ووطنا ينزف دما ودمارا، ومشاعر تنتحر على أعتاب المعاناة والحرمان، وقصص المشردين واللاجئين والكادحين، وحكايات المنافي والمهجر ، وأحاديث الغرباء تنساب عن كل شبر وزاية، بل في كل ذرة من تراب المعمورة، إضافة إلى كون أمتي أصبحت مثالا لكل ما هو قبيح، “الحروب والكوارث الطبيعة والصراعات العبثية والمجاعة والتزييف والهجرات كلها تعني الصومال، وكلنا نعرف معنى ودلالات كلمة “الصوملة” توغلنا في الحروب ومص الدم ولعقه، وفي الممرات المعتمة من بلدنا تتصارع الميول، وتتصادم الإرادات، وتتقاطع المصالح في السياسة والاقتصاد والرغبات، وحول السلطة والثروة وسيطرة مفاصل الحياة ، وفي مثل هذه الأجواء القاتمة الحزن يستوطن القلوب ويترك بصماته المحبطة على النفوس، والآهات ترتفع بشكل دراماتيكي مخيف، والهروب إلى الحاضر الأكثر إيلاما من المستقبل يكون تنويما مغناطيسيا لا أكثر.

والتأملات الكثيرة للإيقاعات التأريخية والطبيعة والجغرافيا ومسيرة الماضي للحياة الصومالية لا تضفي للمشهد أية نكهة أو تفسيرا مقنعا للأحداث المتلاحقة والتطورات المتسارعة، والشخص الذي يحاول أن يحلل ما الذي جعل الأمة الصومالية منكوبة وتائهة؟ وما الذي سلك بالأمة طريقا يدمي القلب وينهك العقل ويضعف القوة والإرادة؟ لا يصل إلى إجابة مقنعة، بل يصل إلى طريق مسدود، وكل أسئلة تتفرع عنها عشرات الاستفهامات التي لا نملك لها إجابات.. سئمت الاستفهامات المتشعبة وعن الرحيل وكثرة التنقلات التي أتعبت جسدي وأرهقت نفسي التواقة إلى الاستراحة ولو لحظات عابرة على حياة عنوانها الترحال والمبيت في أدغال العالم وأحراشه، ولكن هاجمتني زرائب من الذكريات القديمة صوب الأرياف والمدن والقرى والمستنقعات، وبعض الذكريات تبقى عالقة على الأذهان وتبعث فينا الأتراح فتحول سكون الليالي إلى صخب، وعندما أتذكر تفاصيل ذاك اليوم الحار الذي توجهت إلى مدينة عريقة من مدن وطني الضائعة على الضفة الأخرى للحدود التي نسميه نحن خطا وهمياً لا أكثر ويسمونه خطا فاصلا بين دولتين وحدودا حقيقية، تعانقني سحابة من الكآبة وأشعر هزة قوية تصل إلى ملايين الدرجات بمقياس المشاعر والأحاسيس.

كنت غريبا في عقر بلدي أتذوق مرارة الحرمان والكآبة التي تكاد تقتلني في عز الليل وأنا أمشي هائما في الأزقات الحجرية المنقوشة بأسماء التراث والثقافة الصومالية التليدة، هنا يفوح عبير صومالي السمات قمحيّ الملامح، وهنا منابر تبكي ومآذن تحن، وزوايا تشتاق إلى أذكار الصوفية وترانيم العاشقين، وقلاع تذرف الدموع من أجل الأيام المتألقات، وهنا وضع مزري للماضي، وكيان قديم متصدع تنطبق عليه كل صفات السخرية والإزدراء.

على متن طائرة تخترق السحب وتطوي الأرض طويا كنت أتجه صوب مدينة تتعالي أبنيتها الترابية بين التلال والجبال، وتقع الطرف الجنوبي لشبه صحراء وطني التأريخي، انتابتني قشعريرة تأتي من عمق التأريخ والتفكك الأرضي الذي أصاب أمتي إبان الفترة الكولونيالية التي قطعت أوصال الوطن ومزقت شمل الشعب، تنهال عليَّ التساؤلات وتهاجمني الهموم والاستفهامات التي لا أجد لها إجابة واضحة رغم مرور أكثر من نصف قرن منذ أن منح الاستعمار أجزاء بلدي إلى دول لم تجمعنا يوما أية روابط سواء كانت تأريخية، أو تراثية، أو دينية، أو لغوية، أو عرقية، أو حتى وجدانية !

هبطت الطائرة على مدرج المطار أو بالأحرى على مدرج فؤادي السارح بالأعشاب الصغيرة والأصوات الموسيقية للأغصان المتدلية عن الأشجار، نزلت من الطائرة ونزلت معي الأحاسيس المدفونة في داخلي والذكريات القديمة والخواطر الملهبة، عَلَم مزركش بألوان متنوعة يرفرف فوق الجميع، ولغة إفريقية يتكلمها الجميع لم تكن تشبه لغتي ولم تكن مفهومة بالنسبة إلى بدوي صومالي لا يتقن لغة غير لغته الصومالية، استنشقت هواء طلقا وعانقت الفضاء المفتوح إلى الجروح الزمنية العميقة، في هذه المدينة كل ما تبقى من إرث الماضي وتأريخ الأجداد هو اللغة الصومالية الجميلة، والهواء العذب، والفضاء الرحب، والسحنات المتشابهة بين الموظفة الحكومية في هذا المطار وبين بائعات الشاي في سوق بَكاْرو، وسمرة قمحية تزينها الحجاب لصاحبة دكان كانت تجلس بهدوء عند الطرف الجنوبي لمدخل صالة الانتظار.

التفكيك القصري لأجزاء دولتي لم يستطع أن يغير الانتماء والديموغرافيا، ولا أن يزوّر الملامح والمطالب، هناك وخلف الأشجار الخضراء والأعشاب التي تتراقص على وقع الرياح وجوه صومالية تشبه القصائد، وهنا وتحت عجلات الطائرة تراب أنتمي إليها وتنتمي إليّ رغم جور الاستعمار الأوروبي البغيض وجحود الدول الإفريقية المجاورة على مشارف تلك المدينة كنت بعيدا عن العائلة والأصدقاء والوطن، وإن كنت أعيش في داخل وطن كانت الأجداد يعتبرونه ملكا لهم، ووطنهم الأصلي منذ أن تمازجت القوميات وتباعدت الأمم، واتضحت الحدود بين الشعوب القاطنة في الشرق الإفريقي المتميز بتعدد القوميات، وتنوع الإثنيات، وتباين الحضارات، واختلاف السحنات، وكثرة اللغات، وعراقة العادات، والتقاليد المتكئة على تراث غني وتأريخ موغل في سحيق الأزمان.

تتابعت الأيام على وقع أنغام الحسرة والألم، وتركتُ المدينة وأنا أكفكف دموعي وأشتكي ثقل شبح مخيف ينتمي إلى أزمنة مضت، واتجهت صوب غاريسا العاصمة التأريخية للقومية الصومالية في كينيا، مدينة غارقة بالجنان طبيعيا، الليل دافئ وتصدح الألحان الحالمة من مقهى شعبي عتيق شهدت التحولات الكثيرة والتغيرات التي طرأت على الحياة السياسية والمعيشية والانتماءات المختلفة منذ أن قطعت بريطانيا أوصال الوطن الصومالي الكبير، ومنحت أجزاء منه للشعوب المجاورة، التي ستصبح لاحقا دول الجوار، في صفقة تعسفية لم تراع الجوانب النفسية، والوجدانية، ووحدة اللغة، والدين، والأصل، والجنس للقومية الصومالية التي باتت ضحية لتفاهمات سياسية وصفقات عالمية بين الدول الأوروبية الاستعمارية والدول الإفريقية المسيحية.

 كانت الدول المستعمرة تخاف دولة صومالية قوية، تتمتع جميع مقومات القيادة، والنهضة، وعوامل التطور والتقدم جغرافيا وبشريا واقتصاديا، لكونها دولة تقع في الممرات المهمة للتجارة العالمية، كما تطل المحيط الهندي وبحر العرب، ولديها عدة أنهار جارية طول السنة، وتتحكم مضيق باب المندب ، إضافة إلى المعادن والبترول، والثروات السمكية والحيوانية، ومقومات الزراعة التي تجعل الصومال الكبير من أخصب المناطق إفريقيا وعالميا، والعامل الأهم هو عامل الدين والتأريخ والزعامة؛ حيث الإسلام الذي كان الصوماليون يحملون لوائه يتزعم ويقود الحياة السياسية والحراك الاقتصادي، وكان وعاء للثقافة والحضارة في شرق إفريقيا، وكان ينتشر ويتمدد في العمق الإفريقي وما وراء هضاب الحبشة والمعاقل الرئيسة للمسيحية بمقابل انحسار واضح للمسيحية والأديان التقليدية الأخرى، هذه العوامل وأخرى غيرها حثت الدول الأوروبية الاستعمارية تضعيف الصومال وتمزيقها وتشتيت قوة شعبها وتفكيك مفاصل وطنها.

%d مدونون معجبون بهذه: