الحلم الضائع (3)

وعندما رست سفينة العمر على شاطئ العقد الثالث من عمري كان الوطن منهارا تماما، والشعب تفرق إلى أيدي سبأ، وأدركت أن النسيج الاجتماعي مفكك والفسيفساء المتجانس تآكل وكاد أن ينتهي، والقبائل التي تشكل لوحة زيتية رائعة بل أروع من لوحة موناليزا متناحرة، وأن سرطان المقاطعات قد اجتاح في أوصال جغرافية الوطن، وعندما سبرت غور المجتمع عرفت على أشياء لم أكن أدريها، الإنسان يترنح تحت عبء الحروب والصراعات العبثية والفقر المدقع، و الوطن يتلوّي في جوف اللهب، والجموع حائرة، والقوي يقتل الضعيف، والوضيع يملك زمام المبادرة، والوطني مكبّل في الزوايا البعيدة والزنزانات الضيقة أو يموت على الأرصفة الباردة، وأصبح التزوير والنهب والقتل والاغتصاب روتينيا عشنا في خضمه دون وعي وتذكر واللامبالاة قاتلة. كبرتُ ومعي كبر هذا الوضع المأساوي الذي تمر عليه الأمة، والشخص العنيد الذي كان في داخلي يراقب الوضع عن كثب، وينظر الوقائع بعيون مختلفة وذوق خاص، كرهت النفاق المنتشر في كل مكان والمحسوبية الطافحة حتى أصبحت شعار المرحلة، وأمقتُ الخوف والتبلد الذهني والإدراكي الذي يوجّه المجتمع ويقود الأمة نحو الوصولية البغيضة التي تعني أن الجميع يعمهون في غيّهم ويتقلبون في عالم الفساد والانحطاط.

في هذا الوضع الحرج وعلى وقع أنغام التحرك لم يجد وسيلة يظهر عن حزنه ومأساته سوى البكاء بعصبية نادرة، ورفع صوته الشروخ الذي لا يصل صداه بين دفّتي البيت، كان متوترا لحظة خروج سعيد من الغرفة الضيقة إلى الممر الرئيس للبيت، شعر أن سمتر يصارع مع السفر، والرحيل وبدون علم والدته يعني له مغامرة غير مضمونة العواقب، ربّت على كتفه بطريقة موحية فقال: الهجرة والغربة أليمان ولكن الغربة في داخل الوطن والهجرات الداخلية والتشريد الجماعي والقتل المتعمد وتجفيف منابع الخيرات ومنطق القوة الزائد في الوسط أكثر ألما ويجعل سفرنا نحو المجهول قرارا صائبا وبدون خوف أو جل يا صديقي. تحرك الموكب المتجه إلى الجنة المفقودة ـ حسب خيالهم الوهمي وهلوستهم ـ الساعة الثانية ونصف صباحا وفي جنح الظلام وكنف السواد الذي يغطي كل شيء في عالمنا، تحركت القافلة ومعها تحرك سمتر وهو متدثر بحلمه الجميل: الهجرة إلى أرض الأحلام… إلى أوروبا… إلى الحياة الرغيدة التي تليق بالإنسان ويحقق فيها أحلامه بيسر وسهولة.

شعر بدوخة خفيفة سرعان ما تغيّرت إلى إغماء، استفاق وعاد وعيه من جديد، المحرك ينفث المياه والسفينة تشق عباب الأمواج بطريقة قوية، ابتعد عن المراسي وعن مرابعه الأولى وذكرياته الطفولية وحنان الأمومة وعطف الجدة وباحت الجامعة والميدان التي شهدت خطوته الأولي، واختفى البرُّ بكل جماله وآهاته وراء زرقة المياه وبعد الأفق، إذن نحن نركب عباب البحر ولا نعرف ما يخبو لنا القدر، أنعيش ويكتب لنا أن نصل إلى أوربا وشاطئ السعادة بأمان وسلام؟، أم سوف يبتلعنا البحر وتأكلنا حيوانات البحر المفرتسة؟، لا أدري ولكن ربي رحيم وقضاؤه سينفذ لا محالة والأعمار بيد الله، تمتم هذه الكلمات واستسلم للمستقبل بكل تراجيديّته وحكاياته الغامضة.

الفراق المؤثر ونهاية مروعة حزينة وتصورات مخيفة ومآلات ضبابية وشبح الموت المركون في فؤاده أثر في توازنه فمادت الأرض تحت قدميه وسقط ثانية، ولكن ومن حسن حظه أنه استفاق بسرعة مذهلة وإلا لكان فريسة سهلة للضياع ولتركها الذئاب البشري في عرض البحر وفي هذا الليل الديجور. لا أحد يتحرك، سكون كبير داخل السفينة كأنهم جثة هامدة، تسمرت العيون في الأفق، صمت رهيب وحضن قوي للذكريات، الجميع جامدون وموحدون مع الألم، الأجساد مرتجفة والقلوب مضطربة والعيون جاحظة ومحملقة من اللاشيء، والوجنات بارزة والنظرات حائرة لا يطربهم الكلام ولا يهز مشاعرهم الإيقاعات الطويلة للموسيقي التي تصدح من الراديو العتيق للسفينة وكأنهم مردة الجن أو كراسي بلاستيكية غارقة في الظلام، لا صوت يعلو فوق نبض القلوب المتسارع وأسلحة الوجدان الداخلية والترقب لما سيحدث في عالم المفاجآت. وقبل أن تتوغل السفينة في الأمواج المتلاكمة ألقي سمتر نظرة تفقدية على وجوه الجميع ،الأجساد نحيلة والنظرات زائغة والبطون ضامرة والأحلام كبيرة والأخطار متعددة والتحديات ماثلة للعيان، جفون ثقيلة وجبين شاحب وسمارة ذابلة في وسط المعاناة، الكل مشغول بما تخبؤه الأيام في طياتها، وما سيحصل في خضم رحلة التيه والضياع، أشفق على حالتهم ومنظرهم البائس، ثم قال: لو أنهم وجدوا على ظهر وطنهم وفي وسط شعبهم ما يستحق الحياة لما تركوا عنه. جلس سمتر بزاوية خالية من المهاجرين أو من اختاروا ركوب الأمواج ومصارعة الأخطار، ورأوا أن الوطن عبارة عن نار تلتهم الجميع، وأن تربة الوطن لا تستحق الحياة، طالع الكون من خلال ذاكرته الخربة وتوغلت أعينه لجهة الشمال الموغل في زرقة المياه الصافية، فجأة المشهد يتحول إلى حياة البساطة في عقر دارهم حيث أخته الصغيرة كعادتها تطبخ العشاء، وجدته تصلي وتقرأ أورادها الصباحية بكثير من الأخطاء، أما أمّه فتوزع الدعاء والابتسامات الصادقة على الجيران، كما تمنح عطاء من لا يخشي الفقر على الفقراء وتواصل الصدقات والطيبة رغم قلة اليد وتواضع الحالة المعيشية للأسرة.

بدأ الحب والتعلق الواضح لأفراد أسرته يعزف على الوتر الحساس لسمتر، تذكر حياة أمه وكيف كانت صراع مع سيمفونية الحياة، وتذكر الحب المتدفق من شقيقته وهو في أعتاب الرحلة والمغادرة فكاد الحنين والحب المصاحب بالأنين والتوجع أن يقتله، همس في أذن الزمن مؤنباً أختي هي قرة عيني وحب أمي يشكل نبض تردده شراييني وكان قلبي يتكلم حبها قبل فمي، ولكن ماذا أصنع وقد طفح الكيل وظلمني القريب قبل البعيد؟، وقل لي بربك كيف أواجه الحياة وقد تعودت الفشل الوظيفي رغم نجاحي التعليمي؟. أخذتْ يد الزمان بعيدا عن أهله ومرابعه، ولكن نيّة الرجوع وشعلة العودة وهو يملك ما يستطيع أن يؤسس عالمه الخاص ويمكنه الخروج من سرادب الفقر والحرمان إلى رحاب الثروة والغناء ما زالت تتّقد في جوفه المتعب، ترك البرَّ وهو في سجن من الصمت الرهيب وغبار الصراع الداخلي يلهب أحشائه، غاص في بحر من الدموع وبحيرة من وحل الأماني والآمال، نهره أصدقاؤه المحيّرين بالدموع المتثاقلة في مقلته، ولكن كانت إجابته مزيدا من العبرات ونظرات تحمل معاني الحب والوفاء. مضت بهم رحلة العمر وتوغل سمتر في عباب البحر، وسرعان ما أسدل الليل ظلامه على الكون وتحول المشهد إلى روعة طبيعية خلابة تزينها الرياح المحملة بنسمات البحر ورذاذ المياه الخفيف، مرّة كان ينظر إلى الأفق وحيث تلامس زرقة السماء بزرقة المحيط الصافية، ومرّة كان يتحملق حول السماء الصافية والنجوم المرصعة في كبدها بأناقة منقطعة النظير وبهندسة ربانيه بديعة، وتارة يجذب أطراف الحديث وبشكل متقطع مع سعيد الذي أصبح أنيسه في رحلة المتاهات.

انبلج الصبح وأشرقت الأرض بنور ربها بعد ليل بهيم وبعد رحلة استغرقت ساعات من الوحدة والشجن الصافي وعلى ضيافة المياه، تصعد السفينة على هامة الأمواج وهدير البحار إلى قيعان المحيط وقعر المياه، تنفّس الجميع الصعداء لاقتراب الهدف والنجاة من حبائل الليل ومن مفاجآته الكثيرة، وفي الساعة السابعة والنصف حان وقت الفطور، ولكن الفطور هنا له معني خاص، لأن الجميع لا يحملون سوى الماء وبعض السندويتشات المتعفنة الجاهزة الذين يسدون رمقهم في عرض البحر. في كامل اليوم كانت السفينة تسير وتتهادى فوق المحيط وعين الله تكلأها وترعاها، في منتصف الظهر فتح مصحفه الشريف الذي لا يتركه في الحل وفي الترحال فبدأ يقرأ سورة “هود” وبصوت خاشع مرتل يستشعر عظمة الخالق بواسطة آياته الكونية الكثيرة، تأثّر الركاب المسلمون بصوت سمتر فطلبوا منه أن يكمل الصورة، وبعضهم كانوا يرددون الآيات بعد قراءته وبصوت جماعي جميل. ذهب الصباح وتوالت الساعات ورسم الشفق على جبين السماء أكاليلا من الورود وباقات من الأزهار المتنوعة، واقتربت السفينة الشراعية إلى قبالة السواحل الإيطالية، وفي بقعة من المحيط خالية من الناس سوى المهاجرين والمتاجرين على البشر وممن تجردوا عن الشعور والإنسانية وانسلخوا عن البشرية والآدمية، ومن أصبح الإنسان عندهم أرقاما تتكلم، لا حس لهم ولا نبض، ورموزا تجارية لا تملك أية حقوق، لأن الجشع أعماهم والصلف أرداهم والغرور أصابهم في مقتل، وأحجب عن ضميرهم شفقة الإنسان ورحمة البشر، طلب عنهم مسكّن للألم لأنه كان يشعر صداع رأسي رهيب ودوّارا نجم عن الأعراض الجانبية للسفر، خاصة وأنه يسافر عبر السفينة المرة الأولى في حياته.. المياه متشابهة والأمواج متلاحقة والعلامات معدمة في عرض البحر، ولم يكن هناك ما يعكر صفو الرحلة سوى الذكريات الأيقونية للأهل والأسرة، وطيف الوطن الباهت الذي يمر أمامه بين فينة وأخرى، وأسماء الأتراب والخلّان الذين تركهم هناك وخلف آلأف الأميال والأمتار، وحب يانع داسته المشاعر الجامدة.

زحفت عقارب الساعة إلى الأصيل أو الدقيقة الرابعة وعشرون دقيقة في الساعة الرابعة مساءً من إلىوم الثاني للرحلة، تكيّف الجميع الأجواء الجديدة وارتفعت المعنويات بسبب قرب الساحل الإيطالي، نشأت بين الركاب صداقة وليدة لا تقف على أقدام قوية وانجلى الشعور المسيطر من الخوف والرهبة، وزاحت غيمة كبيرة على صدور الجميع، اللغط والصخب والحكايات الطويلة بدأت، والنكات الطائرة ارتفعت من هنا وهناك، وفجأة وفي خضم المرح اضطربت السفينة وتحركت بشكل عرضي مخيف وكأنها اصطدمت بجسم غريب كاد أن يغرقها وبسرعة البرق، سكتَ الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، حاول الملاحون أن يتفادوا عن هذا الجسم الغريب ولكن لسوء الحظ كانت المياه تتدفق وتدخل في السفينة بشكل سريع أربك الركاب والملاحين.

ساد موجة من الهرج والمرج والصخب على متن السفينة، الموت يبرز أنيابه الكريهة في كل جانب من السفينة، الكل متعلقون بحبال السفينة أو بأركانها الضعيفة أو ما وقعت اليد عليه، بدأت المياه تغمر السفينة وتنزل تدريجيا وبشكل دراماتيكي ، ارتفع الصخب والدموع وتصاعد البكاء وهنا فر الجميع إلى الله، وكل شخص ما يدين به، فهنا كهل يقرأ الأوراد والذكر وأعصابه متشنجة والعرق يتصبب من جبينه، وهناك فتاة جميلة في عمر الزهور ترفع أكفها إلى السماء وتتضرع إلى الله، وهناك عجوزة مسيحية تطلب النجدة من صليبها المتدلي في عنقها وتبكي بهستيريا، واللادينيون تذرف الدموع عن مقلتهم. غاصت السفينة تدريجيا وتحقق الجميع الهلاك ونظروا إلى الأفق هناك في إيطاليا وأسطولها ونجدة قد تأتي هناك ولو متأخرا، ومددا إلهيا قد يأتي من اللمبدوزا وخفر السواحل، أو حتى من أسطول الغرب الذي يبحر كل ساعة في البحر الأبيض المتوسط بين الجنوب العربي والشمال الأوروبي.

هطل المطر كأفواه القرب وساءت الأمور كثيرا، وبدأت أسماك القرش والقواقع تحوم حول السفينة التي تشرف على الغرق، لا يوجد بصيص أمل في النجاة طمر المياه أجزاء السفينة وهرب البحارة بقوارب مطاطية صغيرة كان بحوزتهم،! وتركوا الركاب يواجهون مصيرهم المحتم وبصدور عارية، وحينما أيقن أن الموت قد دان وتعب من السباحة التي لا يتقنها أصلا نظر إلى السماء وترك أمنيته الوحيدة:أيها الراقدون على أكتاف الأحلام أفيقوا، ويا أيها اللّاهون على ضفاف الأماني الأرجوانية والطموحات الكاذبة التي تعانق السماء والراحلون إلى دروب المنافي انتظروا ريثما يصل أخبار الغربة ولوعة الشوق قبل أن يصلكم أنياب الموت في عز المحيط أو عرض البحر أو تخوم الصحراء العتمور، لا يوجد أمامكم سوى رحلة مجهولة العواقب محفوفة بالأخطار سياجها الموت وسبيلها الإهانة ورفيقها الألم والمعاناة. مضى البطل إلى ربه وهو يلوح يديه وينظر إلى السماء كأنه ينتظر رحمة ربه التي وسعت كل شيء، ولكن تركنا بوصية خالدة وحكمة جميلة تتناقل الأجيال شذاها عبر العصور.

 

%d مدونون معجبون بهذه: