رقصة “طَانْتُو” ضوء من التراث الصومالي

الشعب الصومالي يملك تاريخا طويلا وحضارة عريقة مرصعة بالذهب، خزنت الأشعار والأغاني والأمثال والألعاب الفلكلورية والحكايات الجميلة، التي كان الأجداد ومن بعدهم الأحفاد يعبرون فيها أفراحهم وأحزانهم وأحلامهم ومشاعرهم وأفكارهم ونظرتهم للحب وللحياة، كما يملك تراثا مبهرا يغوص في بجر من الإبداع وألحانا حماسية تفيض بالأحاسيس والمشاعر الصادقة وصفحات لا ينسى. كما يملك لغة رائعة تضج بالحيوية والجمال والحس الشاعري، وتربية مزدانة برائحة التاريخ ورونق الحاضر، وتكوين مفعم بأدب البادية وعبق الماضي ، وذاكرة وطنية تغذيها أصالة حاضرة ومتجددة، نسجها الشعب عبر تاريخه الطويل المليء بالأساطير الشعبية والحكم المتداولة والموروثات القديمة والحكاوى التي تختصر السنين في ثوان، والألعاب الكلاسيكية الهادئة ذات الرقة والعذوبة الطربية والإيحاءات الرومانسية.

 وأصبحت الثقافة الصومالية بتنوعها واختلافها التناغمي من الثقافات المرموقة والعادات الرائدة في القرن الإفريقي، وشكلت اللغة الصومالية -التي تحوي الثقافة والأدب والتراث الأصيل والفن الصومالي ونواميس الحب والتقاليد العريقة – من اللغات التي اعترفها العالم بقوتها وعمقها الأدبي وتأثيرها المحلي والعالمي، حتى دخلت بجدارة واستحقاق ضمن اللغات المترجمة والمعتمدة في “جوجل”.

بدائع الفن الصومالي كان يظهر في الليالي الإفريقية الخانقة بالألعاب المبدعة تحت أضواء الطبيعة المبهرة والسماء الصافية المرصعة بالنجوم، والأحاسيس التي تجعل القلب ينبض بالحب، والأمسيات التي تغفو في وسط العواطف الخرساء كدروب يطول فيها العبور.

المعزوفة الصومالية الأنيقة كغيرها من أنغام الشرق تضفي على المكان هيبة الحياة وغنج ودلال يتضمن غزلا شفيفا ولغة رصينة ولمسات إنسانية تسر الوجدان وتؤسس للحب منارات تجلي النفس ما يعتريها من الألم والإرهاق النفسي والتعب الجسدي ويبعدها عن الكسل والخمول. ولم تخل التقاليد الصومالية العريقة ليالي السمر والألحان البدوية الموغلة في النقاء الإنساني، والرقصات العنيفة والصاخبة أحيانا، وألعاب أخرى تقليدية ذات عنف وقوة وصيحات عصية على الاندثار، بل قاومت على المؤثرات الخارجية والداخلية، وأبت أن تنقرض أو أن يمحوها دجى النسيان، أو تغمرها السيول الجارفة التي حملت إلينا الثقافات الوافدة والعادات العابرة للقارات، وتجبر الشعوب الضعيفة على القبول والتبني لتلك الثقافات بقوة السنان أو تحت ألم السوط ولذة الجزرة.

dhantoومن الألعاب الجميلة التي يكن لها الشعب الصومالي بكل أطيافه وأعماره احتراما كبيرا ومحبة تفوق الخيال، رقصة طَانْتُو التراثية التي أصبحت الشعار الأساسي للصوماليين في الوطن وفي المهجر والشتات، وسيدة الرقصات الشعبية لقوة كلماتها وانسيابيتها العجيبة، وأصالتها ونقاء وصفها، وقوة وقعها، وانسجام حركاتها وصلتها المباشرة بالماضي الجميل والحاضر المثخن بالجراحات والألم.

وتعتبر “طَانْتُو” أقوى وأجمل الرقصات وسيدة الألعاب الوطنية أو الرقصات الشعبية المنتشرة في أوساط الصوماليين بشتى طبقاته وكياناته وشرائحه، لما فيها من الجمال والبهاء، وتنتشر في المناطق الريفية وتقل في المناطق الحضرية والمدن، كما لو كانت في تاريخها الطويل ضد التمدن والعصرنة والحداثة التي اجتاحت جميع الأصقاع، وتعد اللعبة التراثية الأكثر ترويجا وممارسة في أوساط الصوماليين، رغم أن جذورها ترجع إلى القرون الأولى لتكوين الثقافة الصومالية وبروزها كثقافة منفصلة ومتميزة لها ملامحها الحضاري وتميزها التراثي وسجلاتها المتنوعة عبر التاريخ، وبذلك تكون لعبة قديمة قدم الظهور الحقيقي للشعب الصومالي في القرن الإفريقي.

يمارس الشعب الصومالي رقصة “طَانْتُو”حبا لتراثه المجيد وكتسلية ليزهو ويختال، أو كلعبة محببة لديه تساهم رفع المعنويات وبث روح الحب والأمل في قلوب الناشئة، كما تعد القابلة الرسمية للحب الذي ينشأ ضمن غزلها ونظراتها العابرة لسحيق القلوب تحت ضوء القمر أو عبر نافذة القلب القوية، وتعتبر الأراضي الخصبة الموطن الأصلي لـ “طَانْتُو”، كما أن لها مواسم تكثر فيها ويحمل الشباب الذين هم عماد هذه الرقصة الجميلة قابلية لممارستها. وغالبا ما تكون مزدهرة في موسم الرخاء والطبيعة الجميلة والهواء الطلق، وتنسجم مع رعشة الأعشاب ورذاذ المطر، ويكون وقعها جميلا ولمساتها العريقة أجمل في أوقات الربيع المزدان بالسلام ورغد العيش؛ حيث النفوس آمنة والبقر لا تحتاج إلى المراعي البعيدة، والإبل لا يبتعد كثيرا عن مباركه والأغنام تشبع على مشارف الحي، وجلب الماء والسقاية لا يحتاج للسير إلى مسافات طويلة تتعب الجسد وتوهن القوى وتفتر الهمة وتضعف الإرادة.

أما أوقات القحط والشدة حين يجف الضرع والزرع ولا تنزل القطرة من السماء، وفي زمن الخوف تكون نادرة الوجود أو معدومة، وبما أنها تتصل روحيا في التكوين النفسي للشخصية الصومالية المرحة ويربط خيط دقيق معها بالسلام والمحبة، فهي قليلة الانتشار في الأماكن التي ينعدم فيها الأمن والأمان، إذ التجمعات تحتاج إلى جو من الطمأنية والمرح والخيال الأدبي الرفيع، وهذا ما فقدناه في السنوات الأخيرة.

ويدل تناغمها مع المكون النفسي للشعب الصومالي وعفويتها وانسجامها الروحي وتفاعلها البديع وتغلغلها في دم كل الشعب باختلاف مشاربه وموقعه الجغرافي، أن الشعب الصومالي ينتمي إلى ثقافة واحدة وتراث وطَّد أركانه الأجداد والأسلاف، كما يدل أنها كانت يوما من الأيام الرقصة المفضلة واللعبة الأساسية التي كان يمارسه الشعب سواء كان بدويا يرعى الإبل، أو كان حضريا يعيش في المدن، أو صيادا يرسل الشباك في الشواطئ، أو تاجرا يسافر إلى الأوطان والبلاد المختلفة.

تبدأ طقوساتها البديعة وفعالياتها الأنيقة غالبا في الساحات والمساحات الهادئة ذات التربة الناعمة والأرضية اللينة المتاخمة للقرى أو المناطق السكنية للأسر والقبائل والأفخاذ على ضفاف الأنهار أو التلال، وقرب الترع والجداول المائية أو الربى، حين يخيم الجو الذهبي والسكينة العذبة على الأرض والشواطئ الليلية تضئ الشموع. وحينما يلبس الليل سواده وتفيض جداول الحب المنسوجة بحياة طليقة وجو مفتوح كلوحة باذخة المعاني، تبدأ لذة التعامل مع الكلمات والأغاني المنسابة من الحناجر الذهبية والألعاب الحاضنة للشباب كحضن مزهر يدخل النفس سرورا وحماسة نادرة وحركة قوية.

يتجمع الشبان على تخوم القرية أو على مشارف مسكن الأسر الريفي بعد يوم طويل من العناء والمشقة ومصارعة أعباء الحياة والجري وراء الأنعام أو حرث المزارع والحدائق، والغرق في تفاصيل البيع والشراء في داخل القرية أو خارجها، هناك السمراوات يقفن كأشجار السنديان وفي وجوههن غموض وسحر يشبه وشاح القدسية، يزينها الفم الياقوتي المغري بالتقبيل ووجها صبوحيا تنمقت يد الجمال عليه، وفي الصف المقابل يقف الرجال أمام منصات الحب والتشويش العاطفي بزيهم الرسمي وشكلهم الأنيق وقلوب تعزف ألحانا بلا وتر. وبما أنها تحمل في طياتها حيوية رومانسية وتراثا ورثناه كابرا عن كابر وبحرا من العشق والهوى.

 عادة تبدأ بصوت جهوري جميل ممزوجا بالأحاسيس العتيقة وأبيات شعرية تبدد جفاف العاطفة وينمي الوصال بعد غياب شفق المغيب، وقد تتأخر فتبدأ قبل منتصف الليل أو بعده ومعها تبدأ المسرات وتقرأ سطور الفرحة والنشوة على جبين الشباب.

وفي قمة النشوة والسرحان يتحول الصوت إلى هدير، والحركات الجماعية إلى ضجة ووقع صاخب كآلات موسيقية تتكلم؛ فيخف الوزن ويترنم الحب في وادي الأحلام، ويقل الكلام ويصعد الهدير مع ذرات الغبار وعرق الجبين والتمايل العجيب، وترتفع معدلات السعادة وترمومتر المسرة مع ارتفاع الصخب وضجة الرجال وتغنج النسوان ودولة القوافي. تنفجر عيون الشعر على أفواه الأدباء وينبع الجمال على عيون الفتيات، والأصوات العندليبية والحبال الصوتية والألفاظ المرتعشة تزيد الشجن، وذبذبات المشاعر تلهب الحماسة وتثير كوامن العشق والهوى في نفوس الرجال، ومع كل حركة تحمل تباريخ الحب وكل همسة بينية مزركشة بومضات العشق وتباشير القبول، وكل هزة للأرض تشبه زلزالا بمقياس 3 ريختر تعقبها الزغاريد والأصوات النسائية الرقيقية، يتصبب العرق ويبلل كل الأجساد والأسمال! ويتحرك الجميع هازين رؤوسهم كأنوار ليلية ترتجف، وتزداد بريق العيون ويتقارب الجنسان وتتحرك الأيادي يمنة ويسرة أو ترتفع عموديا وكأنها غصن لشجرة باسقة على ضفاف نهر جوبا تداعبها الرياح في موسم الربيع. لا شيء يعادل نشوة “طَانْتُو” في قلوب عشاقها، ولا شيء يعادل لحظة التلاقي والتقارب الذهني والصفاء الوجداني ونشيد الفتيات وهن يغنين نشيد الحب والحياة، أو يرددن ألحانا الصبا ويروين شجرة الحب الوارفة بدلال صومالي عجيب وعناد بدويّ قاتل.

2 تعليقان

  1. شكرا ليك يا سعادة الكاتب القدير محمد عمر علي كلماتك الجميلة ومرورك الأروع.
    الهدف من هذا الموضوع هو إبراز الجوانب المشرقة للأمة الصومالية وكتابة تاريخها وتراثها بعيون صومالية تعرف خباياها ومزاياها المتعددة.
    شكرا ليك

  2. كاتب من الطراز الأول، منح قوة الخيال وجمال اللغة وهما حجر الزاوية لكل عمل أدبي ..ولكن تبقى عندي مشكلة لأنني لم أفهم الهدف

%d مدونون معجبون بهذه: