أخبار التراجم وسير الأعلام في التراث الإسلامي والصومالي (10)

التاريخ عند أهل الصومال

في هذه الحلقة نختتم سلسلة حلقات أخبار التراجم وسير الأعلام متحدثين عن التاريخ عند أهل الصومال ، لأننا نعلم بأنّ أخبار التراجم وسير الأعلام جزء من علم التاريخ. علماً أنّ هناك كتب تناولت في التاريخ عموما وتاريخ الصومال خصوصا، حيث لعب المؤلفون الصوماليون أدواراً ايجابية ًفي وضع الكتب التي تحكي عن تاريخ منطقة القرن الإفريقي عموماً وبلاد الصومال خصوصاً. وهذه الكتب يتناول بعضها تاريخ الصومال في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والحربية وغير ذلك، في حين أن بعضها يتطرق فقط إلى بعض الجوانب أو في مواضيع معينة تؤرخ فقط في نقطة ما.

وقد سبقت الإشارة إلى القول بأن أهل الصومال كان لهم جهود ثقافية تتعلق بالتاريخ والأخبار، وأنّ هناك كتبا ورسائل وضعها هؤلاء، غير أنه ليس بالضرورة أن يكون جلّ هؤلاء العلماء والكتّاب مؤرخين، بل ربما كانوا علماء أعطوا اهتمامهم بالتاريخ ، ومن ثمّ شرعوا في عملية التأليف والإبداع فيما يتعلق بالتاريخ أو كان هذا المؤلف شخصاً عادياً له اهتمامات تاريخية وهذا ليس معناه أنّ كلّ من كتب في التاريخ من أهل الصومال لم يكن مؤرخين، بل هناك نخبة من المؤرخين تخصصوا بعلم التاريخ أوكانوا هواة كتبوا في مجال التاريخ وساهموا فيه.

ويُعدّ علم التاريخ من بين العلوم التي حازت على اهتمام وعنايه أهل العلم في الصومال، كما كان المسلمون في العالم الاسلامي حيث أنهم قد اهتموا بعلم التاريخ إهتماماً كبيراً، كذلك أهل الصومال أعطوا اهتماماً لهذا الفن، تبعاً لاهتمامهم بمختلف أنواع المعارف والعلوم على حسب تفاوتها تطبيقاً لما جاءت به الشريعة الغراء السمحاء من حث على التعلم والتعليم إضافة إلى أسباب تشريعية وتنظيمية. ومن هنا فلا نستغرب إذا اهتمّ أهل الصومال بهذا الفن، وكتبوا في فنونه وأنواعه المختلفة في التاريخ العام والمحلي، وتواريخ الدول والمدن، والسيرة وأخبارأخري.

وقد سبق أن ذكرنا جهود أهل الصومال في دراسات السيرة النبوية عليه أفضل الصلاة والتسليم في حلقاتنا السابقة من هذه السلسلة.

أما في العصور الإسلامية الأخرى فلا شك أنهم تناولوا أيضا، ومن تلك الدراسات ما قام به محمد حسين معلم، حيث تناول تاريخ خلفاء بني أمية، لاسيما تلك الروايات والأخبار التي تتعلق بالخلفاء الأمويين من بني مروان. جدير بالذكر أن هذه الدراسة تقتصر فقط على الروايات والأخبار التي وردت في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، حيث قام المؤلف باستخراج هذه الروايات وعددها تقريباً 800 رواية، ثم قام بعرضها على الروايات في المصادر المعاصرة وغير المعاصرة، حيث قارنها بما استخرجه من كتاب العقد مع المصادر التاريخية والأدبية، ثم قام المؤلف استخدام المنهج العلمي التاريخي الذي يقوم بالنفذ الداخلي والخارجي أي دراسة إسناد الروايات، وكذا دراسة المتون والنصوص. وتمتاز هذه الدراسة بأن صاحبها قدم لها بدراسة حول الروايات والنصوص التي وردت في المصادر الأدبية، وأهمية نقدها مع المقارنة بالمصادر العلمية الأخرى. ويسمى هذا الكتاب: (الروايات التاريخية المتعلقة بالخلفاء الأمويين) 46هـ،231هـ دراسة نقدية.

ومن الكتب التي تناولت تاريخ الصومال العام كتاب: (بغية الآمال في تاريخ الصومال)[1] للشريف بن عيدروس بن الشريف علي العيدروسيّ النضيري العلوي المقدشي،وكتابه هذا يُعدّ من أهم الكتب التي تطرقت لتاريخ الصومال وحوادثه وتطوراته التي طرأت على الشعب الصومالي بمختلف العصور والدهور.

والحقيقة أن المؤلف تناول تاريخ الصومال عامةً وبعض ملوكها، وسكانها وعمرانها، والدّين الذي تعتقده الأمة قبل الإسلام بثمانية قرون إلى عصره. ويمتاز هذا الكتاب بأنه مزين بالخرائط والصور الفنية لبعض ملوك ذلك العصر ومن تلاهم، ويكشف الكتاب بإسهاب عن تاريخ مقدشيو وتسميتها بذلك، وأحيائها، ومدينة مركة وبراوة وورشيخ وغيرها. كما يتحدث الكتاب عن القبائل المهاجرة التي سكنت الصومال لاسيما مقدشيو وبراوه ومركه، وذكر بعض عاداتهم وتقاليدهم، ويتحدث أيضاً عن أنساب القبائل الصومالية، والحكومات المحلية التي مرت بالبلاد، وكذلك التدخلات الأجنبية من القوى الخارجية، بين بلاد الصومال وسلاطين زنجبار وعمان.

والجدير بالذكر أن الكتاب تناول أيضاً أخبار تاريخ الأنبياء إبتداءً من نبينا آدم عليه السلام حتى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما تناول أخبار الدول الإسلامية التي مرت بالتاريخ. ولاشك أن هذا الكاتب يعتبر من أهمّ وأفضل الكتب التي تناولت تاريخ بلاد الصومال، وأهم مصدر تاريخي، وخاصة أنّ المؤلف اعتمد على الوثائق والمخطوطات وبعض الكتب التي وضعها أهل السواحل والمؤرخون الآخرون. وحسب رأيي أن المؤلف يُعابُ عليه أنه لم يتناول الاستعمار الإيطالي وممارساته المشينة، رغم أنه عاصر هذا العهد وذاق معاناة الاستعمار كما ذاق غيره من بني جلدته. ولعل مرد ذلك يكون أن المؤلف كان له علاقة حميمة مع هؤلاء وكان يتودد إليهم كما يظهر في الكتاب نفسه، حيث كان يريد ويطمع فقط التولي بمنصب القضاء أو أن يسند إليه بوظيفة شرعية تسمح له القيام بدور شيخ البلد يعطي الناس وثائق النكاح والطلاق. ورغم ما ذكرنا فإن هذا الكتاب لا يستغني عنه أحد يريد أن يكتب بتاريخ الصومال قديماً وحديثاً.

ومن الكتب أيضاً كتاب: (تحفة الأوفياء لمسيرة التحرير والتعريب في القرن الافريقي)[2] للشيخ الجليل إبراهيم عبد الله أحمد، والكتاب من أضخم الكتب التي ألفت في تاريخ منطقة القرن الإفريقي مثله مثل كتاب :(فتوح الحبشه) لعرب فقيه، ولكن كتاب: (تحفة الاوفياء) رغم أنّه غير منظم وغير متناسق في مادته العلميه المنتاثره في ثنايا الكتاب إلا أنّه يعتبر موسوعة تاريخيه غنية بمعلومات غزيرة ومفيدة قد لاتوجد في غيرها، لا سيما في القضايا التي عاصرها المؤلف والتي شكلت هاجسه وأثرت علي تفكيره، وهذا الأمر واضحٌ في الكتاب، وفي ترتيب فصوله. والكتاب عموماً يتناول الصراع الصومالي الحبشي أو بالاحرى، الصراع بين المسجد والكنيسة ويكشف صمود المسلمين في المنطقة أمام التحديات المسيحية الصليبية، والمؤلف تحدث عن الحقيقة التاريخية في الحقب التاريخية وأدوارها المختلفة لهذا الصراع. ويمتاز هذا الكتاب بأن أغلب المعلومات المعاصرة مستمدة من خلال تجربة المؤلف وخبرته ومعايشته مع الأحداث التي عكست هموم المؤلف ونضاله التاريخي، علماً أنّ المؤلف أعطى تحليل الأحداث بُعداً إسلامياً وعربياً، كما أصلّه تبعية القرن الإفريقي للمنطقة العربية دينياً وتاريخياً وحضارياً، ويمتاز الكتاب أيضاً بأنّ في ذيله بعض الوثائق المهمة والخرائط، ويقع في 736 صفحة.

ومن الكتب التي نهجت مثل هذا النهج كتاب : “كشف السدول عن تاريخ الصومال وممالكهم السبعة “، للشيخ أحمد عبد الله ريراش الصومالي، وكتابه يتناول تاريخ الصومال في العصور القديمة والوسيطة والحديثة في المناحي الحياة السياسية والاجتماعية والدينية، غير أنه يركز جلّ اهتمامه بالسلطنات الإسلامية المحلية التي كانت تمتدّ من أقصى جنوب البلاد إلى البحر الأحمر. ويذكر بشكل خاص الممالك السبعة التي اشتهرت بممالك الطراز الإسلامي. والحقيقة أن هذا الكتاب يُعدّ مصدراً مهماً لتاريخ منطقة القرن الإفريقي عموماً وتاريخ السلطنات الإسلامية وممالكهم في الجزء الشمالي والغربي لبلاد الصومال، والتي كانت تصارع وتقارع دوماً مع الحبشة المسيحية. وميزة هذا الكتاب أنه يعتمد على كتاب مخطوط قديم لم ينشر من قبل، ويتحدث عن الملوك والسلاطين المسلمين الذين أسسوا الممالك السبعة وغيرها، وتاريخ حروبهم وجهادهم، وكذا عن تاريخهم السياسي والحضاري والاقتصادي. والمخطوط يسمى: (تاريخ عمرو لسمع وإمبراطوريته) للشيخ أبي بكر باعلوى المتوفى في سنة 950 هـ . وميزة هذا المخطوط أن المؤلف كان معاصراً ومرافقاً لحركة الجهاد الإسلامي ضد الأحباش المسيحين، علماً أن هذا المخطوط بكامله منشور بخطه الأصلي في ذيل الكتاب. أما كتاب “كشف السدول” الذى نحن بصدده ففيه أيضاً قطوف من تاريخ الصومال الإسلامي وأطواره التاريخيه، بحيث يتحدث عن تاريخ دخول الإسلام وانتشاره في الصومال، وأصل الصومال وأقسامهم، وفيه أيضاً أخبار حركة الجهاد التي كان يقودها الإمام أحمد بن إبراهيم جران ضد الأحباش وحلفائهم البرتغاليين. والكتاب يتألف من 16 باباً ويقع في 253 صفحة ويضم بعض صور ووثائق مفيدة قد لاتوجد في غيره، ومن ذلك من الشحصيات التاريخيه والأماكن الأثرية المهمة[3].

وينبغى أن نشير إلى أن هناك بعض المؤلفين الصوماليين المعاصرين حذوا حذو من سبقهم من علماء الصومال في تأليف وضع كتب تناولت تاريخ السطنات الإسلامية فيما يسمى ممالك الطراز الإسلامي وصراعهم مع الأحباش ، على غرار الكتب السابقة . ومن ذلك دراسات معاصرة قدمها بعض المثقفين من أهل الصومال مثل كتاب : (مملكة أوفات الإسلامية في القرن الإفريقى وآثارها الحضارية والثقافة) للدكتور المرحوم أحمد جمعاله محمد المشهور بكاسترو، وكذلك كتاب : ” التاريخ السياسى لسلطنة عدل الإسلامية في القرن الإفريقي في فترة 818 – 149 ” لفضيلة الشيخ بشير أحمد صلاد. والكتاب الأول كما يبدو فإن مؤلفه يؤرخ للحياة الثقافية والحضارية لمملكة أوفات الإسلامية وآثارها في المنطقة. أما الكتاب الثانى فإنه يؤرخ للتاريخ السياسى لسلطنة عدل الإسلامية في القرن الإفريقي، وهذه السلطنة وغيرها من السلطنات الإسلامية في المنطقة لعبت أدوراً مهمةً في حفظ الإسلام في المنطقة من عدوان مملكة الأمهرة مدة تتجاوز ستة قرون.

والكتاب فيه ذكر عن تاريخ تأسيس سلطنة عدل الإسلامية ووضعها السياسي، وأهمّ سماتها لاسيما في فترة جهادها ضد مملكة الأمهرة، ومن خلال ذلك تناول المؤلف الدور الريادي الذى لعبه الإمام أحمد بن إبراهيم جران، مع ذكر أخبار هذا الإمام ابتداءً من طفولته ونشأته ثم الظروف التى ظهر فيها وجهوده في تنظيم أمر السلطنة وحركة جهاده العظيم. وعموماً فإنّ الكتاب يمتاز بأن مؤلفه كثير التحليل للأحداث حيث لم يمر حدثً إلا وقد علق عليه وأبدى رأيه السديد، ثمّ قام بعرض أطروحته وفكره بأسلوب سهل ممتنع، والقاري لهذا الكتاب يحسّ بشخصية المؤلف ودوره في البحث من حيث النقد والتمحيص لبعض النقاد، ويمتاز الكتاب أنّ مؤلفه اعتمد على المصادر الأصلية للموضوع والمراجع القريبة بالحدث والموضوع. والكتاب يقع في 277 صفحة.

ومن المؤرخين الصوماليين من تناول تاريخ الصومال ومنطقة القرن الإفريقي، وتطرق إلى جوانب متعددة. ومن بين هؤلاء الشيخ جامع عمر عيسى، حيث ألف كتباً كثيرةً تتناول تاريخ المنطقة، ومن هذه الكتب: “تاريخ الصومال في العصور الوسطى والحديثة” وكتاب : “تاريخ القرن الإفريقي عبر العصور”، وكلا الكتابين يتناولان تاريخ الصومال العام في النواحى السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والحربية، وخاصة الكتاب الأخير الذي توسع في الحديث عن منطقة شرق إفريقيا عبر العصور، وتناول الشيخ المنطقة أرضاً وشعباً وعلاقاتهم مع القوي الخارجية عبر العصور. وركز الكتاب الأخير على الارتباط بين الصومال والقوميات الأخرى وتاريخ الولايات الإسلامية في المنطقة، ونظم الحكم قبل الاستعمار وبعده. وفي الختام تطرق الشيخ جامع لأوضاع بلاد الصومال ما بعد الحرب العالمية الثانية واستقلال البلاد والحياة السياسية. ولا شكّ أنّ هذا الكتاب يُعدّ من أهم الكتب التى تناولت تاريخ المنطقة وعرضت أخبارها شاملة من نواحى كثيرة. وممّا يميّز هذا الكتاب عن غيره أنه يضم بعض وثائق وكتباً خطيةً لم تنشر من قبل، وبعض الصور المهمة للشخصيات التاريخية والأماكن الأثرية. والكتاب ضخم جداً ويقع حوالي 800 صفحة وكان لحدّ علمي مخطوطا غير مطبوع.

ومن الكتب التي تناولت تاريخ الصومال بنظرة شمولية كتاب: “المصير” لمؤلفه مهدي ج. ف. سياد، ويتحدث عن تاريخ الصومال أيضاً بطريقهٍ موجزةٍ ومبعثرةٍ وليس له منهج معين، وكأن كاتب الكتاب أراد ذلك كمدخل لتاريخ الشعب الصومالي، وتناول بعض النواحي التاريخية لبلاد الصومال حيث أعطى لمحة قصيرة عن بلاد البخور والمر واللبان، ويقصد ذلك بلاد بونت أي بلاد الصومال في تاريخها القديم، ويتحدث الكتاب أيضاً عن تاريخ الصومال القديم وعلاقته العربية وجيرانها ولم ينس المؤلف أن يذكر اسم الصومال ومدلول معناه. كما أن هذا الكتاب تناول عهد الاستعمار الأوروبي والحركات النضالية المناوئة له في أغلب أرجاء الصومال في سبيل تحريرها وضرورة الحصول على الاستقلال واستمرار هذا الأمر حتى حصلت الصومال الاستقلال، ولم ينس المؤلف أيضاً دور الجماعات الدينية وثوراتهم ضدّ الاستعمار. ومع كل ذلك فالكتاب صغير الحجم ويقع في 90 صفحة.

غير أن هناك أيضاً كتباً ورسائل ظهرت وتناولت جوانب معينة من تاريخ الصومال مثل كتاب :”رسالة زعماء الصومال إلى سلطان بن صقر القاسمي” وهذه الرسالة كتبها بعض زعماء الصومال ووجهائهم إلى حضرة الأمير الشيخ سلطان بن صقر القاسمي أمير منطقة الشارقة، وكان ذلك في عام 1837م، وذلك بعد أن أحس أهل الصومال بوادر قدوم الاستعمار وخوفاً من أن يبتلع العدو بهم ويستولي أراضيهم تحركوا حتى لا يكونوا عرضة للوقوع علي يد الاستعمار ، لاسيما أنهم عرفوا بعض ادعاءات بريطانيا من أن سفناً في ساحل الصومال قامت بأعمال السلب والنهب والقرصنة ضد السفن المتاجرة بين المكلا ومدخل البحر الأحمر. وكان هذا الإدعاء في عام 1836م . ومن هنا لاحظ بعض زعماء أهل الصومال وراسلوا إلى إمارة الشارقة، ومضمون هذه الرسالة هي طلب النجدة والنصرة لهم والاستعداد بالجهاد في سبيل الله والإمداد بما يلزم من الجيوش والأسلحة والسفن والأموال لمواجهة التنصير في بلاد الصومال. والرسالة صغيرة الحجم وتقع في 22 صفحة، ومما يرفع قيمة هذه الرسالة التي هي بمثابة وثيقة ياريخية مهمة، أن الدكتور سلطان محمد القاسمي قام بتحقيق هذه الرسالة ونشرها تحقيقاً رائعاً، مزيناً بالرسالة بمقدمة قيمة تحمل في طياتها أخباراً تاريخيةً مهمةً، علماً أن المخطوط الأصلي منشور في داخل الكتاب. والرسالة مكتوبة بخط عربي جميل وبلغة عربية فصيحة رائعة قليلة الأخطاء اللغوية والإملائية[4].

وبعض الكتب التي أنتجها أهل الصومال تناولت جوانب معينة من تاريخ الصومال كما ذكرنا سابقاً مثل كتاب : “تاريخ التعليم الصومال” وقد قام بتأليف هذا الكتاب مجموعة من المؤلفين الصوماليين، ويتحدث الكتاب عن تاريخ التعليم في الصومال عبر العصور المختلفة، وأدوار التعليم وأنواعها، سواء التعليم النظامي وغير النظامي، وهذا يعطي للقارى إنطباعاً واسعاً للأدوار التي مرت بها التعليم في الصومال. والكتاب يُعدّ من أهم المصادر التاريخية للصومال، بل وثيقة تاريخية مهمة بعد انهيار البنية التحتية للبلاد، وخاصة في الحياة العلمية بمختلف العصور والظروف التي مرت بها بلاد الصومال. والكتاب يقع في 162 صفحة. ويضم صوراً كثيرةً تحكي عن الشخصيات العلمية للبلاد وبعض الصروح العلمية والآثار في الصومال الكبير[5].

وأهل العلم والثقافة في الصومال أنتجوا أيضاً كتباً تتحدث عن تاريخ المدن وحضارتها على غرار كتب البلدان أو التي تناولت تاريخ مدينة أو قطر معين، كما هو مشهور في التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى كما كان الحال في العالم الإسلامي مثل كتب (أخبار مكة) للأزرقي، و (تاريخ المدينة) لعمر ابن شيبة، و (تاريخ اليمن) للصنعاني، و(تاريخ مصر والمغرب) لابن عبدالحكيم، و (تاريخ المغرب) لابن العذارى.

وعلى هذا النمط أيضاً ظهر في الصومال مؤلفون نحوا هذا المنحى وساروا على نهج سابقين، مثل كتاب (الكبريت الأحمر في تاريخ السادات الغرر الساكنين في مدينة هرر)[6] لعمر بن صوفي حسن القادري البكريّ، والكتاب مخطوط لم يطبع حتى الآن، ويتحدث عن بعثة عسكرية جردها حكام مقدشو إلى هرر لمساندة حكامها ضد البرتغال في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي، علماً حكام مقدشو ورعاياهم نجحوا رد البرتغاليين إلى أعقابهم عن سواحل مقدشو، ثم بعد ذلك انتهزوا فرصة استنجاد إخوانهم الهرريين ضد الغزو البرتغالي، فأرسلوا جزءاً من حاميتهم إلى شمال غرب الصومال عند ما اكتشفوا ضعف البرتغاليين، وأنهم لا يصمدون في الحروب الأرضية إذا نزلوا في الأرض[7]. والكتاب يؤرخ لحركة الجهاد الإسلامي ضدّ هجمات الأحباش وحلفائهم البربغاليين في منطقة هرر وما حولها، بقيادة الشيخ عمر الرضى المعروف بالشيخ أبادر. كما يؤرخ الكتاب لحضارة هرر والحياة السياسية والاجتماعية فيها، وإن كان الجانب العسكري يغلب على الجوانب الأخرى.

ومن الكتب في هذه المضمار كتاب : (مقدشيو ماضيها وحاضرها) للشيخ جامع عمر عيسي، ويُعدّ هذا الكتاب مرجعاً مهماً ورائداً في تاريخ مقدشيو ويرسم صورة واضحةً لفترات ازدهار المدينة ومعالم حضاراتها. وتناول الكتاب تاريخ المدينة منذ نشأتها وما طرأ عليها من الأحداث والتطورات، ونظم حكمها وسلاطينها بفترات مختلفة من عمر المدينة، وكذا مساجدها القديمة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويمتاز الكتاب أن المؤلف دوّن في كتابه أشهر من مر عليها من الرحالة، والغزو البرتغالي للمدينة. والكتاب يقع في 84 صفحة.[8]

وأخيراً هناك نوع آخر في كتابة التاريخ، حيث كان لأهل الصومال نصيب في تأليف تاريخ غير بلادهم ، مما أعطى ذلك أهمية ثقافية وإلمام لغيرهم، وهذا دليل واضح بأن الكُتّاب في الصومال كانوا أيضاً يهتمون بأوضاع العالم الإسلامي، وأحوال المسلمين، مثل كتاب : “اليمن والحياة الاجتماعية” للدكتور محمد علي توريري، وكتابه هذا تحدث عن الحياة الاجتماعية في بلاد الصومال في فترة كان المؤلف يعيش في اليمن، وكأن الكتاب عبارة عن ذكريات ويوميات دوّنها المؤلف في الفترة التي كان يعيش في اليمن أيام شبابه لأغراض تعليمية في الخمسينات من القرن الماضي. ويمتاز هذا الكتاب بأن صاحبه شاهد عيان في أموركثيرة وردت في هذا الكتاب. وعلى الرغم من أن المؤلف عنون كتابه “اليمن والحياة الاجتماعية” إلا أنه تناول جميع أنماط الحياة في اليمن وليس فقط النواحي الاجتماعية. والحقيقة أن الكتاب قيم جداً وقد عرض صاحبه بطريقة أدبية رفيعة، والكتاب مازال مخطوطاً.

وهنا نختتم سلسلتنا في التاريخ عند أهل الصومال مع علمنا بأنّ هناك كتبا كثيرة أخرى، وتحياتي وأشواقي إليكم.

---------------- هوامش -----------------------
  1. هذه الكتاب طبع بمطبعة الإدارة الإيطالية الوصية على الصومال بمقدشو في 12 شوال 1374هـ الموافق 4 جونيو 1955م.  []
  2. طبع في دولة الإمارت العربية المتحدة سنة 2001م ، على نفقة الدكتور السلطان محمد القاسمي سلطان إمارة الشارقة []
  3. طبع هذا الكتاب بمطابع وكالة الدولة للطباعة والنشر في  مقدشو عام 1971م. []
  4. طبعت هذه الرسالة بمطابع الخليج الشارقة 1969م، ونُشر على نفقة الدكتور السلطان محمد بن صقر القاسمي. []
  5. طبع هذا الكتاب في مقدشو في عام 1978م تحت إشراف وزارة التربية والتعليم في الصومال. []
  6. هكذا موجود في المخطوطة ، وتقع في 42 ورقة ، ولديّ صورة منها ، وأصلها في مدينة هرر حيث يحتفظبها أهلها هناك.  []
  7. وانظر تعليق الشيخ إبراهيم عبد اله أحمد  في كتابه : تحقة الأوفياء لمسيرة التحرير والتعريب في القرن الإفريقي ص 116 ، عندما يعلق ما جاء في المخطوطة. []
  8. طبع على نفقة الحكومة المحلية بمقدشو في مطبعة الحكومة عام 1979م. []

3 تعليقات

  1. شكراً لك يا دكتور ، ما أجمل رسالتك!

  2. جولة ممتعة في كتب أغلبها نادرة تجعل القارئ المهتم متابعة كتابات الكاتب عن كثب للاستفادة منها.
    وشكرا لكم.

  3. نشكرك يا دكتور على هذه الدراسة القيمة الماتعة حول المطبوع والمخطوط من تاريخنا بايدي أبناء الصومال..
    وأود أن أشير إلى أن هناك جانبا لا يكتمل موضوع الحديث عن تاريخ التراجم والسير في الصومال إلا به، وهو مما وعيته ورأيته وقد يحتاج إلى كتابة بحث مكمل لهذا البحث فيه أو إفراده ببحث آخر ألا وهو كتب المناقب في الصومال.

    فالمناقب كتب تترجم للعلماء والأولياء تكتب في الصومال غالبا من قبل علماء الصوفية بعد وفاة الشيخ لتقرأ في حولية الشيخ (الذكرى السنوية التي تسمى زيارة عندنا)، ويكون فيها ترجمة لحياة الشيخ وآثاره وكراماته إلخ وقصائد في رثائه بالعربية.

    ولا أعلم عالما توفي في براوة (مسقط رأسي) إلا وكتب له كتاب في مناقبه، وغالبا يكتبه أحد تلامذته أو مريديه. وهو يبقى مخطوطا وقد يستنسخ منه نسخ بخط اليد من قبل خطاطين مهرة يمتهنون ويحترفون هذه الحرفة، وممن اطلعت على مناقبهم علماء أجلاء من أمثال الفقيه القاضي نورين بن أحمد صابر، وتلميذه الفقيه الشيخ معلم نور، وجدي المحدث الذي أحضر مخطوطة صحيح البخاري إلى براوة من حضرموت وكان يدرسه لطلاب العلم الشيخ محمد الهادي نور شاندي الحاتمي، وغيرهم الكثير.

    ولا أشك أن هذه العادة موجودة لدى معظم الحواضر في شرق أفريقيا من مقديشو ومركة وكسمايو وممباسة ولامو، وأظن أن هذا قد يصلح موضوع بحث جامعي إذا كان الباحث يريد أن يستخرج الكنوز الموجودة في هذه المنطقة.

%d مدونون معجبون بهذه: