الفن الصومالي بين الماضي والحاضر(2)

لم يكن الفن الصومالي يوما من الأيام مجرد تدوير لكلام تافه لا يحمل غير البدهيات، وترديد كلمات فارغة جوفاء وحقل تجارب لأنصاف المبدعين، ولم يكن عبارات جامدة يرويها الناس، ولم يكن أيضا مجرد أغاني الحب وأوجاع القلب والوصف المبالغ لهموم البال!  رغم أن الحب ركن أساسي لا يستقيم دونه بناء الفن ودولة القوافي، طالما ألْهم الشعراء والأدباء، وكل من له صلة بالكلمة الجميلة، والتعبير الرائع ذات التناسق البديع، التي تحملها حروف مضيئة تدخل القلب بلا استئذان ولا تأشيرة؛ فتحوله إلى حديقة عامرة وفضاء رحب، بل كان الفن مرآة وطبيبا يشخّص جميع العلل وأسقام الشعوب، ويستهدف ترسيم الابتسامة على جباه المواطنين بجمالية نصه وعذوبة ألحانه، ولا غرو فالفن الراقي المهذب واحة وارفة الظلال ونسمة ندية تغذى المشاعر والوجدان، وبالتالي كل كلمة جميلة وتعبير رائع كفيل بأن يرسلناإلى الزمن الخوالي عبر رحلة وجدانية سريعة وشيقة، والفن والجمال متلازمان وهما من سمات الكون المتناسق، وليس الفن في ثوبه الواسع إلا كل ما يريح النفس من أهازيج الحب وألحان الحياة التي تذهب الألم وتبدد غيوم الكآبة وأمواج الحزن العاتية.

الفن لكي يكون الواجهة الحضارية للأمة وزفراتها الحقيقية يجب أن يكون راقيا وإنتاجا محليا خالصا ينتمي إلى الشعوب، يفهمه الصغير والكبير، وهذه القاعدة نجدها على مشارف الهلاك بعد العولمة والتخبط السائد للأعمال الفكرية والأدبية والفنية، حتى التبس الفن الجميل بالردئ والأدب الحقيقي بالتافه، لذا من البديهي أن لا نطلق بعض الفنانين وأغنيتهم في الحاضر أنهم من الشعب وإلى الشعب! لبعد فنهم وكيفية تناوله للأحداث أو تقديم رسائله؛ بل أعمالهم غريبة كتصرفاتهم، بينما نقول بكل أريحية أن الفن في الماضي كان ينتمي إلى الشعب؛ لأن الوقع الموسيقي والصوت الغنائي والفنان كان منسجا مع وجدان الشخصية الصومالية، وكان الفن بجميع أنواعه المعروفة  تاجا يومض في الأفق، ونغما جميلا خالدا تربطه خيوط حب وعاطفة مع الشخصية الصومالية التي كانت تحمل للفن الراقي المبدع حبا أزليا يكمن في تكوينها وتتجذر في أعماقها، ولا يوجد دليل أقوي يدلنا على هذا الحب والإعجاب من ولع الصوماليين بألعابهم التقليدية ورقصاتهم الفلكورية وفنهم الشعبي قبل أن ينجرف الجميع بالموجة العارمة من التدين القوي والصحوة الإسلامية النبيلة التي أعادت الأمة جزءاً كبيرا من دينها وأحالت المنطقةإلى بحيرة إسلامية أيقظت الضمير الديني بعد انهيار الدولة، مما أدى إلى تسرب ألعاب كثيرة كانت لا تتعارض مع الدين الإسلامي الحنيف من خارطة الوجود، أو حتى من الذاكرة، وأشرفت على الانقراض بعض الألعاب التي لم تكن تنقطع يوما لا بسبب الحروب والصراعات، ولابسبب الجفاف والكوارث الطبيعية التي كانت تجتاح على المنطقة.

لقد كان الفن في الزمن الجميل راقيا في لحنه، جذابا في صوته، ومستمتعا بكلماته، يأسر اللب ببهائه وجماله وأهدافه السامية، التي كانت أكبر من المصالح الآنية والبحث عن الشهرة المدوية، عبر التملق والسرقة، وانتهاكات الملكية الفكرية والصوتية والفنية، في ظل عدم وجود هئية وطنية تراقب المصنفات الأدبية والثقافية والفكرية، وانتحال شخصيات غير معروفة وتقديم ثقافة القشور والفن الهابط الذي ابتلينا به في زمن الانحطاط والراب والهيب هوب المخجل.

كان صوت الفنان الشجي ترياقا عليلا وبلسما شافيا للحالات المستعصية والشائكة التي أبت المهدئات والمسكنات الآنية، فكم عبأ في القلوب محبة وتوددا بعد أن كانت على مشارف خريفها الرمادى وفي عز جفاف عاطفتها وتبلدها، وكان مما يجمل المشهد ويزيد تعلق الجمهور وتفاعلهم مع الفنان ردهات المسرح التي كانت تتجمل وتزف إليها أرقي الكلمات وأزهي العبارات كي تزداد جنباتها جمالا وأناقة، وكل ركن من أركانه تبسما وبهاء، والمسرح الوطني لم يكن مساحة صغيرة يقف فوقها الإنسان ليقول ربما ما لا يصلح أن يكون حديث النفس ناهيك أن يقدم للجمهور كمادة غنائية وجديرة بأن تنال رضاهم.

وهكذا كان للفنان الإنسان والعندليبي الجسور يجد الحب والاحترام في كل الميادين، وبسبب اللمسة الإنسانية في الموسيقي التي كانت موجودة وخاصة في الكلاسيكيات الوترية وانضباط الفنان وتقيده في الإنتاج المحلي والأسلوب الوطني في التقديم.

كان صوت الفنان الصادح عبر ذبذبات الأثير يطرب ويدخل نشوة من الفرح والسعادة الغامرة في قلوب سكان الأرياف والقرى القابعة في طي النسيان وفي ظلمات القسوة والإهمال؛ لأن الفنان كان معلما وطنيا وصوتا يصدح ليعالج همومهم وأحزانهم وقسوة الحياة وتشابكها، وكان يعالج بحنجرته الذهبية وبصوته الشجي وبكلماته القوية ذات الدلالات البعيدة، مواضيع مختلفة وأغراض متباينة، بل أبعد من ذلك كان جنديا خفيا ولسانا باسلا يقاوم الاستعمار، ويجابه المستبد بصوته الجهورى، وكان يلهب الضمير ويثير الحماسة في النفوس بأغنياته الوطنية، ويلامس عبر كلماته الهادفة والرقيقةـ كنسيم الصبا تلافيف العقل وصميم القلب، وكان ينقش في سويداء القلب وحجراته القانية الحب والحياة والجمال والوطنية الصادقة، في قالب إنساني رائع لا يخلو منه لمسات فنان ساحر ينسجم بشكل جميل أفكار وتطلعات وواقع الشعب ويتسلل كالهواء العليل إلى وجدانهم وقرارة أنفسهم.

هذا الإثراء الثقافي والفني كان موجودا بكثرة قبل العقدين الآخرين بتشجيع السلطات وتعلق الشعب بحياة البداوة وحديث عهدهم بالمدينة وأنوارها المبهرة، وهذا لا يعني أبدا أن الشخصية الصومالية كانت بعيدة عن الدين تطربها الأهازيج الموسيقية التافهة، أو كانت مهوسة ومجنونة بالفن والغناء والتمايل الجسدى على وقع الأنغام لحد الإدمان، بقدر ما يعني أن الفن كان راقيا وسلسا يتناسب مع الشخصية الصومالية وينتمى إليها ويعبر عن أحاسيسها ومشاعرها ويحترم خصوصيتها الدينية والثقافية والعرقية والنفسية، ويمتاز بتناوله كافة مشاكل الحياة وجوانب المعيشة، ولم يكن يهتم علي الوصف المخجل والمبتذل لمحاسن المرأة،  وكأن الفن مرادف للعار والتبذل الأخلاقي! ولم يكن الفنان  يردد بكرة وعشيا تمجيد الليالي الحمراء والحفلات الماجنة والسهرات المشبوهة، ومدح بلدان الأجنبية والعواصم الإفرنجية، وإزدراء كامل وتهميش ممنهج لكياناتنا وعواصمنا والأغراض المعروفة التي كان يتناولها الفن في الزمن الجميل.

ولم تكن الساحة خالية لنتعلق بالغرب الجغرافي وتاريخه وحضارته، ولم نكن نحتذى عليه في كل شيء مثل ما نجد اليوم ! على حساب هويتنا حتى وصلنا الحال إلى أن أهملنا ثقافتنا وتمادينا في احتقار ذاتنا في خضم انبهارنا العبثي بالثقافات الواردة، وقد عرف الفنان قديما أن الفن لا يرتقي الإ باحترام عقول الناس وتقدير ميولهم، لذا كان الفنان  يجتهد ويكد ويسهر الليالي والأيام ليقدم ما يرضي الجمهور دون أن يخدش الحياء، أو يطعن الدين، أو يتحامل على تاريخ الأمة ويطعن مسيرة المجتمع، لذا كان الفنان كالفراشة جميلا وكالنحلة خفيفة الحركة يختار أطايب الكلم وأجزلها وأجمل المقاطع وأعذبها وأحلي الموسيقي وأشجاها وأصفي العبارات وأجملها، وكان يسكب جميعا في قالب أدبي وأدائي جميل لتبادله الجمهور بتفاعل رائع وتعلق غريب، ولم يكن غريبا أيضا أن ينفق الفنان أغلى أوقاته وأثمن ساعاته؛ ليكون عمله راقيا ومميزا يتعلق القلب لروعته ويردده اللسان لسهولته وتنشرح النفوس لعذوبته وتحبه الوجدان بأسلوبه الرائع وتشتاق النفوس إليه بجماله حتى حفر في القلوب وكتب اسمه التي أبى أن يمحوا ويزول على مر العصور وتقدم الدهور.

الشعراء والفنانون برقتهم ورهف قلوبهم يأسرهم إشراقة الجمال ويسحرهم نضارة الأشياء وتناسق الطبيعة، لذا لم يكن الفنان جشعا يحرص المال ويسيل اللعاب إليه، بل كان الفنان يغني للمناسبات الوطنية، والتظاهرات القومية، والاحتفالات الشعبية، والأفراح وليالي الملاح في داخل بيت الصومال الكبير، وما ذاك إلا أنه كان يرى أنه أكثر من مجرد شخص لا شعور له يردد بكلمات لا معني لها ولا هدف كببغاء حائرة تقف بين قفصها تقلد حركات الناس وأصواتهم.

ليس الفن الصومالي وحده ما يعاني من الإهمال أو التجاهل بل فنون وألعاب كثيرة صومالية معرضة للانقراض وتسربت من الذاكرة ولا يعرفها الآن أو يتذكرها إلا القليلون !ومعها انقرضت معالم الشخصية الصومالية وسماتها البارزة، وبدأت تتوارى عن الأنظار حشد كبير من القصص والحكايات والألغاز والشعر والحكم والأمثال، حتى أصبح الصومال دولة بلا جذور وشعب بلا تاريخ ولا حضارة!، والمسألة اليوم تشبه تراجيديا حزينة وتملص واضح لكل الأخلاق الوطنية والحفاظ على هويتنا والتماسك بثقافتنا في ظل هذا التيارات الجارفة التي لا يقف أمامها إلا القوىّ المتماسك.

لم تكن أغنيات الفنان تدور مربع الغراميات والحب فقط، بل كانت تحمل في طياتها تفاصيل وافية لجغرافية وطننا الأبي، وكانت الأغنية لوحة واضحة المعالم للوطن، تقدم لمحبي الفن أرقى خريطة وأصدق أطلس وطني على مر العصور، وهذه الكلمات التي تنبض بالحياة وتزهوا بالبهجة التي تخرج من حنجرة وطنية تدخلنا في لحظة نشوة وتأمل عميق لصفحة الوطن، نطالع صفحاته الوردية ونقف أمام شواطئه النظيفة، ويتراءا لك الوطن وأنت في مرابعك الأصيلة ترعى إبلك أو تحرث زرعك، أو أنت تلعب فوق قاربك الصغير في أقصى الجنوب في المحيط الهندي أو في أعالي الوطن وفي بحر العرب، أو تتقاذفك الأمواج التي تجدد حياة البحار والمحيطات كما تجدد موجات البشر في استمرارية الحياة في هذا الكون وأنت سائح في زرقة البحر في خليج عدن، وفي ارتفاع الموجات نسمو ونرتفع مع كلماته الخالدة إلى الفضاء الرحب فوق أرقى هضاب الوطن الصافي تحت أشجاره الشم وجباله الراسيات، وفي لحظة سرور وحبور ننزل من القمم الشماء والسفوح العلياء إلى السهول الواسعة والصحارى الجميلة ذي الكثبان الرملية الذهبية، وندلف معه إلى ربى الوادى وهديل حمائمه الجميلة.

انتماء الفن للوطن كان واضحا، والوطنية والوطن نالا قسطا كبيرا من أعمال الفن ومسرحيات الفنانين الصوماليين، ومن الطبيعي جدا أن هذا الإنسان الذي يحس مدى عظمة هذا الوطن وعطائه أن يعبر كلمات رنانة غزيرة المعني في مدح وطنه ومسقط راسه، وأن يكون عين ساهرة لحراسته وحفظه ووحدته، وهذا ما لمسناه وعشناه حيث معظم الفنانين المعتبرين لم ينخرطوا في مستنقع الحروب الأهلية ومسلسل الصراعات العبثية، وهكذا كان الفنان أبعد أن يكون آلة تخريب ومعول هدم مواليا لأعداء الوطن، بل كان دائما جنب الرموز الوطنية والثورات التحررية يشجع القادة العسكرية والسياسية ويثمن جهودهم وخطواتهم نحو إصلاح الوطن، وحماية الأمة ودفاع حمى الوطن وتربته الطاهرة من أن يعتدى عليها أو يغزوها محتل غاشم أو استعمار بغيض، ولم يكن صدى يردد ويمدح الحكام بمجرد مناسبهم أو توددا لجزرتهم، بل كان مقوما ومنتقدا للساسة والقادة إذا ما جنحوا عن الجادة وجانبوا الصواب.

2 تعليقان

  1. شكرا للأستاد القدير حسن علي سلسلته النيرة وعذوبة الفاظها وسلاسة معانيها ونقاء تعابيرها… شكرا جزيلا لك

%d مدونون معجبون بهذه: