الرحيل نحو المجهول (2-4)

القصة المؤلمة والحكاية الرهيبة كانت تجعل للكهل قبولا من جانبي، ولأول مرة أجد أنسا يعتريني، وإنسانا أثق به ولو لدقائق عابرة، وعلى متن القطار القادم من بعيد، وفي أدغال أفريقيا المخيفة وأحراشها البعيدة نحو المجهول كنورس تائه فوق جبال الألب في فصل الصيف أو كدبٍّ روسي أثرته التغيرات المناخية والحياتية وإذابة الجليد الذي ضرب وبقوة في الجبال الجليدية المنتشرة فوق صفحة سيبيريا الزمهرير.

 كان القطار يسير فوق لحى الأخشاب المجندلة في سكته وضوء الصباح الشاحب كذاكرتي الرمادية يدخل من النافذة الأمامية متسترا بنفحات الصبا المنعشة وأنا أجلس مسترخيا أدافع عن نفسي سراب الهموم وأبني في خيالي الواسع مناراة للصمود والثبات، فيما كانت نوبات الماضي تهز راقصة وجه الكهل حتى أصبح وجهه قاتما وكأنه داجية لا صباح لها، وأدران الفجيعة والأسى مترسبة في وجدانه ويتألم كمن يعاني الحريق في جوف اللهيب، ولم يكن الزمن مناسبا لأتحدث عن قهر الظالم أو حتى لأتجرأ عن مواساة المظلوم فعزفت ترانيم التجاهل، وبدأت أغازل الطبيعة وبشكل حميم وموحي.

بصدفة محضة وبدون تخطيط مسبق كانت فاتحة كلامه ما أردت أن أرمي حجري حول محرابه، فتركتُ الرجل ليقول كل ما يحرق حشاه ويجيش في صدره المثقول بآلام السنين وغدر الإنسان، وحقيقة لم أتفاجأ كيف كشرت الحياة عن أنيابها لهذا الرجل، وكيف قلبت الدنيا له ظهر المجن، بل تعجبت كيف يسوق الوقائع ويتذكر دقائق الأحداث ويسرد الأسماء والأوصاف وكأنها مرسومة على لوح من زجاج تلاعب أحلامه وآماله وتخدش صفحة حياته وتؤثر ضميره.

عظمة المصيبة في نفس أيوب أفقدت عصمة اللحظة وبهاء الحال، وأمام الألم الذي يختبئ خلف أبواب المعاناة حاول سوق الكلمات ونسج العبارات وماهي إلا لحظات حتى ملأت العبرات في مقلتي الكهل، فتماسكت ليقول الرجل كل ما عنده لعلي أستفيد من تجاربه العديدة أو لعل السطور الأولى لهذه الصفحة من حياتي تكتب حروفها عند هذا الكهل وفوق صهوة القطار المهترئ، انهمرت شلالات دموعي لهول ما يقول الرجل وأحسست أن مشاعري كلها تختنق وراء غمامة كثيفة من البغض والكراهية والأحزان وجلد الذات وتأنيب الضمير.

 واستفادتي من هذا الدرس البليغ كانت أن تجربة الإنسان في الحياة كثيرة ومتنوعة، وقد يصيب أحد مشكلة ما فيرى أنها مصيبة كبيرة وحدث جلل ولا يوجد في الكون من هو أكثر منه ألماً وحرقه، وقد يفقد المرء الطموح حتى يقترب إلى الرحيل، ولكن الساعات القليلة التي كنت مع أيوب وبعدما سمعت قصة رفيقي في السفر وما يعانيه من قسوة بعض الرجال والقلوب الآثمة التي تفرض سياجا من الظلم وغسل الدماغ وتغييب الوعي للشعب المنكوب أيقنت أن في الكون يعج بملايين القصص المأساوية وملايين الحكايات المحزنة وأن ما أعانيه لا يساوي شئيا أمام العواصف والمصائب التي حدثت وتحدث في كل لحظة فوق البسيطة.

 رائحة الماضي والصور الأكثر ضراوة وفتكا أذكت في نفسي جذوة جمدت الدم في عروقي وجعلت الآمال وكأنها منسوخة على ورقة كاربون ولا شيء يدعو إلى التعجب في ذلك، كيف أسير مترنما في وادي أحلامي الجميل وفي كوكبنا المـليء بالغرائب والعجائب صرخات الضمير تأتي من هنا وهناك وصيحات الاستغاثة تدوي كافة المناطق في بلد تتساقط فيه الضحايا كأوراق الأشجار التي تعصف بها زوابع الخريف!  ولعل قصة أيوب ومعاناة أفراح تلخص معاناة جيل بأكمله طمست هويته وضعفت قيمته وفقد إيمانه بالحياة وبالمستقبل المشرق، فأيوب الذي يجلس أمامي مازال يحمل هموم الماضي وغموم اللحظة وأحزان الوقائع المؤلمة التي لا تفارق في وجدانه، ومن الجميل جدا أن اليأس لا يدخل أبدا إلى قلبه العامر بالحب والإيمان والتسامح رغم كدمات الحياة الظاهرة في نبرات صوته وصفحة حياته.

تفاصيل القصة هي أن أيوب قبل أربعة أعوام كان يسكن بهناء البسطاء وطيبة أهل البادية وقناعة ممن تفوح عنهم رائحة التواضع والكرم الفياض الذين أذابهم عرق الجبين ويعيشون ببسالة وصمت في الريف، منصة السعادة كانت ملئية في بيته الصغير وحياته كانت مفعمة بالجد والكفاح ومصارعة أعباء الحياة وروتين المعيشة التي ينتزع فيها أنياب الردي ومخالب أسود الشرى لصعوبتها وكثرة ألحانها وتقلباتها.

بطبيعة أهل البادية كان كريما مضيافا كضيافة الأرض للمطر في يوم طاؤوسي قرعت الطبيعة أجراس الحياة، يغدو في الصباح ويروح في المساء لا يبالي لفح الهجير ولا برد الزمهرير، ورغم أنه لا يملك سوى العزيمة والإصرار وبريق أمل لا يفارق في قلبه وحقول زراعية ورثها عن أبيه الذي لم يترك له سوى نسب شريف وسمعة طيبة في أوساط المجتمع الرعوي وبعض النوق وأغنام تفوق الأربعين وما تدر عليه من اللبن واللحم أو النقود بعد شرائها أو تسويق جلدها إلا أنه كان عزيز النفس مترفعا عن الطمع والتطلع بما في أيدى الناس.

كان أيوب عصاميا يأكل عرق جبينه وما حل في يده من الطيبات والأرزاق التي تأتي من خزائن الرازق، ولا يسأل الناس شئيا من متاع الدنيا مهما كانت حياته صعبة وحالته المعيشية متدنية، زهد عن بريق الدنيا والأطماع الزائفة ومصارعها، وكان يراقب باستياء وبعين بصيرة ولكن قانعة، البذخ والثراء الفاحش الذي تعيشه النخبة الفاسدة الأرستوقراطيون وأصحاب الامتيازات والشيكات، بينما ضاعت أصوات البسطاء والكادحين في هدير دوامة الحياة التي لا تكاد تنقطع، ويقول لو أن الإنسان يقنع باليسير الحلال ويترك عن الجشع والطمع ونهب الضعيف والأغلال والفساد والترف الهائل لكانت الحياة رغم مشاكلها جميلة؟

 في صغره تربي بعز عشيرته وبعادات قومه التليدة الضاربة في جذور التاريخ ذات نكهة الأريج والعراقة الصومالية الأصيلة، وكانت حياته عادية وكعامة جيله وأترابه في الخمسينيات من القرن المنصرم بدأ حياته التعليمية بحفظ القرآن وامتهن الزراعة والرعي في كبره، وهما الوظيفتان الأساسيتان في الريف الصومالي بصفة عامة، ففي الصحارى والقفار حيث الطبيعة الجامدة والقطرة القليلة والأرض القفراء يعتمد الريفيون على المواشي وتربيتها وتعتمد الحياة عليها بشكل أساسي، وفي الأراضي الزراعية ومواسم الأمطار وعلى ضفاف الأنهار والوديان يمتزج أهل الريف حرفة الرعي بالزراعة؛ حيث يزرع الأراضي الهائلة ومئات الفدانات إضافة إلى رعي المواشي وتربيتها، وهكذا كانت حياته سيمفونية صراع مع الأحداث التي تدور في الرعي والزراعة وأفراد العشيرة.

ذهب الصبا وتوالت الأيام واشتد عوده وتزوج فرزقه الله أولادا كالزهور إذ تضوع عبيرها، وبراعم جميلات يدخلن الحبور والسرور في النفس مهما كانت مثقلة بالهموم والغموم لبرهن ودماثة خلقهن وجمالهن الفائق، رب الأولاد في صغرهم كأي أب غيور على دينه وعاداته وحضارته العريقة على مبادئ الدين وثوابت القيم وطبائع الريف المحتشمة وعادتها المتجذرة في الأصالة والعراقة التاريخية.

دارت الأيام دورتها الطبيعية وتوالت الأحداث وتتابعت السنون ومعها تغيرت الأحوال وكبر الأولاد وتفرقوا في فجاج الأرض يبحثون الرزق واقتباس المعارف واقتناص الفوائد، ومعظمهم ذهبوا إلى المدينة وجذبتهم الحداثة المخضبة بالشجن وأضواء المدينة الآسر وإمكانياتها المتعددة وخدماتها المغرية ذات الانسياب العاطفي، ورغم مشاغل العالم وبعد الأرض لم تنقطع أخبارهم أبدا، بل كانوا يرسلون الرسائل لوالديهم ومعها مبالغ مالية محترمة بل حاولوا أكثر من مرة أن ينتقل الوالد والوالدة معهم إلى المدينة ليسكنوا معا وليرتاحوا من عناء الحياة بعدما ضعفت قوتهم وهن عظمهم وتفرقت الأولاد عنهم بحثا عن حياة أفضل وتحسين مستوى المعيشة.  ولكن كل مرة وبلا تردد كانت “لا” كبيرة جاهزة لكل من سولت له نفسه أن يتجرأ على كسر الجرة وتسمية الرحيل أو تلميحها، ومن يحاول التستر بضبابية الكلمات والبوح للوالد بمكنونات نفسه وقناعته الراسخة نحو الانتقال من الريف وحياته البدائية إلى المدينة ومرافقها الكثيرة وحياتها الجميلة، وكان يقول: كيف أنتقل من الريف وعبقه الفواح وحياته البسيطة والقلوب النقية والحب الصافي إلى المدينة حيث المكر والخديعة والتسلط والاحتيال؟.

 ولا غرو فالمدينة في نظر أيوب ماهي إلا مقبرة للفضائل والقبلة الرسمية لمساوئ الأخلاق وقبيح الأقوال بقدر ما هي وكر للإجرام والتحلل الأخلاقي والجري وراء بريق الحياة وشهوة السلطة والثروة . والمدينة تقود الجميع إلى متاهات الخزي والعار ! ويسرع ساكنوها إلى المجهول وبحيوية مفرطة وعزيمة لا تلين، وفي طريق تنقلهم بين أحضان الهموم والأسى ولحاق قطار المستقبل الذي يبتعد كلما اقتربنا وهرولتهم نحو سراب المدينة يشقون طريقهم بحد سهام الكذب والخداع والنفاق والتسلق والوصولية.

كانت أفراح رمانة أولاد أيوب وحبها يهز قبله من مكانه، وكانت فتاة كطلعة البدر صبوحية الوجه فائقة الأدب والجمال، وبعد اكتمال مراحل التعليم المتوفرة في القرية الحالمة على ضفاف نهر شبيلي المنساب بعظمة موغلة في الجغرافيا والتاريخ كان أبوها يفكر بإيجاد رجل مناسب وشريك حياة يهدي إليها أجمل المشاعر وأصدق العواطف وأنبل الكلمات وأعز ما لديه، وعرسها وزفافها المرتقب كان هاجسا يؤرق مضجع أيوب، في حين كانت أفراح آخر ما تفكر به العرس والزواج، لأنها كانت مشغولة بخدمة البيت وإصلاح المزارع والمواشي، ولم تفكر يوما عن الزواج والخطبة والعرس والقفص الذهبي والمأذون ومرادفات العشق والهوى لصغرها وانهماكها الكثير لمساعدة الأسرة وخاصة بعد أن تنقل الجميع إلى المدن ولهثوا وراء سرابها الزائف.

كان التعليم والتفوق الدراسي والسفر إلى الصروح العلمية المنتشرة في بلدها أشواقا جرعتها أفراح على مهل وآمالا ساطعة طالما تمنت أن تعانقها يوما ما، وكانت تحاول كثيرا تغيير نمط الحياة والهروب من غربة الجهل إلى أنس المعرفة ومن جدران المدارس المتواضعة في قريتها الصغيرة إلى آفاق أرحب ومؤسسات تعليمية أعرق، وكانت مهتمة وبقوة اقتلاع الأشواك في الطرقات المؤدية إلى تحقيق أمالها لئلا تكون عائقا بينها وبين آمالها المشروعة.

نسيتُ وعثاء السفر وكآبة الواقع وكأني أشاهد فيلما سينمائيا أعده مخرج فنان ومنتج عبقري، ولم أشعر هدير القطار ولا همسات المسافرين لأني كنت مشدوها بكلمات أيوب وشعوره الخانق، انهمرت دموع أيوب دون مقدمات حينما ذكر اسم “أفراح”! فحاولت المؤاساة ولكن كانت العبرات تزداد والنحيب يشتد والأوداج تنتفخ في كل لحظة، فجمعت ما أوتي لي من صور الخيال لقراءة رفوف أفكاره الحزينة، وحاولت التفرس على مكمن حزنه لأتعرف ماهو الألم الذي يقبع في قلب أيوب ويجثم في خبايا نفسه ومكنونات ذاكرته.

لم يخطر يوما في باله أن حياة ابنته وفلذة كبده ستتحول إلى جحيم لا يطاق ورقما مجهولا من ضحايا العنف والإرهاب، وستكون حديث النوادي والسمار يتناقل أخبارها الغادون والرائحون للشماته والفضول أحيانا وللتسلية أحيانا أخرى، لم أستطع أن أتماسك أمام كلمات أيوب القوية فبدأت المشاعر تعزف على الوتر الحساس تساعدها رهافة قلبي الغريبة التي ألقت بثقلها عليَّ حتى غصت في بحر من الدموع والألم النفسي، وعبثا حاولت نزع ابتسامة في خضم التراجيديا والبكاء الهستيري لأيوب ولكن أنّى لأيوب أن يضحك وأرشيف الذاكرة مازال يخزن صرخات أفراح وآهاتها ونحيبها المدوي حينما كانت الذئاب البشرية تلطخ عفتها وشرفها أمام الجميع وفي ميدان عام . لم تكن أفراح وحدها من فقدت شرفها وطهرها في وحل الحروب وبعيون العابثين على شرف الأمة، ومن واجه الحياة بأيدي لا تعرف الرحمة وقلوب قاسية لا تمسح الخيبة في جبين الإنسانية، بل الأشباح الساكنة في كهوف الجحيم وفي ربوع وطننا الذين هم في الحقيقة رسل الكدر وحاملي الهمّ ومنتجي الإبادة جعلوا حياة الأمة مفعمة بالأسى والحزن والألم، ولم يرحموا استغاثات الضعفاء وبكاء الأطفال والأرامل ونظرات البنات وهم يسوقونهن إلى أوكار الجريمة والخزي والعار.

قصة أفراح ودموع أيوب وحكايته المؤلمة وتشنجات السفر أثر في نفسي وتركتني جروحا لا تندمل وكوابيس لا يطاق وأنا في صهوة القطار وفي وسط المسافرين وهمساتهم وضحكاتهم التي تشبه آلات موسيقية تتكلم، وفي خضم مأساتي النفسية تساءلت كيف يلوث المغتصب عطر الندى بشهوته الآثمة وعرق جبينه المسموم، وهل للروضة التي تضوعت بالأريج ويصدح فيها الحمام نشوى أن يحرقها الجاهل بتصرفاته العنجهية وأفعاله الشنيعة؟

%d مدونون معجبون بهذه: