الفن الصومالي بين الماضي والحاضر{1}

لم يدر بخلدى أن قدر الله سيرمي بي يوما بالكتابة عن الفن الصومالي لعدم ولعي الشديد به، ولبعدي النسبي عن الحقل الفني وردهاته المتعددة وأقسامه الكثيرة، ولكن لم أستطع أن أصمت حيال هذه الفوضي والتخبط والمعاناة التي يواجهها فننا الأصيل، وتعرضه لخطر الإبادة على أيدي أبنائه، وعلى أيدي غيرهم، ولم أستطع إكبات مداد قلمي عندما رأيت الفن الجميل الذي كان في الماضي يفيض جمالا ويفوح شذى نابضا بالحياة على وشك الإندثار وعلى عتبة خريفه الرمادى ليحل مكانه فن غريب لانعرفه ولا يعرفنا أحدثته العواصف وأنجبته الهواجس المسكونة في رحم المعاناة وفراغ الساحة وخلوها من الفنانين الحقيقين الذين بادلو الفن حبا بعشق، وكالعادة حل مكان نضارة الفن وطلاوة الفنانين أنصاف المبدعين الذين أغرقوا في حمأة الإباحية والتحلل الأخلاقي.

وبغض النظر عن حرمة الغناء أو محظورية الفن من عدمه ودون أن نضع الفن على ميزان الحكم الشرعي نحاول قدر الإمكان أن نتناول الفن كظاهرة منتشرة وقائمة على مر العصور تتميز بها الأمم والشعوب رغم اختلاف فنونهم وعاداتهم وتنوع ثقافتهم ونظرتهم حول الفن والأدب والألعاب الشعبية ومكانتها في السلم الوجداني، ويكاد يبدو الاختلاف واضحا إذا أمعنا النظر قليلا إلى الفنون الشعبية حول العالم ومرتبة الفن بالنسبة لأولويات الشعوب، فنظرة المجتمعات إلى الفن تختلف من مجتمع إلى آخر حتى وصلت الدرجة إلى بعض المجتمعات المهوسة بالفن والرقص أن يرفعوا الفن بالتوازي مع الماء والطعام، وجعلوه من الضروريات التي لا تستقيم الحياة بدونه، ولا غرابة في هذا الغلو الواضح بالفن؛ إذ لا يزال الفن يأسر قلوب محبيه ويخلب فؤاد معشوقيه؛ لأن الفن والجمال من سمات الكون المنتاسق، وليس في ثوبه الواسع إلا ما يريح النفس من أهازيج الحب وألحان الحياة التي تذهب الألم وتبدد غيوم الكآبة وأمواج الحزن العاتية.

ولكن ـ وبعيدا عن المبالغات الكبيرة أو النظرة المجحفة للفن والفنانين ـ أعتقد أن الفن من الأمور التي يمكن أن يستغني عنها الإنسان ولا يستوي أبدا مع الضروريات، بل الفن من جماليات الحياة ومن كماليات المعيشة، وخاصة إذا كان الفن هادفا وذا رسالة إيجابية يراعي القيم ولا يقفز فوق التاريخ ولا الأعراف وإبداعا حقيقيا بإمكانه أن يساهم تنمية المجتمع وينسجم مع الأعراف والتقاليد المحافظة لشعبنا.

ورغم تشعب الفن وتشابكه وضبابية بعض مكنوناته وإدراكي التام أن كتابة مثل هذا الموضوع يعتبره البعض ساذجا وغير لائق وحتى مخلا للآداب إلا أنني أردت أن أسلط الضوء بهذه القضية التي كما ذكرنا يراها البعض هامشية لا تستحق سكب المداد وإهدار الوقت عليها، وخاصة في ظل هذا الوضع الحرج والظرف الصعب الذي تمر به الأمة الصومالية، والحياة القاسية التي أجبرت شريحة كبيرة من مجتمعنا الهروب والنزوح إلى خارج الوطن بحثا عن ملاذ آمن ولقمه عيش محترمة تحت رعاية دولة تحترم إنسانيته وتعامله بلطف ولين.

وبسبب هذه العوامل التي أحالت حياة الصومالي جحيما لا يطاق وجعلته إنسانا عالة على غيره ولا يستطيع أن يعيش كما البشر فوق المعمورة والتهاب الوطن بسبب الصراعات اللامنتهية التي جعلت الصومال بؤرة ساخنة ومستنقعا آسنا، يرى البعض أن الحكمة تقتضى معالجة قضايا أهم من الفن، وبالتالي يعتبر أي خروج من أروقة السياسة وتحليلاتها المعقدة نقصا في شخصية الكاتب، أو جنوحا منه عن تناول القضايا ذات الصلة المباشرة بحياة البشر؛ لقلة بضاعته وشح تفكيره وتقاصره عن مقارعة جهابذة الكتاب في الميادين المهمة.

ولكن ومع إقرارنا التام بأهمية تناول حيات أمتنا المتردية إلا أن القلم يجب أن يبتعد بعض المرات عن تجاذبات السياسة وصداعها المزمن وكوابيسها المخيفة ويتجه للمواضيع المهمة والمهمشة؛ لذا يتحتم علينا أن نتنبه للأخطار المحدقة لتاريخنا وتراثنا بسبب تقارب العالم وسهولة تواصل القارات وانسجام الأمم والشعوب، ومحاولة البعض انصهار الأمم في بوتقة ثقافية واحدة ــ طبعا حسب مواصفات الدول القوية ــ مما أدى إلى ترك الشعوب تاريخهم وحضارتهم بسبب الهيمنة الغربية لمفاصل العالم وتسييره سياسيا وثقافيا حسب أهوائهم، ولايخفى على أحد أن الحروب الثقافية أصبحت جسورا تمر خلالها كل الأجندات التي تحاك ضد الدول الضعيفة عسكريا واقتصاديا.

 وفي ظل هذا الأجواء التي تأكل الثقافات الواردة الأخضر واليابس تتطلب منا جميعا تاريخنا الأصيل  أن نكون حافظين على تراثها وحضارتها، ولكن مع الأسف يسعى بعض من إلى وأد تاريخنا وإجهاض حاضرنا وإنكار كل ماله صلة بثقافة المجتمع، ويبدو على ملامحنا الرضوخ التام والاستسلام المتكامل للحملات الشرسة التي تقودها مجموعات آثمة تريد الاستفادة المادية والشهرة، وإزاء هذا النهب المقصود والتخبط الواضح تكون الحاجة ملحة لتنوير الدرب وإحياء الثقافة الصومالية بكل أنواعها واعتزازها وتعريف الناس إليها وترك السياسة السائدة سياسة التخدير والخداع والتضليل التي دأبها البعض مستعينا بجماعة الشغب الثقافي والتفلت الأخلاقي.

ومما يضفي الجو تعقيدا وجود مجموعة تنكر التاريخ والحاضر وتريد أن تسلب حقنا وحضارتنا وإرثنا وكأننا خلقنا بلا هوية ولا تاريخ! لا يمكن أن نقبل بأي حال من الأحوال أن يتعالى صوتنا ونرفع عقيرتنا ونتململ كلما نسمع كلمة الفن والفنانين؛ بل يجب أن نطبق عليه عاداتنا وتقاليدنا ونسعي إلى تحسينه وتأطيره ما دام لا يمكن أن نتغلب على الفن ولا أن نمحوَه من الوجود، وهذا يتطلب محاربة النمطية في حياتنا وضيق الأفق ومحو الآثار السالبة التي تركت بنا التراكمات الكثيرة التي فرضت علينا طوقا حديدا لا يتسرب منه شيء.

ومهما يكن من أمر أريد أن أرمي الحجر حول محراب الفن الصومالي وأداوي -ولو بمداد قلمي- ثغرة ظلت مفتوحة في أغلب الأحوال غير مكترث لها عند كثيرين وفرض عليها سياجا من الإهمال وغيوما ملبدة من التغافل، بسبب هامشيتها عند البعض أومحظوريتها وخدشها على المروءة والأخلاق عند غيرهم، ويعتبر في نظرتهم القاصرة أن التحدث عن الفن والتجرؤ عليه يجرح صاحبه وبالتالي يقود إلى مزالق ومطبات لانهاية لها.

الفن كلمة كبيرة المعنى عميقة المضمون يتشعب منها عدة فنون ذكرها البعض أنها سبعة مجموعات مختلفة المضمون والمعني، ولكن سأستخدم كلمة الفن مرادفا للأغنية أو هيس باللغة الصومالية دون أن أهمل الجوانب الثقافية الأخرى، وأقارن حسب مقدرتي كيف كانت الأغنية الصومالية في الماضي ــ زمن الإزدهار اللغوى ــ وكيف أصبحت اليوم في زمن الانهيار الكلي الذي لم يقتصرعلى أنظمة الحكم والسياسة بل أصابت في كل نواحي الحياة وانهارت بسببه معالم كثيرة سيادية كانت أو فنية.

وليس الفن كما يبادر إلى أذهان كثيرة ترهات كلامية وعري جسدي وفسق وفجور وفسادا للأجيال وانحلالا للأخلاق يجب محاربته أو استأصال شأفته!، بل الفن الذي نقصده هو الذي يترجم عن شعور الناس وحكايات الشعب وتاريخهم إلى كلمات مملوءة بمحبة الشجن الصافي ومقاطع موسيقي ذات رقة وعذوبة وطراوة ونغمات تتراقص وأداء رفيع يلهب الأكف بالتصفيق ويمد جسر التواصل والتفاعل مع الجمهور ويملأ  قلوبهم بمشاعر رومانسية حالمة ويخترق الجموع من زمن المأساة إلى زمن البهاء رفقة موسيقي طازجة وندية.

الفن هو مرآة الشعوب وشريان الأمة ودليل قوي على إثرائهم الفكري ويساهم جمالية حياة البشر، وهو ترمومتر يقاس مدى نضارة حياة الشعوب ووضآت رحيق معرفتهم ونشاطهم الذهني وتوقد ذاكرتها، والحراك الفني والأدبي والمجالس الشعرية والأمسيات الثقافية كلها تمثل دلائل واضحة في سلامة الفكر وسلاسة الذوق الأدبي الرفيع، وبإمكانه أن ينصهر الأمة في بوتقة وطنية وحسية واحدة؛ وبالتالي يوحّد اتجاهاتهم وأفكارهم.

لم يكن في الماضي ينتسب إلى سلك الفن كل من هب ودب بل كان يخضع من أراد أن يكون فنانا لامتحانات صعبة وتمايز قوي وتنقيح دقيق لأعمالهم وشخصياتهم؛ ليكون فنانا بإمكانه اعتلاء خشبة المسرح، ولم يكن ممكنا إلا في زمن الغرائب الذي أصبح فيه الفن والأغنية يسيران عكس التيارات الثقافية الصومالية وضد تاريخها وحضارتها أن يقف المرء أمام الجمهور إلا إذا اجتاز كل الامتحانات ونال ثقة الجمهور والهيئات الرسمية، وهكذا كان المسرح يقدم مواهب وأصحاب أصوات يرتفع معدلات السعادة وترمومتر الفرح في أعماق المشاهدين، ولم يكن الجمهور تصفق إلا من استحق هذا التصفيق الحار والإعجاب الواضح؛ لأن الجمهور لم يكونوا في ذاك الزمان افتقدو الجمال؛ بل كانوا يتميزون بذوق أدبي وفني ولغوى رفيع عكس هذه الأجيال البليدة الذوق والقاصرة الرؤية التي تتمايل وتطرب مع أول صوت للموسيقي التي قد لا تحمل في أوتارها إلا إيقاعات موسيقية مترهلة وكلمات ذات إيحاءات غريبة  قد تكون غربية أو شرقية وثقافات وافدة بعيدة كل البعد عن ماضينا الأصيل.

ومن الأمور الغريبة التي طرأت في الخارطة الفنية الصومالية أن الجيل الجديد لا يأبه ولا يهتم بجمالية النص ولا بلاغة الكلمات ولا عذوبة اللفظ ولا رونق المعاني ولا تناسق العبارات وتسلسل الحروف ولا الأداء الجميل والصوت العندليبي الجذاب ولا الموسيقى الهادئة ذات الوقع الجميل التي تجسد المشاعر المكبوتة وراء جدران القلوب وتفجرالعواطف المتحجرة في الوجدان؛ لتتمايل مع الشذرات الذهبية التي تحملها الكلمات البهية إلى مسارح السرور ومراتع الحبور، بل يحرص هذا الجيل ويجتهد على الموسيقى الصاخبة والضجة الفارغة والرقصات الغريبة بسبب ذوبانهم في تيارات العولمة وانتحالهم بأشخاص آخرين حتى أصبح معاييرهم وتقييمهم يخضع لمعايير غربية وموازين عجيبة، ويذكرني أفعال هولاء نكتة مشهورة من أعرابي ذهب إلى عاصمة غربية متطورة ومتقدمة من الناحية العمرانية والمعيشية بدون أن يزور العواصم الإفريقية والآسيوية أو عواصم الدول النامية  كمحطة وسطى تقرب إليه فهم المدينة وحياتها المختلفة فانبهرالأعرابي بزخم المدينة وبريقها وأسحرته بجمالها وطريقة معيشتها ولبس أهلها فألقي ردائه ولبس مثل عم سام وقلد الإنجلوسكسون وبعد معاناة وعمليات تجميلية صعبة للانسجام رضخ للمنطق وأدرك أن انتحال شخصيات والقفز بدون تدرج لا يؤدي إلّا إلى نتائج عكسية!.

كل هذه الظواهر وغيرها تدل على أن تغيرات كثيرة وجذرية أصاب الفن الصومالي في العقدين الماضيين بسبب الفوضي التي شهدتها الساحة الفنية بعد انهيار الحكومة وانفراط عقد الدولة حتى بات الفن الصومالي غريبا بين أهله، عجيبا في ملامحه وتركيبته، بعيدا عن سماته المألوفة وأسلوبه المعتاد وكلماته المعروفة.

هناك فرق شاسع وهوّة سحيقة بين الفن والفنانين في الماضي والحاضر، والاختلاف الجوهري بينهما أصبح واضحا وواقعا ملموسا لا يحتاج إلى جهد وإلى ذوق أدبي لكي نحس ونشعر به، ولكن المشكلة من يضع النظارات المضللة على عينيه أو من يغريه المكياج والجماليات الشكلية التي يتستر بها أنصاف المبدعين بفنهم المهترئ وأدائهم السيء.

6 تعليقات

  1. هل احد يعرف الفنانة الصومالية شمس اساماعيل ابكر ؟

  2. aad ayay ii farxad galisay in aan akhriyo maqaalkan qaymala leh inkastoon ka go ay moawqica mudo 2sano ah ka horna ano ka ahaa member if its writesr

    thank u too much
    dear hasan

  3. شكرا الأخ المغترب ربما فهمت عكس ما أقصد
    مزايا القومية الصومالية وشمائلها لا ينكرها إلا جاحد أو عمي البصير ولكن ما اقصده هو هل اسنفدنا هذه المزايا لصالحنا للتنمية والتطوير ام للهدم والتخريب!؟
    تحياتي يا عزيز

  4. انا اطالبك بالاعتذار فالصومالي ليس عالة على غيره بل غيره عالة عليه يمكننك ان تقراء في تاريخ الصومال وان تتأمل مستقبله وسوف ترا ان جميع الشعوب الجاورة اخذت من الصومال اكثر من ما اعطته فهاهم الافارقة يرفضون الصومال كافارقة وههم العرب يرفضون الصومال كعرب والجميع يتنبا بمستقبل زاهر للصومال فهاهي اسعار العقارات في مقدشو قريبة من اسعار العقارات في لندن ومنهاتن بل وربما توازيها بل حتى والصومال في حالة الفوضى كان يمثل فائد لليمن حيث كانوا ياخذون من الامم المتحدة مبالغ هائلة بسب الاجئين اضف الى ذلك كذبهم في عدد اللاجئين فلو مر صومالي فوق الاراضي اليمنية يسجل كلالجئ رغم ان عدد الصوماليين في اليمن لا يتعد 170 الفا ام بالنسبة لاثيوبيا و كينيا فالصوماليين يبنون الاسواق وناطحت السحاب في مدنهم خصوصا في كنيا التي لم تكن شئيا يذكر قبل وصل الصوماليين فرجا اعتذر للصوماليين عن كلامك الذي لا يجب ان يصدر من مثقف مثلك

    • الأمة الصومالية معروفة بتاريخها وتراثها التليد عبر التاريخ وخلاصة المقال أن هذا الإرث العملاق يحتاج إلي أيدي أمينة تحافظ عليه وتؤدي واجبها تجتهه ولا اقصد ‘هانة أو تنغيص كما توهم الأخ بل أعتبر أنه نداء مشفق وصيحة منذر

%d مدونون معجبون بهذه: