المتعلمون المتهورون يرفعون راية القبيلة

أعوذ بالله أن أقول زورا، وأرتكب فجورا … شيوخ هائمون، وشباب غارقون في الشهوات، هاجت النفوس وثارت العقول، و فار التنور، تعالت الأصوات وانقلبت المفاهيم، وصار الضيم كقطع الليل مظلما، والحيف كالشمس واضحا.

(وحال بينهم وبين ما يشتهون).

كلما جنّ الليل أجد نفسي في الأمواج غارقا، وطار النوم من عيني أرقا، وأتقلب على أشواك فرقا، زادت بيننا التماسيح وصدقنا الأوهام، وكثرت الفلسفات، وشاعت بيننا المجاملات، وجهل كثير منا مهام الحياة وعدنا كأننا في الجاهلية الأولى تفاخراً بالأنساب و تباهيا بالأعراق.

(فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا)

تبجح بالحجج الواهية وانتشاءٌ بالتملق والمماطلة والخيانة والخداع وتفشي كراهية الحق وبغض الناس وحب الدنيا وكراهية الموت وحب القصور والرضى بمظاهر الحياة كل ذلك لإشباع رغباتنا المزيفة وتتبع لما لا يعنينا ولهث وراء المطامع.

وأصبح السؤال الذي يطرح نفسه: هل العصبية كتاب مقدس يتبرك به المتعلمون والمثقفون ليل نهار؟

إن أغلب المتعلمين والمثقفين مدججون بأفكار مليئة بالعصبية رافعين راية القبيلة ومتسلحين لمناصرة القومية، يؤججون نيران الفتنة داخل المجتمع (ويسعون في الأرض فسادا) ويشعلونها بدل إخمادها علماً أن العصبية أخطر من مرض السرطان وتستشري كما يستشري العضو الجرب في سائر البدن بل أخطر وأدهى لأن مرض السرطان ينتشر في الأعضاء لشخص واحد بينما مرض العصبية يستشري في أكثر من واحد ويفسد المجتمع بأكمله وهي عبارة عن هجوم فكري كاسح يغزو النفوس بالعداوة والبغضاء

لذا فإن أغلب المتعلمين يشكلون كتلاً وجماعات ظاهرها إصلاح العباد وباطنها إفساد الشعوب لأن أساساتها لم تكن مبنية على التقوى وإنما أسست لحماية القبيلة والقومية والمذهبية التي تخدم مصالحهم الشخصية، كما يقدمون مصالحهم القبلية والقومية على مصلحة الإسلام والمسلمين.

كما يتعصبون لرؤاهم الفكرية ويفضلونها على تصورات الأمة، كما أن دأبهم في تربيتهم للناشئة تسميم العقول وتعطيل القيم النبيلة لكي تحمل أفكاراً ملوثة وإغواء الشباب عن الصراط المستقيم وإذكاء التحرش القبلي والعصبية الجرداء التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم (دعوها فإنها منتنة) ويرتكبون الجرائم ضد صغار السن حتى أضاع كثير من الشباب مستقبلهم في سبيل إشباع الشهوات كما يستسلمون للأهواء وتشرذم المجتمع ونعرات القبيلة والبطر عن الحق والسطوة على المساكين وكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرعوون .

أما المنتسبون إلى الجماعات فلا يهمهم سوى جماعاتهم وهم دعاة لنشر مذهبهم فقط، وأولوياتهم هي نشر أيدلوجياتهم على وجه يخدم مصلحتهم لا مصلحة المجتمع فلبسوا قميص العصبية وسموها بغير اسمها فصارت لهم مسميات تبهر العقول وكأنها شاملة ولكن الحقيقة تخالف ذلك مثل اتحاد.. ورابطة.. ليكسبوا أهله ويحمسوا عقولهم على ذلك، ويرفعون شعارات وهمية حيث يتقاسمون السلطة والانتخابات بمعايير ومقاييس مبنية على أساس القبيلة تنتهك فيها حقوق الأقليات بينما تأخذ القبائل الكبيرة أكثر من حقها بينما تشرئب الأقليات وتتطلع إلى نيل حظوظها كاملة، كما يهملون الكفاءات والخبرات قائلين على لسان حالهم:

(ملأنا البر حتى ضاق عنا * وظهر البحر نملؤه سفينا)

إجحاف كامل واحتقار كامن واستفزاز لمشاعر الأقليات وازدراء لآرائهم واعتبارهم سفهاء العقول وكون بعضهم في الحضيض بينما آخرون في الفيافي وهم معلقون بالثريا

( فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب)

رغم كونهم طلبة العلم ومثقفي البلد لا يستطيعون التخلي عن هذه المشكلة وحل القضايا العالقة في عنان السماء المتأصلة بالعصبية والقومية

(لا تحسبن العلم ينفع وحده مالم يتــــوج ربه بخلاق)

ولكنني أستغرب حقيقة حينما أجد ما يتعلق بالأنشطة الطلابية يحولونها إلى سياسة سوداء تحرق اليابس والأخضر إلى أن تتطور إلى علاقة عدائية تؤدي إلى الانقسام والتفرقة وإن قلت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة وهي تخالف تصرف طالب العلم أو المثقف، وخاصة الطلاب الذين يتعلمون في البلدان العربية (الثقافة العربية) مثل السودان واليمن وغيرهما من البلدان العربية وإن من غرائب ما رأيته في السودان أن الأصدقاء الذين كانوا إخوة في البلد يأكلون ويشربون معا يتقابلون على شكل من يحمل القنابل في وجه الآخر ولا يتبادلون السلام فيما بينهم وهي آفة مازالت ترسو في شاطئ المتعلمين وتردي بهم في مكان سحيق. ونرى بعضهم ينشغلون عن دراستهم ويضيعون بالهمهمة والقبلية وسهر الليالي لأجل هذا العمل الشنيع وهجران النوم أرقا وما نالوا إلا فشلاً في دراستهم حتى ظللت الكآبة وجوههم.

(أفنيت عمرك يا مسكين بالتهويل * لا ينفعك البكاء ولا العويل)

حتى انتشرت العداوة فيما بينهم وهي في الحقيقة عداوة ليس لها وجود في الواقع وإنما مبنية على الشك والاتهام.

(إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء)

(فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء)

أما الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة فيمكن تلخيصها في الآتي:

أولاً: عدم تطبيق آيات الله والإعراض عن ذكره.

ثانياً: البيئة التي يعيشون فيها أثرت فيهم تأثيرا سلبيا.

ثالثاً: أن أغلب المتعلمين الذين يحملون الثقافة العربية هم حديثو عهد بالمدن وما زالت العصا على أكتافهم والخنجر في خواصرهم .

رابعاً: عدم وجود دعم حكومي في الأوضاع الاجتماعية مما يؤدي اعتماد الفرد على عشيرته في كل احتياجاته وهذا بدوره عزز إيمان الفرد بالقبيلة بدلاً عن الوطن والمصالح العامة.

خامساً: وضع الأمور في غير موضعها وعدم اختيار شخصيات متدينة في الاتحادات الطلابية واختيار شخصيات غير مؤهلة للقيادة .

ويكون حل هذه المشكلة من خلال ما يأتي :

أولاً: العودة إلى الله سبحانه وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

ثانياً: إصلاح البيئة الاجتماعية من خلال التربية الإسلامية مع الوطنية الصحيحة.

ثالثاً: محاربة العصبية وكل ما يؤدي إلى الانقسام والتفرقة في المجتمع .

رابعاً : التوعية العامة لبناء المواطن الخالي من التعصب والدعوة إلى نبذ القبلية.

خامساً: تحقيق العدالة وتفعيل الكفاءة حتى لا يشعر أي مواطن أن حقه مسلوبٌ أيا كان هذا المواطن.

سادساً: وجود حكومة قوية تعمل على تحقيق المتطلبات العامة للمجتمع مثل الصحة والتعليم حيث يؤدي ذلك إلى اعتزاز الفرد بالوطن بدلاً من القبيلة

(إذا صار الغراب دليل قوم * يمر بهم على جيف الكلاب)

وأخيراً:

تزود من التقوى فإنك لا تدري * إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر)

6 تعليقات

  1. اريد ان اضمن اخي فارح اننا عانينا كثيرا ما تعانيه اليوم ولكن بعد التخرج والعودة الى الوطن فسرعان ما تفرغ الذاكرة كل تلك المعانات ولكن لابد وان تستوعب جيدا ان هده ا ليست من عداتنا بل من تداعيات الحراك السياسي الدي لابد من ان نستفيد منه بصورة ايجابية وانصحك ان تستفيد باعتبارها من ابجديات السياسة والعمل النقابي. بعيدا عن القبلية والعصبية التي لا تخلق الا العنف والكراهية

  2. نعم هذا واقعنا ، شاء من شاء وأبى من أبى، التناحر والتعصب لأمور تافه مثل الإتحادات والروابط. والنسيان أو التناسي لقضايا الطلبة وحل المشكلات التي تواجههم في الغربة… وشكرا للاخ فارج

  3. اشكر لاخ فارح هده الصيحة فهل من مدكر

  4. االسيد أبو الفارس اركب معنا لا تقل بغير تفكير ولا تعقل بغير تدبير ولا تجعل اليأس يتغلب علي نفسك واعلم أن زلة الرأي أسوء من زلة القدم

  5. السيد أبو فراس. كلامكم /يؤسفني أن المواضيع المكتوبة في الشاهد جلّها إيضاحات على أن البعض تعلم اللغة العربية/ هو عين الخطأ ذاته الذي كنت تعاتبه كاتب المقال لأنك أنت قد وقعت أشد مما كنت تعاتبه سواء أدركت ذلك أم لم تدرك.

    فإذا كنت قد عاتبت الكاتب على أنه قد حكم على الآخرين فكيف استطعت أنت أن تحكم كتاب الشاهد كلهم وبدون استثناء؟ هذا هو عين الظلم ياسيد أبو فراس.

  6. رقصت يافالح…. الآن عرفت وماكنت تدرى مالكتاب!!

    النصائح الهرمة ونظريات إستحمار العقول القديمة لاتجدى نفعا في هذه الساعة. مصيبة الصومال هي “أن من هدمها أمس يلبس العمامة ويربي ذقن المعيز والأدهي أنه يزايد عليك الدين. إين الدين الذي تتكلم عنه وقد نفقت المسلمين باسم الدين وقلبها باسم القبلية؟ ومن جعلك أصلا وصيا على الدين ألا لله الدين الخالص؟!!

    تري النقل من الأسطر المندثرة، وتقل تجارب الآخرين خطأ أو صوابا لايفيد للصومال شيئا. الصومال حالة قائمة ماثلة للعيان تخص أهلها لها مسبباتها وفواجعها ولا بد من إقامة القصاص على الذين إرتكبوا المجازر في حق الأبرياء لمدة عقدين بشكل متواصل. إستأثروا صلاحيات القاضى والجلاد في وقت واحد دون أن يقر لهم على ذلك أحد. فهاهم يدفعون الثمن الباهض اليوم وغد وإن شئت بعد غد. فلا توهم نفسك ولو للحظة أن الشخص المظلوم الذى نفت ولده وأهله وماله وحرمت عنه الحياة التي أوجده الله له أن يستمع اليك حتى يقيم الحد على الجناة فسهل العداله وهي في الكتاب مسطورة أو إخجل أن تنقل لنا من النظريات الباهتة التى عفى عليها الزمن.

    وأخيرأ… يؤسفنى أن المواضيع المكتوبة في الشاهد جلها إيضاحات على أن البعض تعلم اللغة العربية، ولم يتعلم فكر أومنطق يطرحه للأمة ليحدث فرقا ولو ضئيلا في المشاكل القائمة في الصومال. وإن تكلم أحد بموضوعية فالسهام جاهزة. فلعل السكوت أفيد للبعض من نقل السطور.
    نريد أن نتكلم عن الحقائق ولو كانت مرة.

%d مدونون معجبون بهذه: