الروايات التاريخية في كتب الأدب وأهمية نقدها [2]

من المعلوم أن كتب الأدب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوقائع الناس وأخبارهم وأيام العرب وأنسابهم، فهي غنية من هذه الزاوية بالروايات التاريخية التي تحكي حياة المسلمين منذ شروق فجر الإسلام وعلى مَرّ الأزمنة المتعاقبة، وتروي ذلك بأسلوب خلاب جَذّاب في منتهى الروعة والجمال. فيقصدها العالم وغير العالم، والمختص وغير المختص لحلاوة أسلوبها ولطف معانيها ، وجزالة ألفاظها ورونق كلماتها ومكوناتها . فلها مذاق وطعم خاص . بيد أن ذلك لا يبرر العكوف عليها واعتماد ما جاء فيها بدون فحص وتدقيق . بل لا بد أن يتعامل معها القارئ الباحث بصفة خاصة بكل التريث والتروي . وأن يوضع نتاجها في الميزان لمعرفة صحيحها من سقيمها ، وتمييز طيبها من خبثها ، كي نصل إلى حقيقة ما نصبو إليه من تكوين فكرة صحيحة واقعية عن مجتمعات المسلمين الماضية.

وفي هذا السياق يقول الدكتور عبد الله الخلف مبيّناً أهمية تلك المصادر وخطورة الاعتماد الكلي عليها : “ لا شك أن كتب الأدب والأخبار تضمنت ثروة علمية ضخمة من القصص والأخبار التي تكشف لنا عن جوانب كثيرة من حياة الشعراء والأدباء وغيرهم من الناس ، كما تكشف لنا عن كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية في المجتمعات التي عاشوا فيها ” ([1]) .

والحقيقة أن الاعتماد على هذه المصادر دون مقارنتها بالمصادر الأخرى ربما يؤدي إلى انطباع خاص ، وأخذ صورة مشوهة رديئة بعيدة عن الحقائق مما تقدمه لنا هذه المصادر من المعلومات التي تتعلق بالمجتمعات الإسلامية الزاهية. هذا “ إذا كانت المصادر على درجة متساوية من الصحة والدقة ، فكيف إذا كانت المصادر المعتمد عليها مصادر غير موثوق بها والمصادر المتروكة هي المصادر الأوثق من حيث ما تتضمنه من أخبار وروايات ” ([2]). لذلك ينبغي أن تستخدم هذه المصادر بحذر شديد وإتباع منهج علمي في مقارنة هذه المصادر بغيرها من المصادر الأخرى ، ونقد وتمحيص ما جاء فيها سنداً ومتناً ، وخاصة إذا كانت ما ترويه لنا مما يتعلق بالصحابة وخلفاء الإسلام والتابعين وغيرهم من أهل العلم والفضل . علماً أن لدينا منهجاً نقدياً غاية في الدقة والثبات والعناية ، نستطيع من خلاله أن نخضع الروايات والأخبار لفحص ومراجعة حتى نصل إلى نتيجة مطمئنة.

وهذا المنهج هو إجراء الدراسة النقدية على الروايات نقداً خارجياً وداخلياً . بمعنى نقد السند أولاً ثم نقد المتن ومناقشتها مناقشة علمية مبنية على أسس مدرسة علماء الحديث ومنهجهم . يقول الدكتور عبد الله الخلف : “ بيد أننا لا نستطيع أن نستفيد من تلك الأخبار في الوصول إلى نتائج علمية مقبولة إلا إذا تعاملنا معها بالمنهج العلمي الذي يعتمد على الاستقراء الكامل والتحقيق والتمحيص وتحكيم العقل والمنطق في قبول تلك الأخبار أو ردّها ” ([3]) .

وممّا يؤكد أهمية التمسك بالمنهج الذي ذكرناه آنفاً بل وضرورته أن المصادر الأدبية يلاحظ عليها في أحيان كثيرة أنها تستند في سرد الأخبار إلى الأحاديث الموضوعة والمنكرة والضعيفة ، فعليها وعلى مثلها يبنون التاريخ ويستلهمون الأخبار ، مما يصعب معه الثقة بكل ما يذكرون من الأخبار إلا بعد دراستها دراسة علمية متزنة.

ومثال ذلك ما أورد الأصفهاني في كتابه الأغاني([4]) من الأحاديث الموضوعة التي أكثر من إيرادها مثل الحديث الذي عزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على حسان بن ثابت وهو في ظل فارع([5]) وحوله أصحابه وجاريته سيرين تغنيه بِمَزْهَرِها([6]) :

هل عليّ ويحكما     إن لهوت من حَرج

فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( لا حرج إن شاء الله ) ([7]) . وممن ابتلي بالاستكثار من الأحاديث الموضوعة وإيرادها أبو عثمان الجاحظ ، مثل الحديث الذي نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ( الجمعة حج المساكين ) ([8]) . ومثل الحديث: ( سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن )([9]) . ومثل : ( أن الأحاديث ستكثر عني بعدي كما كثرت عن الأنبياء من قبلي ، فما وجدتم فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فهو عني ، قلته أو لم أقله )([10]).

فينبغي التعامل مع هذه المصادر بعناية كبيرة ولاسيما أنها تتناول أخباراً تتعلق بصدر الإسلام وبالقرون المفضلة الأولى . بل إن بعض هذه المصادر تتهم الصحابة وخلفاء الإسلام بأمور تقشعر لها القلوب وتلصق بهم ما لا يعقل أن يصدر من مثل هؤلاء الأفاضل في تلك العصور الذهبية([11]).

وحقيقة الأمر أن النيل من هؤلاء والطعن في أعراضهم وشرفهم يعتبر طعناً في النصوص القطعية التي شهدت لهم بالفضل والخيرية([12]) . ومن هذه النصوص : قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس }([13]) وقوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }([14]) وقوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً }([15]) وقوله : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه }([16]) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير أُمتي القرن الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم . قال أبو هريرة – راوي الحديث – الله أعلم أذكر الثالث أم لا … ) وفي رواية أخرى : ( فلا أدْري مرتين أو ثلاثة ) ([17]) .

وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا العمل الشنيع وقال : ( لا تسبوا أصحابي ، فو الذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدِهِم ، ولا نصيفة )([18]) .

الهوامش

 ________________________________________________________________________

([1]) مجتمع الحجاز في العصر الأموي 1 / 29 . رسالة دكتوراه غير منشورة في جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية ، كلية اللغة العربية بالرياض قسم الأدب .

([2]) عبد الله الخلف : المرجع نفسه 1 / 28 .

([3]) المرجع الرجع نفسه 1 / 29 .

([4])الأصفهاني ( أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم القرشي الأموي ) . كتاب الأغاني ، شرحه وكتب هوامشه الأستاذ عبد الأعلى مهنا ، والأستاذ سمير جابر ، ط 2 ، بيروت 1412 هـ / 1992 م .12 / 84 .

([5]) فارع : حصن في المدينة (ياقوت ( شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي ت
626 هـ / 1229 م ) : معجم الأدباء ، مكتبة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر 4 / 258 ) .

([6]) المِزهَرُ : العود الذي يضرب فيه . انظر : (ابن منظور ( أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري ت 711 هـ / 1311 م ) : لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط 3 ، 1414 هـ / 1994 م 4 / 333 ) .

([7]) انظر : عبد الله الخلف : مجتمع الحجاز: المرجع السابق 1 / 73 – 74 حيث يورد بيان وضع هذا الحديث نقلاً عن مرعي بن يوسف المقدسي : الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة ص 99 .

([8]) انظر : الجاحظ ( أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ 255 هـ / 869 م ) . البيان والتبيين ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، مطبعة دار التأليف ، القاهرة ، ط 3 ، 1388 هـ / 1968 م .2 / 37 . وهو حديث موضوع ، انظر : سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني 1 / 224 ، حديث رقم 9 .

([9]) انظر المصدر السابق 2 / 28 . وهو حديث منكر ، انظر : سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة لمحمد ناصر الدين الألباني 1 / 70 ، حديث رقم 55 .

([10]) الجاحظ : المصدر السابق 2 / 28 .

([11]) انظر : رسالة القيان ضمن رسائل الجاحظ 2 / 149 – 155 حيث يورد أخباراً ينسبها إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاء بني أمية والتابعين . وانظر : مشهور حسن آل سلمان : كتب حذر منها العلماء 2 / 45 . ومن بين المطاعن التي يوردها الجاحظ في رسالته هذه : ما نسبه إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ) من أنه كان يؤتى بالجارية فيجردها من ثيابها بحضرة جلسائه ، ويَضَع القضيب على رَكَبها ، ثم يقول : انه لمتاع لو وَجَدَ متاعاً ! ثم يقول لصعصعة بن صوحان : خذها لبعض ولدك ، فإنها لا تحلُّ ليزيد بعد أن فعلت بها ما فعلتُ )) انظر : كتاب القيان ، ضمن رسائل الجاحظ ، تحقيق عبد السلام هارون ، دار الجيل ، بيروت ، ط 1 ، 1411 هـ / 1991 م . 2 / 155 .

([12]) انظر تفاصيل ما أورد محمد بن صامل السلميُّ في كتابه : – منهج كتابة التاريخ الإسلامي ، مع دراسة لتطور التدوين ومناهج المؤرخين ، دار طيبة الرياض ، ط 1 ، 1406 هـ / 1986 م
ص 216 – 222 .

([13]) سورة آل عمران ، الآية 110 .

([14]) سورة البقرة ، الآية 143 . وقال الخطيب البغدادّي : وهذا اللفظ وإن كان عاماً فالمراد به الخاص ، وقيل هو وارد في الصحابة دون غيرهم . انظر : الخطيب ( أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ت 463 هـ الكفاية في علم الرواية ، دار الكتب العلمية ، بيروت 463 هـ ) .ص 46 .

([15]) سورة الفتح ، الآية 18 .

[16]) سورة التوبة ، الآية 100 .

([17]) رواه مسلم في صحيحه ، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ، الحديث رقم 2534

([18]) رواه مسلم في صحيحه في باب تحريم سبّ الصحابة رضي الله عنهم حديث رقم (2540 )
و ( 2541 ) ، وانظر سعد الموسى : النصوص التاريخية في مسند الإمام أحمد بن حنبل ( 341 هـ ) عن فترة الخلفاء الراشدين ، دراسة تحليلية مقارنة بالمصادر التاريخية . رسالة دكتوراه غير منشورة ، مكة ، قسم الدراسات التاريخية والحضارية بجامعة أم القرى ، 1415 هـ / 1416 هـ ، ص 391 .

%d مدونون معجبون بهذه: