الصومال والتفسير القبليّ للأحداث وللتاريخ (2)

تُظهر التفسيرات الأحادية للظواهر الاجتماعية جليَّة أيضا في بعض المذاهب والنظريات التي شاع أمرها في القرن المنصرم كالمذهب الاشتراكي وبعض نظريات التنمية والتخلف.

فقبل شروع روَّاد الشيوعية إلى بلورة وتطوير مدرسة فكرية تكون أساساً لبناء مجتمع فاضل على حد زعمهم، بدأوا بتفسير وتحليل الحالة الراهنة لمجتمعاتهم، فانصبَّ تركيزهم على تحليل دور ملكيَّة عوامل الإنتاج في ظهور الطبقيّة والإقطاعيِّة في المجتمع، مما عرف في أدبيات تلك الفترة بالتفسير المادي للتاريخ.

وعيب هذه المدرسة أنها ترجع كل مسببات الأحداث التاريخية إلى عامل واحد، وهو العامل المادي، وتهمل تعقُّد وتشعب الحياة الإنسانية، مما سبب في النهاية إلى انهيار الدول الاشتراكية الواحدة تلو الأخرى وتحوَّلت الطوباوية التي كانوا ينادون بها إلى جحيم ما زالت تلوي شظاياه المجتمعات التي انضمت إلى لواء الدول التقدُّمية.

ووقع في نفس الفخ بحسن نية أو بغيرها واضعو بعضٍ من نظريات التنمية الأولى، تلك النظريات التي حاولت تفسير سبب تقدم بعض الدول بينما تسبح مثيلاتها في بحر من التخلف، وخير مثال على ذلك النظرية المناخية التي طورها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو والتي تنص على أن التنمية والتخلف ما هما إلا نتاج طبيعي لتباين الطقس والمناخ في أقاليم كوكبنا. وهذا يفسر حسب مونتسكيوا سبب تقدم الغرب ذو الطقس البارد وتخلف الشرق ذو الطقس الحار.

ولم ينتبه الإسلاميون الصوماليون لمسألة التفسير الأحادي للأحداث واستمروا يرددون طيلة عقود بأن الصومال جرَّبت الديمقراطية والاشتراكية ولم ترث منها إلا الخراب والدمار، ولذلك آن الأوان لإعطاء الفرصة لدعاة الشريعة السمحاء. وكأن الخراب والدمار مصير وقدر محتوم لكل الدول التي اتخذت الاشتراكية منهجا أو الديمقراطية أساس للحكم، ولم يبذلوا جهدا يذكر لدراسة الاسباب الحقيقية التي أدت إلى انهيار الدولة الصومالية وكيفية إعادة بنائها على أسس متينه. ولذلك عندما واتتهم الفرصة بطبق من ذهب كان الشعب المنكوب ينتظر قيام المدينة الفاضلة التي كانوا يبشِّرونه طوال أعوام الرمادة، ولكن وللأسف ساهموا في خلق مشاكل جديدة بدلاً من إيجاد حل للمشاكل العالقة بالإضافة إلى إصباغ صفة القدسيِّة على صراعاتهم التي تدور في أغلب الأحيان حول الإمارة ومن له الأسبقية في قيادة الأمة.

إن منطق التفسير القبلي للأحداث ليس بجديد على الساحة السياسية الصومالية وإنما يظهر جلياً على صفحات التاريخ السياسي الصومالي المعاصر، ويمكن إرجاع بداياته إلى أيام الاستعمار الذي دأب على دراسة الشعوب المستعمَرة لمعرفة نقاط ضعفها لكي يسهل تطويعها وإخضاعها لإرادته.

وأَدخل المستعمِر في القاموس السياسي الصومالي مصطلحات ما تزال تستخدم إلى يومنا هذا مثل مصطلح القبائل الصديقة الذي يقسِّم السكان إلى قبائل صديقة متحالفة مع الحكم وقبائل متمرِّدة يجب تأديبها لكي يكونوا عبرة لمن يعتبر وذلك من باب “فرق تسد”. واستمر الذين خلَّفوا المستعمر في قيادة الوطن على إقتفاء أثره والسير بنهجه، وليس هذا بغريب إذ أن أغلب هؤلاء لم يعرفوا طريقة حكم غير الإدارة الاستعمارية التي كانوا منخرطين فيها حتى إستقلَّت البلاد وحلٌّوا محلّ أسيادهم.

فعندما خرج السيد محمد عبدالله حسن من مدينة بربرة احتجاجاً على ما يعاني شعبه من شرِّ المستعمر واتجه نحوا البادية لكي يعدّ العدَّة لتحرير البلد من قبضتهم، فأقام معسكرا يكون نواة ونقطة انطلاق مما كان ينوي به. لم تكن تخفي على قائد الدراويش بالصراعات القبلية التي فرَّقت شمل أبناء بلده وجعلتهم لقمة سائغة لأعدائهم ولذلك انشغل في الفترة الأولى ووجَّه كل إمكاناته لإصلاح ذات البين ولتحقيق الأخوة القائمة على الإنتماء الديني بدل القائمة على الدَّم، وجعل الطريقة الصوفية مأوى ومنبراً يسع الكل بغض النظر عن الانتماء القبليّ.

ولكن لم تكن الإدارة الاستعمارية نائمة بل كانت تتابع تحركات كل صغيرة وكبيرة تجري على الأرض لكي لا تتفاجأ بما لا يحمد عقباه. وكالعادة لا بد من استعراض السيناريوهات المختلفة لمواجهة الخطر القادم ولم يجدوا سلاحا أمضي وأقوي من إثارة النَّعرات القبليَّة بين أبناء الشعب الواحد. وما إن تأكدوا من نيَة “الملا المجنون” على الجهاد حتى انطلقت حملة دعائية شرسة يقودها ممثلي صاحبة الجلالة مستعينين ببعض شيوخ القبائل وعلماء السلطة الذين ارتبطت مصالحهم بمصالح المستعمرين، وكان هدفها تشويه الدروايش وتصوير حملتهم بأنها ما هي إلا امتداد للصراعات القبلية التي جرت العادة أن تجري بين القبائل وأن حملتهم تستهدف القبائل الصديقة أكثر مما تستهدف الإدارة الاستعمارية.

ولم تفطن قيادة الدراويش لهذه المكيدة وبدأت تصنِّف هي الأخرى القبائل بين قبائل مجاهدة وقبائل متحالفة مع الشيطان، ووقعت في المحظور حيث أخذت أحيانا قبائل بكاملها بجريرة قياداتها التي كانت مستعدة للتحالف مع أي كائن ودفع أي ثمن من أجل البقاء على سلطتها الوهمية. وخير دليل على ذلك الأشعار والقصائد التي نظمت في تلك الفترة من جميع أطراف الصراع.

وكانت القبائل في أحيان كثيرة تتبادل الأدوار فتصبح بقدرة قادر التي كانت تصنَّف بالأمس القريب من أصدق أصدقاء المستعمر المقربين بخانة الأعداء والعكس هو الصحيح ولكن وللأسف الشديد كانت الخدعة تنطلي كل مرة على الجميع إلا من رحم ربك وذلك بسبب تجذر القبلية والعصبية التي تعمي بصيرة أصحابها وتحجبهم عن رؤية الواقع بألوانه الحقيقية وحجم الخطر المحدق والداهم على الجميع، فأصبح القتال في كثير من الأحيان صوماليا صوماليا بحت والمستعمر يتفرج ويضحك على الجميع.

ويجدر بالإشارة بأنه لم يكن هناك قبيلة أو قبائل بعينها ألقت كل وزنها وراء قائد الدراويش أو العكس صاحبت المستعمر على طول الخط كما يروج له البعض ولكن كانت التحالفات تتغير بتغير الزمان والمكان.

وانطبقت على القيادات التي ركبت موجة القبائل الصديقة وظنت بأن عندها مكانة مميزة عند المستعمر أو يكنُّ لها المحبة والاحترام، المثل الدارج “أكلت يوم أكل الثور الابيض” وذلك بعدما أدوا دورهم بإتقان وشاركوا بجدارة أدهشت أسيادهم في إخماد ثورة الدراويش التي دوَّخت المستعمرين على طول وعرض شبه الجزيرة الصومالية طيلة عقدين من الزمن، تم تجريدهم من السلاح ونفي البعض منهم إلى جزيرة سيشليس أو أسمرا، بينما بقي الاخرون مجرد رعايا من ضمن رعايا المستعمرات التي لوَّنت الخريطة الصومالية بألوان أعلامها المختلفة.

ومنذ ذاك العهد أصبح التفسير القبليُّ هو سيِّد الموقف وأصبحت القبيلة مجرد وسيلة ومطيِّة لكل طامح ومتسوِّل للحكم ولكل من له المصلحة في إبقاء الصومال ضعيفة مفككة الأوصال. وقدَّم التفسير القبليُّ لأصحابه خدمة جليلة حيث استطاعوا بفضله اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد أولا الوصول إلى غاياتهم وطموحاتهم التي لا تتجاوز على الأغلب المصالح الفردية الضيقة، وثانيا النجاة من المسائلة والعقاب وأدهي من ذلك وأمرّ النجاة من لعنة التاريخ حيث يلقي اللوم دوما على القبيلة بدلا من صانعي الأحداث ومرتكبي الجرائم الحقيقيين.

4 تعليقات

  1. عبدالرحمن حسن محمود

    أحسنت في الواقع وأصبت أخ الكريم!
    وتعحبني الخلاصة على وجه الخصوص حين تقول “وقدَّم التفسير القبليُّ لأصحابه خدمة جليلة حيث استطاعوا بفضله اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد أولا الوصول إلى غاياتهم وطموحاتهم التي لا تتجاوز على الأغلب المصالح الفردية الضيقة، وثانيا النجاة من المسائلة والعقاب وأدهي من ذلك وأمرّ النجاة من لعنة التاريخ حيث يلقي اللوم دوما على القبيلة بدلا من صانعي الأحداث ومرتكبي الجرائم الحقيقيين”.
    بارك الله فيك أخ المستشار

  2. عبدالله حاج يوسف

    شكرا جزيلا اخي العزيز الاستاذ علي قرائتك للمقال وتعقيبك الجميل ، فعلا اننا ما زلنا مشغولين بعلاج العوارض بدل معالجة المرض والقضاء عليه وكذلك تجفيف المستنقعات التي توفر له البيئة المناسبة للنمو والتكاثر.

  3. السيد محمد عبد الله حسن لقد وقع هو أيضا في فخ الشبكاك التي وضعها المستعمر له، وتطلخ بوحل القبلية مع العامة بعد أن كان شيخا مجاهدا مما نال من سمعته ، وحال دون قصده ، ولو ترفع عن هذا -رحمه الله- ولم يجارهم فيها لكان أحسن . ولكنه أصبح صوماليا !و الابن ابن البييئة !

  4. عبد الرحمن محمود علي عيسى

    لا فض فوك؛التفسير القبلي للأحداث والتاريخ في الصومال متجذر في ثقافة الانسان الصومالي والعربي والافريقي وربما انسان العالم الثالث؛ ان مشكلة الصومال مزمنة ولكن يمكن تلخيصها بالتعصب القبلي والديني والجهل والفقر التي كلها عوامل متشابكة لا نعرف من هو المسبب الرئيسي لها، ولعل مقالتك الرائعة تكشف الستار عن المخفي عن انظار واذهان الكثيرين؛ وأجد نفسي ممنون لقراءة مثل هذا المقال الذي ينم عن اطلاع وثقافة واسعتين ولكم جزيل الشكر ولشبكة الشاهد

%d مدونون معجبون بهذه: