ما بين قبَري وقبُرك.. ينتصب الحلم!

ثلاثة أعوام مضت على رحيلك، منذ أن تركتيني وحيداً أصارع الليل والأنواء والقدر.

أشعر أحياناً بتثاقلها كأنها ألف عام مما نعد ونرصد، وعلى النقيض تماماً يباغتني إحساس آخر بتسارعها وهي تتخطف كشهاب ثاقب خرَّ من السماء!

أكتب إليك في الساعة الثامنة وثماني دقائق.. وأنا أتدثر بأحزاني وآلامي وذاتي المحطمة. إنها ذات اللحظة التي شهدت رحيلك عن الدنيا.. عند ذاك غطست شمس ذلك اليوم في عين حَمِئَة، لتؤذن بمغيبها وغيابك في آن معاً. عجبت حينها للونها الفاقع الاحمرار على غير ما يعرفه الناس منذ الأزل، فأدركت حينها أن الكون كله توقف عن الشهيق والزفير، وأدركت أنه لم يعد هناك ثمة شيء يدعوني للتأمل والتفكر في حركاته وسكناته، بمثلما دأبنا على ذلك من قبل!

كان رحيلاً أسطورياً كأنك خططتي له بملء إرادتك، فلم يكن ذاك الموت الذي نعرف، الموت الذي تخرج فيه روح المرء إلى بارئها ويقف قلبه عن الخفقان. الموت الذي يُودَع فيه الإنسان في ظلمات القبر كتلك الظلمات الثلاث التي يتخلَّق فيها الجنين في بطن أمه. لكنه كان رحيلاً مفعماً بمعانٍ جعلت الموت والحياة يتساويان، وما تلازمهما في المسير الذي نرى إلا محض تسابق غير مرئي لمن يجهلون!

نعم كان رحيلاً أسطورياً كما حياتنا نفسها وإن قصرت سنينها!

ثلاثة أعوام وأنا انتظر قدومك كأنك ذهبت لقضاء أمر ما. ما زال القلق يجتاحني على تأخرك على غير ما اعتدت. سأواصل انتظارك لتأتين وأنت تهللين بشراً بوجه لا يعرف العبوس. فهذا المنزل الصغير في حاجة لأن تشعلي فيه فرحاً بعد أن امتلأ حزناً وتكاثرت عليه الهموم. ستجدين كل شيء كما تركته. حقيبة يدك الصغيرة ما زالت تستلقي مطمئنة في مكانها المعتاد كأنها وُضعت للتو.

أبحث في ثناياها من حين لآخر كمن يبحث عن شيء ضائع ولا يدري ما هو؟ لكنني أفعل ذلك كلما أعياني الصبر وأن أعد الدقائق والثواني لعلك تهلين وفي يدك بشارة الخروج. أنظر في محتويات حقيبتك.. عطرك الذي تحبين يحتل ركناً قصياً، نظارة طبية للقراءة، أقلام مختلف أنواعها، ثيروميتر لقياس حرارة الجسم، قصاصات وأوراق مبعثرة تعبر عن همومك وأنت في خضم محنتك.. مذكرة صغيرة تحتوي أرقام هواتف تنوعت مقاصدها، أقرأها بتمهل لابد أن لكل رقم غاية.. أدرك أن بعضها رحل أصحابها وكأنهم لا يرغبون أن تعيشي وحشة الطريق الطويل وحدك.. بعض الصفحات ضجت بمواعيد الأطباء الذي كثروا على تطبيبك ولم تعد الذاكرة تتسع لملاحظاتك. صفحات أخرى فيها مقتطفات من أغاني الحقيبة التي تهوين سماعها عندما لا يقوى خافقيك على فيض الشوق والحنين للوطن الذي تحبينه وأهله. أتأمل أبياتها المنتقاة لعلني أجد قاسماً مشتركاً غير ذاك الألم الدفين والحزن النبيل، أدقق أكثر كأثري ينقب عن تاريخ مستتر، فأجد فيها معانٍ على غير ما قصد ناظموها، فابتسم كما يبتسم المؤرق عديم الحيلة والصبر.. أقرأ في صفحات أخرى همومك المنزلية.. كيف نصنع كيكة الشوكولاتا.. مقادير طاجن سمك بالخضار.. أي عيد ميلاد كنت تخططين للاحتفال به في زمن الموت؟

بيد أنني ما توقفت أمام أي من هذه المحتويات بقدر ما توقفت أمام تلك العلبة المستديرة بأسماء أيام الأسبوع، وفي كل يوم عدد الحبات التي كان ينبغي عليك تناولها، ذلك من فرط كثرتها درءاً للنسيان، وحرصاً على الالتزام بأوامر الأطباء.. يا إلهي كل هذه العدد كان يغزو جسدك الغض الذي أنهكه المرض؟

انتظرك كل يوم في ذات المواعيد التي دأبتِ فيها على الحضور من عملك، فقد أصريت إصراراً عنيداً على ألا تنقطعي عنه ولو إلى حين. عندما أجادلك رأفة بحالك، تقولين إنه يجعل يومك مترعاً بالحيوية وأنت تعيشين وسط الناس، وهذا تفسير لا استطيع معه تأويلاً.. لكنني أعلم أنك تفعلين ذلك حتى لا يسري القلق لأسرتك الصغيرة، فكم كنت تكرهين الكسل والتمارض واللا مبالاة!

لهذا فما زلت أقف محدقاً في الأفق، انتظر قدومك، أشعر بالقلق يجتاح كياني من تأخرك فتأتين بتلك الابتسامة الوضيئة التي سكنت بين شفتيك، أقول لك هل نسيت موعدنا مع الطبيب، تقولين لا، واقول لك لقد تأخرنا، فتقولين لا تقلق فأنا أعلم بأنهم ليسوا قلقين مثلك، ففيم العجلة!

ثمَّ نمضى معاً كما تمضى سائر الأشياء في هذا الكون الذي لم ندرك أسراره.

انظر لذاك الكرسي الذي يقبع وحيداً في حديقة دارنا الأمامية وما يزال، لا أريد أن أزيحه من مكانه ذاك لأنني أشعر بتأنيب ضمير مستتر. ذلك أن طلبت مني مرة أن أستجلب كرسياً آخراً، ولكنني مع همومي التي تكاثرت، نسيت أن أفعل ذلك ولم تلحفي في السؤال مرة أخرى. الآن فقط أشعر كأنما كان هناك كلام كنت تودين قوله عندما نتجاذب أطراف الحديث كالعادة. هل بالفعل كان هناك ثمة شيء تودين قوله ولم أدرك كنهه؟ على كلٍ.. ما زلت أحدق في ذاك الكرسي الصامت كل يوم أثناء دخولي وخروجي المعتاد من منزلنا لعله ينطق.. وفي كل مرة أشعر كأنني أراه للمرة الأولى!

لم يكن ذاك الكرسي وحده فالأمكنة أيضاً ترهقني، كلما مررت بها أشعر أحياناً كأنني لم أغادرها وفي أحيان أخر كمن عرفها بعد توهمٍ. لنا في كل مكان بهذه المدينة الصغيرة بعض ذكريات تتداعى إليّ دوماً كما يتداعى الرضيع لثدي أمه. فهي تمنحني القوة والضعف معاً.. ذكريات لم نخطط لها وخططت لنا حياة اخترناها عنوة في رحلة المنافي التي تعددت، لهذا لم أدر يوماً أنني سأجترها كما تجتر الإبل مخزون طعامها وشرابها وصبرها!

أرهقتني هذه الذكريات التي ألقت برحالها على عقلي وقلبي وفي صدري، ولكل منها لسان وشفتان وطريق واحد مستقيم لا تعاريج فيه. هذه المطعم كنت تحبينه فنغشاه من حين لآخر. ما زلت أذكر ذاك اليوم الذي غادرناه فطلبت منا أن نقف برهة في الساحة التي أمامه ونحن متماسكو الأيدي، ولحظتك تتمتمين سراً بما لم أدر مغزاه، أظنك كنت ترددين ذات الأماني التي طالما تشاطرناها معاً لهذه الأسرة الصغيرة. لكن أصدقك القول، كانت تلك لحظة شعرت فيها للمرة الأولي بشعور مخيف سرى في جسدي كدبيب النمل، وبالطبع لم أشاء أن أفصح عنه!

ما أكثر المستشفيات التي زرناها طيلة الأعوام السبعة التي كنت تكافحين فيها ذاك المرض الخبيث، كلما مررت بواحدة منها تقف جيوشاً من الذكريات مصطفة أمام ناظري كجندي يؤدي فروض الولاء والطاعة.. أدهش كيف كان الأطباء يتعجبون من مرحك وروحك المعنوية العالية التي لا تعرف الانهزام!

بت أقف على قبرك كما الطفل اليتيم في متاهته. أحادثك وأؤانسك وأذر على سمعك حديثاً كنت تحبين سماعه، أسمعك تضحكين مرة يكاد القبر فيها أن يتهلل طرباً، وأحسك مرة تصمتين حتى يكاد القبر أن يتصدع. أسرد لك أخبار الأسرة الصغيرة والأمانة التي ألقيتها على كاهلي وتنوء بحملها الجبال. فقد أدركت أن هذه الحياة لا يمكن أن تسير على ساق واحدة. كم كنت عظيمة وأنت تؤدين واجباتك كرسول كُلف بتبليغ رسالة. أبناؤنا الثلاثة كبروا وصغرت همومي، أنهم في ذات الدرب الذي رسمناه لهم سائرون. أما صغيرنا (أواب) الذي سيبلغ بعد أقل من أسبوعين عامه الحادي عشر، فقد كتب لك رسالة في هذا اليوم، وقال إنه يود أن يبثك شوقه في (عيد الأم) الذي صادف – يا للمفارقة – ذكراك الثالثة، بالرغم من أن عيدك ظلَّ بدراً لم يغب عن ناظرينا!

مضيت لا غاضبة ولا مغضوب عليك إلى قبرك، وتركتيني في قبري الذي دُفِنت فيه حياً. قبرك منير، وقبري مظلم بأفعال عصبة ما تزال تسوء وطننا وأهله سوء العذاب. ما فتئوا يكذبون ويفسدون وينافقون. أما أنا فما زلت أمني النفس بأن أقف على شاهد قبرك وأبشرك بذات الحلم الذي عملنا من أجله منذ شهقة الميلاد الأولى وحتى زلزال رحيلك المهيب…

أرقدي في سلام.. السلام نفسه الذي تمنيته في الدنيا وعز فيه الوصال!

يا من يتمتني ولم تفارقنِ إلا كفراق الجفن للعين!

 

 

%d مدونون معجبون بهذه: