الحلم الضائع (2)

رجع إلى البيت مهموما وقد عقد العزم على الهجرة إلى ما وراء البحار، وحيث يعيش المرء مرتاحا ويجد عملا يحفظ له ماء وجهه، أو هكذا اعتقد وفي وطن ملتهب، وسمع من أترابه الذين رحلوا بعيدا إلى هناك وفي بلاد الضباب أنهم نسوا عن الغيوم السوداء والحزن الذي أرخى ظلاله الكريهة على الوطن، وقبل أن يصل إلى البيت وفي حين تتزاحم الأفكار على رأسه المنهك الذي تتقاذفه الآراء هتف هاتف من أعماق قلبه: من لأمك التي منحتك معاني الحب والحياة؟ ومن لأختك التي لا تنام ولا تهدأ لها بال إلا بوجودك؟ وكيف يكون حال جدتك التي تجد المتعة والراحة بوجودك والدفء والراحة بكلامك؟.

الهجرة عبر المحيطات يكتنفها الغموض وقد لا ينجو المرء من لدغة الموت، يا سمتر لا تكن كالفراشة التي اقتربت من النار فاحترقت فأجاب كثير من الأنين أن الوقت لو أسعفه ووجد عملا شريفا لما حاول الهجرة من بلدي إلى المجهول وفي أعماق المتاهات وحفيف الغربة الرطبة كالشتاء، ولكن أردف وبصوت أخنقه العبرات وبحنجرة مبحوحة هذه أمنيات شاب لن تجد حظها في الواقع الأليم الذي يطرد الشرفاء ويعيش في ثوبه المطاطي فاسدون يرتعون عرق جبين العراة والبسطاء.

 في جناح العتمة والظلام وصل إلى البيت منهمكا بالطريقة المثلى التي بإمكانه أن يخرج من المدينة الثقيلة بتراكماتها الحياتية وتحدياتها المعيشية، دخل في غرفته فسمع حديث النسوان في بهو البيت وصوت جدته التي نسخت التجاعيد حلقات متقاطعة ومتوازية على وجهها، وكل حلقة شاهد عيان لأيام ساطعة ذرفت الدموع من أجلها، ومآسي عظام وتقلبات كثيرة في دنيا الوطن. كانت الجدة تتحدث وبنبرة حادة فيها كثير من الحزن المتدثر بالتذمر عن الشباب والهجرات الجماعية إلى الشرق والغرب الذي يظنها الشباب أنها توفر لهم كل شيء، وفي جلسة نسوية بامتياز عنوانها الثرثرة النسوية التقليدية والصخب الأنثوي كانت الجدة مهمومة بالنزيف الحاد الذي أصاب الوطن، وعن الناشئة الذين يهربون من سياج الوطن: (لاشيء يردعهم عن هدفهم الضبابي وطموحهم الرديء، ولا يستمعون إلا ما يملي لهم عقلهم المريض وتصوراتهم الخاطئة للواقع والحياة، وسوى هلوساتهم الكاذبة وأحلامهم المنسوخة على ورقة الكربون ومناجاة طيف حياة الرغد والكرامة في هدأة الأسحار).

كان يرى حديث الجدات الطاعنات ضربا من الخبل والبساطة القروية والفضول القاتل الذي يخوض في كل المواضيع بدراية وبدون دراية، يتكلمون عن الوطن والوطنية وملؤوا في أذننا ذكريات أيقونية لأيام مضت وسنوات رحلت عاشوها، وقالو لنا وبفخر شديد وشماخة بارزة، كانت أياما متألقات وحياة ساطعة تنضح بالعزة والكرامة. لم ندرك هذا الجمال والعصر الذهبي للوطن وهذه الوطنية والمساواة الأسطورية، بل كان قدرنا أن نرى النور والعملاق منهك والوطن جريح، وأن نعيش تحت القصف والقتل والدموع والدمار والدماء، راجمات وصواريخ بكاء وأنين وحروب وصراعات قتل جماعي وتشريد، الوطن ملتهب من أقصاه إلى أقصاه والكرامة تنزف وعاد الاستعمار من جديد وبثوب قشيب وتصورات جديدة. وصل إلى الطريق المسدود وركب موجة اليأس والإحباط، ثم تنهد فقال: لا فجر جديد سيشرق ولا مستقبل براق ينتظرنا، بل الأمور مرشحة للتفاقم والتعقيد بعدما دخلت الأطرف المعلومة التي تصب الزيت في اللهب الوطن بغية ألا تهدأ معضلته.

الوطن مستباح وخيراته الكثيرة تتعرض للنهب والسرقة والابتزاز وبأرقام فلكية لا يعلمها إلا الله، وضاع الشعب بين غباء الأقارب الذين تفننوا في الخداع والتضليل وعدوانية البعيد الهمجي. حديث النسوان معظمه أحاديث عاطفية وانتقادات مشفوعة بحجج واهية، لذا كان يرفض أن تقترب المتاجرة بالعواطف ـ حسب رأيه إلى أحلامه لكي لا يتأثر، وكانت الرحلة تبدو في عينه ألغازا غامضة ومثيرة بقدر ماهي طوفانا من الأحزان تحمل في طياتها تباريحا من الأمل تمهد مستقبلا مشرقا. ابتسم بعذوبة صامتة وهو يتسنم رائحة المحيط الزكية على نافذة قلبه المفتوح إلى البحر وأمواجها والليل ونجومه والسفينة الشراعية والطريق المنتظر وهدير المحرك، وكان يتمايل يمنة ويسرة وهو يرقد فوق سريره وملتحف بردائه. نام ليلته وهو يتحرك كرسوم بالية تحركها الزوابع والعواصف، و لم يجد نوما عميقا بل كان شبح الحزن والفراق يطرده عبر أزفات النوم ودروبها الطويلة، ويمزقه الألم وتأنيب الضمير، وصدى الهرب من ساعة الوداع ولحظات الفراق المؤثرة ترن في طبلة أذنه.

انبلج الصبح وبزغت شمس يوم جديد، لم يكن يوما عاديا بل كان يوما مفصليا في تاريخه ومهما في حياته، غادر إلى ناحية بيت مهجور تكاسلت الشمس في أفقه من كثرة التشجير والحشاش والأعشاب وكومات القمامة والأحجار المتناثرة التي غطت عليه كاملا، كان البيت نقطة الانطلاقة ومركز التجمع للشباب قبل السفر والمغادرة، والبيت كان في الماضي مقرا لقسم الحوسبة للوزارة المالية وقريب جدا إلى الشارع الرئيس للعاصمة الذي يعد الشريان الحقيقي للمواصلة وربط أجزاء المدينة على بعضها البعض. بدأ كل شيء في البيت المهجور شاحبا، الإهمال والخراب الذي طال على أجزائه كان واضحا على جبينه، غرف صغيرة ممتدة نحو الأفق يربطها ممر ضيق وسلالم لولبية ذات طلاء وبوهية سوداء من الصدأ، وكؤوس غارقة في الأوساخ ومزهرية عتيقة تعاني من القسوة والإهمال، وجدران متشققة بفعل الزمان، ونوافذ أكل الدهر على جماليتها، وغبار متراكم في بلاطه العتيق، وشاشة SONY مهترئة تركن إلى الزاوية الشرقية من الغرفة يشاهدها أكثر من عشرين شخصا جلسوا بطريقة مكتظة فوق حصير بال وأفرشة ممزقة. الطبيعة فرضت سياجا من المزالق والمطبات على أرجاء البيت وأحاطته الأعشاب وكأنه أكمة في وسط المروج، وفي باحة البيت تتساقط أوراق الأشجار وهي تئن وتصرخ، ورغم ذلك كان شدو الطيور التي تتكئ في ظل الأشجار الباسقات وصوت السفينة المرتقب وطعم السفر يجعل الأجواء رشيقا بعض الشيء .

النظرات العدوانية وبداية الكلمات الملتهبة والصرامة الشديدة للطاقم كانت تشبه ولادة متعثرة لرحلة مجهولة، موجة من العنف وكلمات تجرح الضمير تخرج من قاموسهم الذي تفوح عنه رائحة البالوعات، وحروف نابية لا داعي من سردها، سيما وأن معظم من في البيت جاءوا إلى هنا بمحض إرادتهم ودون أن يجبر عليهم أحد، ويريدون تنفيذ الأوامر حرفيا لتسهيل المهمة ونجاح الرحلة المحفوفة بالمخاطر، ولكن البند الأول للهجرات الجماعية والمتاجرة بالبشر هي الإخافة وإبراز العضلات وترهيب البسطاء لزرع الخوف في قلوبهم وقتل المعنويات التي قد تكلف الكثير للبحارة في حال طرأ أي شيء خارجي إبان الرحلة.

انهالت عليهم الإرشادات والنصائح النتنة وكيفية مواجهة الأخطار المحدقة للرحلة المجهولة، وأنهم لا يملكون سوى سفينة شراعية صغيرة نسبة سلامتها أقل بكثير من نسبة الأخطار حسب المقاييس والمواصفات العالمية، ولكن نعدكم بحسن التعامل والابتعاد عن الإزعاج ما أمكن، والوصول إلى الهدف بأمان تام وسلاسة كبيرة ما لم يحدث شيء فوق قوتنا، والحقيقة أن هذه الدفعة من المهاجرين دفعوا أموالا طائلة لمتاجري البشر، إضافة إلى المعارف الكثيرة والخبرة المتراكمة لهم في هذا المجال مما يجعل السفر طبيعيا بالنسبة لهم. كانت الطلبات والتوجيهات تتواصل فيما كان سمتر يتجول نظره داخل الغرفة وفي بهوها الصغير ليتفرس في الوجوه ويقرأ تعابير الوجه وبريق العيون لعله يجد بين المسافرين من يثق في شخصيته ويصاحب معه ويكون له العون في هذا الرحلة الشاقة والمتعبة التي من الممكن أن تنتهي في أحضان الموت والمعاناة. الإيقاعات المتباينة على امتداد السنين والليل الصامت من حوله وبلورية المشاعر تجاه أهله لم تبرح في وجدانه رغم قدومه إلى طريق يدمي الأقدام، طأطأ رأسه ونكت على الأرض بعصا صغيرة كانت في يده، استسلم للذكريات بكل أشجانها وانزلق في التفكير العميق، ورجع به الزمن إلى الماضي الفخيم، إلى الأيام الخوالي والتنعم في مهد الصبا، إلى المدرسة وطابورها الصباحي وحينما كان يغدو ولا يحمل هما غير الدراسة والسبق إلى الأرجوحة في زمن الاستراحة، إلى الجامعة وحرمها الفخم ومكتبتها التي كان ينام فيها الليالي بعدما عرف الحارس صدقه وحبه للعلم والشغف الكبير للمعرفة الذي يحمل في قلبه، إلى السمراوات الطوال وجسدهن المشوق وقامتهن الفارعة ولونهن الجميل، ولم ينس أتراب الحي وجمالية الحياة في الصغر حتى وهو في الرحلة المجهولة، وما زالت النوستالجيا والذاكرة القوية تشغل حيزا كبيرا في عقله وتفكيره. هرب إلى الممر الضيق للبيت ورفع صوته وكأنه يتخلص من الهواجس المخيفة والهاتف الذي يهتف في داخل ضميره، رفع صوته بأعلى درجة ممكنة ثم قال: عشت في الوطن 24 سنة رمادية لا أدري مما اكتسبت فيه، ولم يمنحني الوطن سوى الانتماء الذي أصبح في الآونة الأخيرة وصمة عار وعنوانا للخوف والإرهاب والقرصنة والسطو المسلح والفساد المستشري في أوصال الدولة ومفاصل الحكومة.

 في صغري كنت أنظر إلى زي العساكر ونياشينهم بكثير من الإعجاب، والنجوم المرصعة على أكتاف حماة الوطن كان يرسلني إلى عمق الجيش الوطني وتشكيلاته الكثيرة، وكانت خطبة الرئيس وقامته الفارعة في المناسبات الوطنية تعني لي الكثير، كما كانت أذني ترقص وهي تسمع زغاريد الوطن وترانيم التربية الوطنية وأناشيد العلم وهدير الآلات العسكرية وعروضهم الصاخبة والرائعة أحيانا. وكنت أستمتع المناظر الخلابة لبلدي، جبال وروابي يكسوها الأشجار، وملايين الفدان الوادعة على ضفاف الأنهار، وزرقة المحيط وأنواع السمك المختلفة والمواشي، وحديث الجدات الطاعنات حينما يتحدثن عن الأساطير والقصص المخيفة والمفرحة، عن المناطق الريفية الجميلة ، وعن عاصمة الوطن تاج بلدي الجميل، وعن الفراشات التي تزهو وتختال، والقمرية التي تغرد وتشدو، وأنواع الحيوانات المفترسة وغير المفترسة وما أكثرها في حديث جدتي المسائية، وقصة أرويلوARAWEELO الماكرة ،الملكة التي حكمت طول البلاد وعرضه وعذبت الرجال وملأت الوطن ألغازا مشفرة تحتاج حلها إلى كمبيوتر أو ذهن متقد وسرعة البديهة والنباهة الفطرية، وطغطير dhag-dheer الشريرة التي تخطف العيال وتعيش في الأدغال وفي وسط الغابات، والجبان الفكاهي عقال شداد، والسلسلات الشعرية الأخّاذة لفحول الشعراء الصوماليين في مختلف العصور والأمصار. وعن الوطن المترامي الذي يمتد أكثر من ألف كم2 من أبخ شمالا وعلى مشارف بلاد عفر، وإلى أوكاسي على تخوم قبيلة مُكانبا الكينية جنوبا، ومن هضاب دردوا المطلة على القومية الأرومية، إلى شاطئ العز في المحيط الهندي، وعن الأبطال العظام وكيف حمى الأجداد عرين الأمة وناضل الآباء أن تجرح كبريائها وعظمتها، وكانت نشوتي تزداد كلما تطرق أبي فصول الحكايات وتعرجات التاريخ وسجل الحضارة العريق لأمتي، والملاحم البطولية والمغاوير الذين سطروا أروع القصص والبطولات وكتبوا بدمائهم لا بمداد أقلامهم تاريخ أمة عصية على الاندثار وأبت أن يعروها دجى النسيان رغم المحن والمآسي، وكان عقد الرمان التاريخ المشرفة للقبائل والأفخاذ و النسب المتصل من أبي الذي خرجت من بين صلبه إلى أجدادي الكرام التي تختلف الروايات من أصلهم وفصلهم!.

وحينما بلغت المراهقة رأيت أن العساكر الذين تمنيت أن أكون من بينهم هم من دمروا البلد ومزقوا الوطن، وأدركت أن الكل يبتسم في العلن والعراء ويبكي في السر والخفاء، وأن جمالية الفراشة لم تعد كما كانت، وأن الريف الجميل تحول إلى صحارى قاحلة والزراعة انتهت، والزهور ذبلت والسنابل يبست والمواشي أنهكها التعب وأرداها القحط، وأن الأبطال الذين أخلدوا أسمائهم في سجل التاريخ أسماؤهم عند البعض ليست رنانة كما قالها أبي!، بل البعض يرى أنهم رعاع ساذجون وسفاكون متعطشون للدماء وأنهم لا ينتمون سوى إلى قبيلة معينة،! وأن أساطير القصص مبنية على الخداع والغش والتضليل واستبعاد البشر. وأن التاريخ عرجاء وشوه الرجال تفاصيلها وباعوها في سوق النخاسة بلا ضمير، وأن للنشيد الوطني لا يحرك المشاعر الجامدة والقلوب المتحجرة والبطون الجائعة، بل معظم من يعيش اليوم لم يسمع يوما في حياته معزوفة الحياة والرنات الوترية للنشيد القومي، وأن الجغرافيا يعاني من التمزيق والتجزئة والتفتت، ولا يجد من يعينه أو يواسيه أو يرمم أجزاءه ويجمع أشتاته من جديد. وأن ثورتنا المجيدة حملت إلينا الموت الزؤوم، وأن جمهوريات الموز والقبائل والكانتونات الصغيرة تكاثرت هندسيا وأفقيا وبسرعة فائقة تسابق الريح، وتكاثر يُفرح الأعداء ويحزن الأقرباء، وأن العلم لا يمثل أي شخص ولا يعدو كونه قطعة من قماش ترفرف بلا معني وتنتصب شامخة دون أن تحدث فرقا في أرض الواقع؟ وأن الغلابة والمكلومين والبسطاء وممن أذابهم عرق الجبين لا يجدون ما يسدون رمقهم في ظل أمة تقودها الغوغائية المتدثرة بالقبلية والعنف وبيع السيادة للقوى الخارجية، في حين أن أغنياء الحروب والفاسدين من التجار الجشعين يتذمرون كثرة اللحم في المائدة.

%d مدونون معجبون بهذه: