دمعة في محراب الحب

في مساء قرمزي شفاف رصعت السحب المجلجلة في الأفق ألوانا زاهية وقوس قزح جميل ممتزجة بصفاء الوجدان وجمالية الأشياء، كنت أرتشف قهوة المساء  ـ التي أصبحت طقوسا أمارسها ـ في مقهى شعبي يقع فوق تلة مرتفعة تطل علي المحيط الآسر ببهائه، الأجواء هادئة، والنفوس مالت إلى الأحاديث الجانبية الشيقة والإتكاء على كتف المحيط، والأمواج تداعب الرمال والزوارق المركونة في المرافئ برقة ولين، والأشجار تعانق البنايات الشاهقة وبقايا الأطلال الصامدة رغم جرف الزمن وأصداء السنين، والنسيم العليل يغازل الحوريات اللائي يجلسن فوق المقاعد البلاستيكية والطاولات المستطيلة المطرزة بالأزرق الصافي لون العلم الصومالي وهن منهمكات باللمسات الحانية علي شاشات هواتفهم الذكية والإبحار في عالم الهواتف الجذاب، وأحاديثهن النسوية المفتوح وثرثرتهن التقليدية الصاخبة يجعل المكان وكأنه حفلة نسوية بامتياز.

الأجواء السريالية للمقاهي الناعسة على أهداب المحيط التي تصدح عنها الأغاني الكلاسيكية ذات الأوتار الشجية، ورائحة القهوة المميزة التي تنزلق إلى الفم كسرعة الضوء وتحول الأمزجة وتؤثر الخلجات، وأحاديث الأصدقاء على وقع شجي الذكريات وشجن الأيام، وملاحة الوجه وصباحة القد، والنظرات القاتلة، والقامة الممشوقة كالسنديان، والمشاعر الحالمة في محراب الحب كشبيللي الذي يفيض حبا وحنانا، والطبيعة الآسرة، وعرش الغروب وشفق المغيب، والأسواق المليئة بالمارة والمتجولين، والأرصفة الباردة للمدن والقرى دائما ما ترسلني إلى سحيق العواطف وقعر المشاعر المكبوتة.

غابت الشمس وراء التلال وخلف المباني الشاهقة والبيوت الكثيرة والمتلاصقة كضاحية مهملة لمدينة إفريقية موغلة في القدم والعراقة، وارتفع صوت المؤذن لمسجد عمر بن الخطاب العتيق المحاذي للثكنة العسكرية البحرية الصومالية، صوت المؤذن كان يأتي وراء السنين التي تجاعيد وجهه تقول أنه في العقد السابع، وكان المايكرفون يعاني من الشيخوخة وشوشة الأصوات التي تجعل الآذان مزيجا من الكلمات والبحة والأصوات المرتفعة للمكبر.

في هذا الجو البانورامي الذي عم الأرجاء بدأت السماء تمطر رذاذا، وبدأت أعزف ألحان الحب وسيمفونية الصبا الشجية وأنا أهرب من السآمة والملل، وهاجمتني الأفراح كقطرات الندى أو كشروق الشمس بعد سواد الليل، أو أضواء الشموع التي تتراقص علي عتبة معبد مهجور في مدينة لاتينية باذخة بنكهة سيجارها الفاخر وتشكيلات المافايا تجار المخدرات، واللمسات الفنية المبهرة للساحرة المستديرة..

أمامي وعلي يمين المقهى فتاة حالمة تشبه الموناليزا الخالدة برشية الفنان الإيطالي الكبير ليوناردو دافيتشي،! تطرب مع أمواج البحر وكأن للبحر طبول وأنغام تتكلم،! جسدها مكتنز باللحم والنضارة، وتشع عن عينيها لحن الغرام وسريان الحيوية وهي تقفز وتترنم وتصغي إلى هدير الطبيعة وصخب الأمواج، عينان مستطيلتان بريئتان كمقل الطفل في مهده، وشخصية متسامحة كزهرة البرسيم، وأناقة نادرة وأنوثة متوثبة تنافس السنابل والأشجار جمالا وبهاء.

يفوح عن جسمها عبق البخور التي تهديها نسمات المحيط إلى جسمها الذهبي وبشرتها السمراء النقية، وتتبختر كغانية في حلتها أو كملكة في بلاطها الأميري، وتنثر لحن الحب علي القلوب المجدبة، وتتمايل فوق الرمال الحريرية وبين الكراسي البلاستيكية والبيوت العتيقة والأزقات الضيقة، والدروب المحيطة على المحيط، وفي تمايلها تتولد النغمات، وتتراقص ضفائر شعرها الأسود الفاحم كألوان ساحرة زاهية على ظهرها المصقول وتحت خمارها الشفاف ووشاحها العبق.

نظرتُ إليها بعيون تحمل سهام التعلق وموسيقى العشاق ذات النغمات الموحية، فتدثرت بالحياء وتخمرت بغنج أنثوى ودلال قاتلين، صوتها وهي تهمس في أذن صاحبتها كان يصل في أذني نشازا ومتقطعا، ربما كانت غير راضية لنظراتي المركزة حول شفتيها العذبتين وفمها المغري بالتقبيل وأماكن حساسة من جسمها، بحتها القليلة وبعدها عني جعلا الصوت وكأنه همسات مسائية وتمتمات مليئة برسائل العشق وإشارات الهوى، أو هكذا أحببت وأنا ثمل بنشوة الهيام ومتسكع في محراب الحب.

اقتربت إليها باندفاع شديد ونسيت فراسخ العاطفة والمسافة الوجدانية التي كانت بيننا، وحقيقة لم يكن جمالها عاديا أو ذاك النوع الذي يمكن مقاومته،! قامت وذهبت إلى الشارع القريب للمقهى وكأنها تتهرب من نظراتي الفضولية وتمتمات شفتي وأنا أحلق حول بساتين العشق، وركضتُ ورائها وكأني أترنح بين ذبذبات الشوق الجارفة وموجات الهيام ذات التيارات القوية التي لا تقاس بالأوم ولا الفولت وإنما علي نبضات القلوب ودقاته، ودماء الشرايين القانية، ولكن دخلتْ بسرعة في زحمة السوق وضجة المدينة، وضمت الجموع بين دفتيها كسطر يتيم في آخر الورقة أو كأثير الهواء، تسللتُ بين البشر كالأنفاس الرقيقة وهرولت تجاهها، تخطيت شوارع وأزقات، وتجاوزت محطات وأسواق وميادين، وأدلفت لفات وأنا أغرد خارج السرب وفي بالي يقين بأني سألتقي الحورية في الشارع الثاني وهي تقف قرب سيارتها المركونة على الموقف، أو تنتظر المواصلات العامة مع الكادحين والبسطاء أمثالي، أو المحل المقابل وهي تتسوق، أو الزحمة التالية ربما.

كانت أحلام لم يسعفها الحظ وتصورات محب تاه في خضم موجات العشق، وصلت إلى الساحة العامة والأنفاس تخرج عن رئتي بشكل متقطع، وبعد أن جريت أكثر من ساعتين قبلت أمر الواقع واستسلمت للواقع المرّ لاهثا ومنكسرا حينما وصل الجهد إلى مبتغاه، ندبت حظي التعيس دائما مع السمراوات الطوال، لأن الحب يموت في مهده أو يتلاشى الوجدان الجميل قبل أن يرى النور.

أصبح طيفها الآسر لهفة وشوق يحدوني إليها، ليتني لم أر وجهها الصبوحي ولو بالخيال،! ومنذ أن رأيت والحب يتراكم على ذرى قلبي المنهك بالعشق والهوى، رجعت إلى مقعدي الحزين كغيوم الكآبة وأنا أردد: عودي أيتها الملكة الجميلة… عودي إليّ يا من ملكت أرجاء قلبي المترع بحبك الشفاف والمشاعر البلورية كاللوحات الزجاجية.

كانت طيفا عابرا إلى مرفأ الذاكرة ومسحة شوق عارمة أذرفنا الدموع من أجلها في محراب الحب، وكان حبها مجرد نظرة ومن النظرة ما قتل، ولكن كانت نظرة أدركتني أن في داخل الهائمين بخيال الحب أسرار وأخبار، وفي قلوب العالقين في محرابه آهات وأحزان ومسرات، وفي عيون الآثمين بالهوى انكسارات ودموع مسكوبة كالثكالى، وعلى لسانهم أشعار رقيقة وأبيات دقيقة ألطف من النسيم، وأعذب من أصوات العيدان ورنة الألحان، ونغمات القيان في الليالي الحمراء القرمزية.

في الحب نكتب مشاعرنا الجريحة وومضاتنا العتيقة بدموع المآقي ونبضات القلوب، وفي الحب نردد ذكرى الحبيب وصدى كلماته على وقع السهر وضيافة الجهد والآلام النفسية والجسدية، وفي سكرة الحب ونشوته ننام على ضفاف نهر أحلامنا وجنبات غدير آمالنا البراقة نراقب الكون وكأننا نسمر على هامات القمر أو على أهداب المجرات التي تدور في أفلاكها.

وعلى أجنحة الطير القوية ندخل الكون عبر دروبه الطويلة وشوارعه المفتوح إلى قصور الأمل فنبتسم ونمتزج مع ألق الطبيعة كفراشة السواقي، ويتلألأ وجهنا كالنور في مسناه، وترسلنا منارات الحب ومشاعل الحبور المضيئة إلى ملاعب الصبا وربوع الطفولة والأيام المتألقات، حيث صفاء البال ونصاعة الوجدان ورهافة القلب ورقاقة المشاعر ولين العواطف وصدقية المواقف وبراءة التصرفات.

وعلى شواطئ ذاكرتنا الرمادية ننام على ذرى الأيام المشرقة التي منحتنا شآبيب السناء وقناديل الصفاء، ونتكئ فوق الماضي التراجيدي والنوستالجيا المبكية التي نهربها عندما تزداد قتامة الحاضر وسواد اللحظات.

ولكن نهر الحب لا يتوقف أبدا مهما كان موسم الفيضانات مروعا، أو كانت الزوابع مخيفة، أو كان الحب مجرد نظرة تبعها حسرة، ومن اكتوى بنار العشق وتجرع ألم الصبا تحت وقع الضباب والشوق الذي يقيدك على الرصيف البارد، وفوق صفيح الحب الساخن، وسديم معانيه، ولوعة فراقه، وحروفه الباهتة، يلهث في دروب الحب، ويهرب إلى الأبد من مقاييس الحب وموازينه المجحفة.

كنت أهمس في أذن الحب قائلا: ماذا تفيد الدموع الممزوجة بالضجر كقصص العابرين من وسط المعاناة؟ وفي هدأة السحر يسألني الليل: لماذا السهر وما سر الأعين الغارقة في الحزن؟ ولم ترسم شذى الشوق في كف السحر؟ وأين السمّار والأحبة؟ وهل الحنين يداوي الأرق؟ فأجدني أستلطف وأسترق النظر إلى شاعري المفضل المتنبئ ـ مالئ الدنيا وشاغل الناس ـ الذي دائما ما يمثلني في المواقف الصعبة ويتفهم شجوني وزفراتي، وأتعجب كيف يفك الإمبراطور شفرات السؤال بجزالة معانية وأسلوبه الشيق ذات اللمسات الإنسانية البديعة.

لا يعرف الشوق إلّا من يكابده *** ولا الصّبابة إلا من يعانيها

لا يسهر اّلليل إلا من به ألم *** لا تحرق النّار إلا رجل واطيها

لم أجد من يشاركني لحظات الصفاء وساعات البهاء، وما أقلها في بلد مأزوم تحمل إلينا الإذاعات وتنقلنا المواقع ويشاهدنا التلفزيون أخبار الصراعات العبثية، والأنباء المحزنة من الاغتيالات والانفجارات والأعضاء المبتورة والأجسام الممزقة، والأحلام التي تموت في رحم الغيب، والآمال التي هرمت وشاخت، والقذائف التي ترسل البراعم إلى سكون القبور، وموجات التشريد والهروب من الوطن إلى الصحاري العتمور أو إلى صقيع الغرب القاتل، ولم يمنحني الحظ من يتجرع معي كؤوس الحب وضحكات العشق السرمدية رغم محاولاتي الكثيرة ورومانسيتي الكبيرة التي شهدها البروفيسور جوجل العظيم!.

وهكذا كانت مشاعري مكبوتة وهي تغلي كالمرجل في داخلي وبين قصبات ضلوعي،  رغم جنوحها إلى عالم البوح والإظهار، فيزداد شوقي تحت سواد العتمة وضوء القناديل الشاحب في هزيع الأخير قبل نور الصباح القميئ ، فأتهرب كالأوراق المتساقطة في الخريف من غلظة أغصانها إلى لواقح أجنّة الحب الحانية، وهامات الهضاب المعشبة، وهوج الرياح التي تهب من أعماق المحيطات، وذرات الغبار المتراكمة في رفوف المكتبات وفي الكراسي الخشبية في الميادين.

وأمام وطأت السؤال المنهمرة عليّ والتي لا أجد لها جوابا كافيا، أسطر صفحة من وميض التاريخ وأريج الورود الفواح، وأرسم وشما زاهيا في كف السحاب والجباه الجذلة ببهجة الأيام، وأرحل إلى قمم المعالي وصهوة المنافي، وأسقط من العلياء إلى سحيق الهاوية، وطوى النسيان الوجه الذي أبي إلا أن يأخذ أجمل الذكريات ليخفف عني وطأته، ولهثت وراء أشرعة السماء لتغرب شمس أحلامي من هنا لتشرق من هناك، وتمسكت بروح لاهية إلى نضارة الحياة وحب الوطن والانتماء إلى جموع شعبي الأبيّ ورونق المعيشة التي تورثني من غيظ يخنقني ومن سراب لسراب ومن انكسارات ضوء لآخر يؤب.

%d مدونون معجبون بهذه: