لحوم العلماء مسمومة .. الحذار الحذار

لم أتصور يوماً أن إعلامنا الصومالي (العربي) الذي كان يحقق – بوتيرة متسارعة- طفرة إعلامية هائلة نحو الخدمة الإخبارية ونشر الفكر الحر الخلاق المنسجم مع مورثنا الفكري والاجتماعي المنبعث صورته من واقعنا الفكري (الوسطي) الذي لا يتصادم مع الكينونة البشرية والتعاليم الإلهية السماوية، يتبجح بمقالات تشيّب رؤوسنا وتفقئ عيوننا، تطاول في وضح النهار على العماء والدعاة، آلت الأمور عكس ماكان يتوقعه الجميع ..

ولم أكن أيضاً أتصور أن الإعلام الصومالي الناطق بالعربية والذي يستقطب شرائح المجتمع الصومالي، وخاصة الطبقة المثقفة تتحول إلى أداة في يد البعض يستخدمها للنيل من الآخرين واحتقار مكانتهم واتهامهم بالخيانة، ونشر مقالات تثير سخرية وحالة عداء وانفصال بين الصوماليين (أبناء الحركة الإسلامية)، ولا نعرف ماهي قيمة نشر تلك المقالات، وأتساءل باستغرب أين ذهبت العقول المثقفة التى تدير تلك المواقع، هل ارتضت واستسلمت لنشر تلك المقالات التى تتهجم على العلماء وشخوصاً ورموزاً كانت يوماً ـ ولاتزال ـ على رؤوس الجميع ؟.

ولا أبالغ إذا قلت أن من بين المحررين في هذا المواقع من تعجبه هذه الأفكار وتلك المقالات التى تأكل أجساد ولحوم العلماء كما يأكل الدود لحوم الأموات، ويراها أفكارا تستحق النشر وحتى الإعجاب، إلى أي حال يأخذنا الصراع المرير بين تلك الطبقة المثقفة ( أبناء الحركة ) .. لا آمل أن ينتج من مقالاتهم صواب -حتى ولو ضربنا أفكار بعضهم ببعض- سوى مزيد من الحقد والحسد لعلمائنا، كيف يقبل ضمير أبنائنا بأن يوجهوا اللعنات تلوا الأخرى ويكتموا الحسد في صدورهم التى تهيج بالحقد أيضاً لعلمائنا، وهم الذين شربوا منهم منهل العلم والمعرفة.

لحومهم مسمومة .. لمن يحذر ؟

كفوا عن تجريح العلماء ولا تسخروا جهودكم لهذا الغرض الدنيء، الكثير منا يعرف جيداً أن منزلة العلماء في الإسلام منزلة عالية، لكن قليل منا يدرك، وآخرون يتجاهلون، بل ويصوبونهم سهام الحقد والحسد والكراهية، بأي ذنب اقترفوا حتى نالوا هذا الجزاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم ” ليس من أمتى من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ” .

أيها القارئ الكريم وأيها الكاتب الذي ينوي أن ينال من علمائنا أقول لك وبملئ فمي ” لحوم العلماء مسمومة”، حتى وإن أخطأوا لا نلوث بألسنتنا، وإن ارتكبوا مخالفات ننصرهم، أي نأخذهم إلى رحابنا، ونتقبل أفكارهم ونسبر في أعماقها حتى نعالجها بحكمة وبهدوء، وليس عبر إحداث صخب إعلامي، إذا فالحذار الحذار من لحومهم وأعراضهم.

ومن الأحكام الشرعية المهمة أنه لا يجوز الخوض في أعراض العلماء وتتبع عوراتهم واتخاذهم أغراضًا في المجالس.

قال ابن عساكِرِ: (إن لحوم العلماء مسمومة، وسنة الله في منتقصيهم معلومة).

وقال الإمام أحمد: (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات).

وقال أيضًا: (من أطلق لسانه بالسلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب).

كان من دأب السلف الصالح ذكر العلماء بالجميل من الصفات والذكر الحسن، ويحذرون من التطاول عليهم، ومن الإساءة إليهم.

قال ابن المباركِ: (من استخفَّ بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخفَّ بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخفَّ بالإخوان ذهبت مروءته).

قال الأوزاعِي: (الوقيعة في أهل العلم لا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب).

قال أبو حنيفة في حق شيخه حماد: (ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا واستغفرت له مع والدي).

قال ابن العثيمين رحمه الله: (توقير العلماء توقير للشريعة؛ لأنهم حاملوها، وبإهانة العلماء تُهان الشريعة).

أخذ ابن عباس بزمام ركاب زيد بن ثابت الأنصاري، وقال هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا، فأخذ زيد بيد ابن عباس، وقبَّلها، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم.

خطاب يتغير

الأمر الذي يدعونا إلى الرثاء والتعجب ويثير جملة من التساؤلات، هو عندما يتغير الخطاب الإعلامي الإلكتروني، مضمونا وشكلا، كنت في السابق استغرب الاشكاليات المعرفية والعلمية والفكرية التى تجر المواقع الصومالية في الانترنت إلى سقوط مهني وأخلاقي مزري دائم؛ حتى تعودنا هذا الأمر وبات جزءاً من مشاهد إعلامنا الصومالي، ونضحك به من الأذن إلى الأذن، ولهم في ذلك عذر كبير بسبب الضحالة الفكرية وانعدام المعرفة، وبسببها يخلطون الأوراق وتتشابه عليهم سور القرآن فيقرؤون البقرة بالأنعام.  لكن أن ترمي مواقعنا الناطقة بالعربية نفسها إلى قاع الهاوية بنفسها، وهي التى يديرها مثقفون من بينهم أبناء صُقلت مواهبهم ومهاراتهم وربتهم الحركة الإسلامية إنه أمر مفزع للغاية، وتحوّل جهود علمائنا إلى إرث من الرماد، القناعة التى افتخر بها جعلوها شيئا من الماضي، وليس لهم عذر في ذلك وإن تقدموا لنا بعذر يكون عذرهم هذا أقبح من الذنب!.

في المحصلة نرى أن تلك المواقع تغيب عنها الرقابة المؤسساتية ويسود فيها نوع من التخبط والعشوائية والنزيف الثقافي الداخلي، إذ تراها تنشر كل ما يقع في يدها دون أن تمر المواد المنشورة بغربلة وتمحيص وتحرير صحفي دقيق. ترى : هل  تدس تلك المواقع السم بالعسل، أخشى ما أخشاه أن تضع تلك المواقع شهامتها وهامتها ومهنيتها وحرفيتها التي استقطبت الكثير من القراء في الحضيض وتفقد أنصارها، مع العلم أننا ندرك حالياً أن فرص بقائها غير كافية، لأسباب كثيرة منها غياب إعلاميين ذوو كفاءة عالية في التحرير الصحفي، وعدم وجود ميزانية مالية تساهم في ديمومة تلك الموقع فضلاً عن غياب أقلام متطوعة لا تنتظر من صرير قلمها ذهباً ومالاً، ولا تسخر لجهودها النيل من ورثة الأنبياء.

لا أدري كيف وصل بهم الحال إلى مثقفينا ومحررينا في تلك المواقع بشقيها( الصومالي والعربي) هل قادهم الواقع الثقافي المزري في البلاد إلى ذلك الأمر، أم استجابوا لتأثيرات و دوافع أخرى أخرجتهم من المهنية والوسطية في الدعوة والفكر، أم أن هواة الصحافة والإعلام الجدد هم الذين يعملون الضجة في تلك المواقع، تلك الأخطاء الفادحة (اللغوية والفكرية والإعلامية) هي التى يفجع لها القاصي والداني، أرى أن المشرفين على تلك الشبكات الصومالية العربية بريئون من تلك الأسماء كبراءة الذئب من دم يوسف .

 وهم الحرية

البعض من الكتاب الصوماليين والمثقفين يجادلون بأن أطروحات البعض وما تخط أقلامهم إنما هي مجرد تعبير عن حرية جديرة بالبوح بها والتعبير عنها، ولا مجال للنقد أو الطعن فيها، فإذا أبديت رأيك حول ما تكتب أقلامهم فأنت المتهم الأول بالرجعية والتخلف الأدبي والجمود الفكري والانحسار الثقافي، اللهم إن لم يجر غضبهم إلى القول بأنك رافض للإبداع الحر الخلاق أي باختصار أنك متشدد أصولي إرهابي الفكر والروح.

تستوفقني هنا مقولة يوسف إدريس (1927 – 1991)  الذي قال ذات مرة “إن كل الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتباً واحداً لممارسة إبداعه في شكل كامل،  بعيداً عن القيود المتعددة التي يفرضها على الكتابة الاستبداد السياسي والتصلب الفكري والجمود الاجتماعي والتعصب الديني” يتحدث يوسف إدريس في ذلك الزمن عن  أصحاب ملكة الكتابة الذين كانوا يعانون من تسلط فكري أو استبداد يحرم منهم حق الكتابة بحرية ويكمم أفواههم أو رقابة ثالثة فكرية أو رابعة حكومية، لكن لا يقودنا هذا الجدل للتقبل بمقالات تفتقر إلى أبسط الجهود الفردية لتحريرها أو الامتناع عن نشرها نظراً لمخالفتها لأدب الكاتب وقواعد الكتابة الأساسية .

يبدو أن مفاهيم ومعاني حرية التعبير قد يسوقها عدد من كتابنا حسب هواه وما يحلو له، فأضحت مفاهيم حرية التعبير عندهم هي الصحيحة التى لا تعارض ولا فصام فيها، وكأنهم يرفضون مقولة الامام الشافعي رأيي يحتمل الصواب والخطأ ورأي غيري يحتمل الخطأ والصواب، ويبدو أنهم يرددون بملئ أفواههم ” رأيي هو الصواب الأوحد “

وأخيراً .. لحوم العلماء مسمومة، وعلينا أن نجل لهم احتراماً وتقديراً، وليس أن تردد ألسنتنا تراتيل وكلمات وهمهمات تجحفهم وتهجوا عليهم، كفوا عن التطاول، أرجو أن صرخاتي هذه تصل إلى أذان زملائي، وأن يتقبلوها بصدر رحب، وإن كان فيهم من يرفض ذلك أن يقبلها ولو بامتعاض.

4 تعليقات

  1. الى ماخري مغترب قضية راية الحقيقة مستعصية ولذلك ادعوا له بالشفاء العاجل فهو مصدوم ولم يتحمل رفض العالم الاعتراف بقرية هرغيسا التي يسكنها بضع الآلاف من المرقانيين

  2. ايها الاستاذ الكريم راية الحق هل كل سكان جنوب الصومال قتل العلماء وهل كل سكان شمال الصومال يحترمون العلماء هل سكان مكة كفار لانهم طردوا الرسول لماذا تحساب عشرمليون بغلطة مجنون رد

  3. اخي العزيز لحومهم مسمومة لكن هذا لا يعيني ان كل من ركب لحية اصبح عالما او ان كل من قصر ثوبها اصبح ورعا الاسلام اكبر من هذا وثم علينا الاقتداء بما قام به الامام والمالكي والامام الشافعي -الله يرحمهم- حينما قاطع الامام الشافعي امامه أصلح خطأه وكان رد الامام مالك على هذا الموقف _ان لك ان تفتي ةبالمناسبة الكثير من اولئك الذين يوصفون بالشيوخ كأسامة بن لادن- له من الله ما يستحق- واضح تدميرهم للاسلام ومحاولتهم افساد المجتمع بافكار ما انزل الله بها من سلطان
    اما بالنسبة للاستاذ -راية الحقيقية- فانا معك ولاول مرة فيما قلت.

  4. إن كانت لحومهم مسمومة، فما بال أرواحهم ؟؟؟، ألا تستحق منطقة ، أحرقتهم بالنار، أن تحترق أيضا ؟؟؟

    وفعلا هذا ما حدث ، حيث أحرق المقبور، والسيء الذكر،و فرعون زمانه، (أبوجهل ، جالى سياد برة)، أحرقهم بالنار ، تلك

    الكوكبة النورانية من علماء الصومال، والذي أعترضوا على شطب آيات من القرآن الكريم، والذين دافعوا ، أن يجبر هذا الفرعون

    الناس ، على إتخاذ دين الشيوعية، وعلى نفس الدرب، سار من يعيش في هذه المنطقة نفس المسار ، حيث نسمع كل يوم إغتيال

    عالم دين ، وهو يصلي في مسجد، أو قتله وهو يدرس القرآن ،.إنها محنة العلماء، والتي لم تحدث في أية بقعة من العالم.

    والنتيجة هي كما ترون ، حريق لا ينطفي ، مهما حاول العالم، ومهما تتعددت أساليب ، الإطفاء.

%d مدونون معجبون بهذه: