الروايات التاريخية في كتب الأدب وأهمية نقدها [1]

تمهيد :

لا أحد من الباحثين في التاريخ العربي يشك بأنّ المصادر الأدبية لها أهميتها ورونقها الخاص عند الباحثين، لأنّ النصوص التاريخية الواردة فيها غزيرة ومهمة جداً وتتناول مختلف جوانب الحياة، ولكن من الأهمية بمكان أيضاً نقد هذه الروايات والنصوص الواردة في كتب الأدب قبل الاعتماد عليها، لاسيما عند ما تتناول هذه النصوص جوانب من حياة أصحاب رسول الله والقرون المفضلة من المجاهدين الأوائل الذين نذروا أنفسهم لنشر رسالة الإسلام وعقيدته السمحة.

بحكم متابعتي للبحوث والمقالات التي تنشرهنا وهناك لاحظت أن بعضا منها يجعل تلك النصوص والروايات الواردة في ثنايا المصادر الأدبية اعتمادها الأول والأخير، معتقدين بأنّ ذلك من صلب التاريخ دون الفحص والتدقيق أو إخضاع هذه النصوص لميزان البحث العلمي، رغم خطورة ذلك وخاصة إذا كانت هذه الروايات لها علاقة بصدر الإسلام، ومن هنا أردتُ أن أشارك مع إخواننا الباحثين في مناقشة ذلك الأمر.

ولا يخفى على أحد غزارة النصوص التاريخية في المصادر الأدبية، وأنّ هذه النصوص والأخبار تتضمن جوانب الحياة السياسية والفكرية والاقتصادية والعسكرية، كما تشمل عصورا تاريخية متباعدة ومختلفة من تاريخ الأمم السابقة، وتاريخ العرب قبل بعثة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتاريخ صدر الإسلام، والأمويين والعباسيين وفي العصور الإسلامية الزاهرة. والمهتمون في هذا النوع من المصادر يعرفون بأنّ تلك النصوص التاريخية التي يوردها الأدباء، مفرقة ومتناثرة في أبواب شتى في ثنايا هذه الكتب، ولو جمعت ورتبت كل فترة تاريخية على حدة لربما يمكن دراستها وتقديمها لعدة رسائل جامعية.

ويهمنا هنا أن نوضح مدى أهمية نقد النصوص والروايات التي ترد في هذا النوع من المصادر، وخطورة الاعتماد عليها دون فحص وتدقيق، ودون تقديم دراسة علمية نقدية لها بمحاكمة تلك النصوص والأخبار إلى الموازين النقدية عبر سلسلة من المقالات في شبكة الشاهد العربي، وأرجو من الباحثين المشاركة في ذلك قراءة وتصويباً ونقداً يحمل في طياته رحابة الصدر من ناحية والجرأة في التعليق والتصحيح بدون مجاملة، لأنّ ما نكتبه هنا وهناك ليس مقدساً ومعصوماً من الخطأ، وأسمى ما نريده الوصول إلى الحقيقة العلمية أو ما هو أقرب إلى الحقيقة.

وعلى العموم فإننا نعلم أن التاريخ سجل مفتوح تقرؤه الأمم في كل عصر وزمان، وتتوارثه الأجيال؛ غير أن كل أمة لها تاريخها الخاص، تحرص عليه وتُراعيه.

والأمة الإسلامية لها تاريخ حافل مشرق يتميّز عن غيره بالأصالة والاستمرار، على الرغم من محاولات الأعداء المساس به والتزييف في حوادثه، لأن الله قيض لهذه الأمة علماء وضعوا علوماً وقواعدَ تكشف ذلك التزييف والتحريف وهو علم الجرح والتعديل، وعلم الرواية والإسناد.

والتاريخ الإسلامي له صنوف من المصادر في مختلف الفنون والميادين والعلوم .

ومن مصادره تلك المؤلفات التي كتبها الأدباء وصنفوها بطريقة تناسب علم الأدب الذي يعتني بالحكمة المرسلة والمثل السائر والشعر الفصيح والخبر النادر والطرفة المستحسنة والعبارة المشرقة. والآداب مفخرة للشعوب، وتراث للأمم، ولكل أمة أدب تعتز به وتعبر من خلاله عما لديها من المشاعر والأحاسيس. والعرب منذ جاهليتهم أمة غنية بالأدب، منظومهِ ومنثورهِ. والآداب العربية أغنى الآداب جميعها، كما يقول أحمد حسن الزيات.[1]

وبعد ظهور الإسلام برزت كتب ومصادر أدبية تترجم ما لدى القوم من العلوم والمعارف، كما برز في الساحة الأدبية جهابذة من العلماء، والحفاظ والأدباء تخصصوا في هذا المضمار، وهذه المصادر قامت بدور كبير في النهضة العلمية التي واكبت العصور الإسلامية الزاهرة فكثر فيها الإبداع والابتكار والتجديد في العديد من مجالات المعرفة، حتى نمت وانتعشت الحركة الفكرية والثقافية، وكثر

فيها التأليف والترجمة لمعارف الأمم الأخرى، وأنتج المسلمون كثيراً من المصادر في مختلف الفنون والتخصصات.

وكانت الدولة الإسلامية قد سخرت للعلماء كل ما لديها من الإمكانيات في سبيل نشر العلم، فأسست المدارس والمراكز العلمية؛ وكان الساسة المسلمون يشجعون الشعراء والأدباء في إنتاج ما لديهم من المواهب، وكانوا يغدقون عليهم الأموال والجوائز.

وإن كتب الأدب وبالأخص الجوامع القديمة منه تعتبر من المصادر المهمة التي يعتمد الباحثون عليها في كتاباتهم العلمية، وهي مصادر لا يستغني عنها أي باحث يريد معرفة حقيقة أوضاع العرب والمسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية، لما تحويه من الأخبار والروايات التاريخية النادرة والتي ربما لا نجد كثيراً منها في المصادر التاريخية البحتة.

وعلى الرغم من أن هذه المصادر يغلب عليها السمة الأدبية، إلا أنها تضم صنوفاً كثيرة من الأخبار والروايات المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي والثقافي. وقد وجد مثل هذا النوع من المصادر انتشارا بين المجتمع وإقبالاً كبيراً من الناس، ليس لدى المهتمين بالأدب فحسب وإنما لدى جميع المثقفين على مختلف مشاربهم وهواياتهم .

فمثلاً : مؤلفات ابن قتيبة الدينوري كانت مرغوبة، حتى “ كان أهل العلم بالأندلس يتهمون من لم يكن في منزله شيء من تصانيفه ”[2].

وهذه الكتب والمصادر الأدبية جمعت في ثناياها معارف علمية متنوعة من أدب وتاريخ وتراجم وقصص ونوادر؛ مما رغب الكثير من الباحثين والقراء في مطالعتها واقتنائها.

وقد ورثت الأجيال هذه الثروة الضخمة التي خلفها لهم أسلافهم، بل وأخذت الأجيال المتتابعة تدلي بدلوها، وتساهم في تنمية ميراث الآباء والأجداد، وتحذوا حذو الأولين في الإنتاج والإبداع.

---------------- هوامش -----------------------

  1. انظر تاريخ الأدب العربي ، دار المعرفة ، بيروت ، 1416 هـ / 1995م، ص 7 . []
  2. ابن كثير (عماد الدين أبي الفدا إسماعيل بن عمر الدمشقي 774 هـ / 1372 م) : البداية والنهاية ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 3 ، 1407 هـ / 1987 م .، 11 / 61 . []
%d مدونون معجبون بهذه: