الممارسات القبلية في الصومال: كيف ولماذا بوصاصو (2)

بين القبيلة وتسييس القبيلة:

القبيلة كيان بشري تقليدي يعيش في منطقة معينة، ولها أعرافها التي تنظم شأن القبيلة. والقبيلة جاءت قبل الدولة. وتسييس القبيلة يعني دخول مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية في النظام القبلي. وفي الصومال هنالك فرق بين القبيلة كنظام اجتماعي طبيعي تكافلي يعتمد على صلة القرابة والرحم، وبين تسييس القبيلة بإدخال المصالح الخاصة فيها. ومن هنا المشكلة ليست من القبيلة، ولكن المشكلة من هؤلاء القيادات التي لا تملك مؤهلات شخصية وكفاءة ذاتية تمكنهم من قيادة المجتمع، والذين يستغلون من الفقر والجهل وتدني الوعي الذي تعيشه الأمة الصومالية فيسيسون القبيلة ويلحقون الضرر بمصالح الشعب باسم القبيلة.

أنواع الممارسات القبلية:

ثلاثة أنواع من الممارسات القبلية، على النحو التالي:

أولا: القبلية المسموح بها: وتعني انتماء الفرد لجماعة معينة يشترك معها في الجد الأعلى، وهي عن رابطة الدم الطبيعية التي لا يملك المرء من أمرها شيئا، من باب ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”

ولا يتجاوز تأثيرها في إطار التعارف والتعاون والتكافل والمصاهرة بين المواطنين، وكان هذا النوع من القبلية في الصومال خال من أي أضرار اجتماعية بل كان في كثير من الأحيان سببا في التنافس في الخير والألفة والمساعدة. فمثلا إذا نزل شخص ضيفا على شخص آخر من غير جماعته وأراد أن يستضيفه عرّفه بنفسه بذكر اسمه والجماعة التي ينتمي إليها، فيقوم المضيف بتقديم صنوف الضيافة والمساعدة له.فينتشر خبر هذه المعاملة ويحاول كل واحد أن يقلد ذلك المحسن في إحسانه وان يفعل للآخرين مثل ما فعله أو أحسن، فأصبح المجتمع بذلك مترابطا برباط المودة والتعاون بدون أي تمييز قبلي حتى صارت كل قبيلة تحاول أن تكون خيرا من القبائل الأخرى في المعاملة الحسنة للآخرين. ومن العادات الحسنة التي لا تزال باقية في المجتمع الصومالي: قرى الضيف، والمصاهرة مع القريب والبعيد، ومساعدة الضعيف والمحتاج على أساس إسلامي وإنساني صومالي. ونتيجة لهذا السلوك تداخلت القبائل واختلطت في المعيشة، وتعاونت في السراء والضراء. وصار الجميع إخوة صوماليين يعرف بعضهم البعض الآخر، ولهم جميعا مصالح مشتركة يحافظون عليها ويدافعون عنها ويعيشون في مجتمع مدني متآلف. ويمكن أن نضيف من النوع المباح بأن يطالب أبناء المنطقة التنمية المتوازنة لمنطقتهم بصورة شرعية في إطار الدولة الصومالية.

ثانيا: القبلية السياسية:

النوع الثاني من القبلية هو: القبلية السياسية. ويمكن تعريف القبلية السياسية بأنها: سلوك انتهازي أناني غير أخلاقي قائم على تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. ويعود هذا السلوك إلى المؤثرات الاستعمارية. ويميز القبلية السياسية من غيرها من القبليات: العصبية والحسد والحقد والعنف وعدم التعاون بين أفراد القبائل المختلفة. وقد قصد الاستعمار من هذه القبلية عندما قسم إفريقيا والعالم الإسلامي إلى:

  • تفتيت وحدة الشعوب وإضعاف قوتهم ماديا ومعنويا من أجل سهولة استمرار السيطرة عليهم.
  • فرض التخلف على هذه الشعوب واستنزاف خيرات بلادها.
  • إثارة الفتن والاقتتال بين طوائف تلك المجتمعات، حتى لا تكون لهم قدرة على الدفاع عن النفس ورفع الظلم الأجنبي عن نفسها. وقد حاول المستعمرون على تقسيم الصوماليين إلى قوميات ثم لما فشلوا قسموهم على قبليات تقوم على التعصب والتناحر السياسي والقبلي.
  • واستخدم المستعمرون لتعميق القبلية السياسية كل الوسائل السالبة، والتي منها:
  • “ربط القبلية بالمصالح الخاصة للإفراد كالمال والجاه والنفوذ وتولي الوظائف والمناصب العليا”.، ومنها معاقبة كل من اعترض علنا القبلية السياسية ويدعو إلى وحدة الشعب.
  • إفساد العلاقة بين القبائل الصومالية وقتل الوعي الوطني، وتفريق صفوف الشعب الواحد، وخلق عداوات قائمة على الوهم وإشاعة الأكاذيب والدسائس بين أفراده.
  • وضع قوانين ولوائح تقضي بأن الصوماليين ينتمون :إلى قوميات مختلفة لا يجمعها نسب ولا انتماء فوضعوا حدودا تعسفية بين مختلف القبائل على أساس أنها مجموعات متجاورة لا يجمعها رابط القومية أو الوطنية… و”كانت إيطاليا قد طبعت دساتير مختلفة لمختلف القبائل الصومالية بحيث يكون لكل قبيلة دستور يختلف عن دساتير القبائل الأخرى، وأنها أحضرت نسخا من هذه الدساتير إلى الصومال قبيل الحرب العالمية الثانية، ولكنها هزمت قبل أن تعمق تطبيقاتها لتلك الدساتير.!

إن القبلية السياسية هي آلة التخريب التي استخدمها ويستخدمها أعداء الصومال في الماضي والحاضر، وقد يستمر في المستقبل إذا لم ينتبه الصوماليون إلى الخطر المحدق بهم من جراء القبلية السياسية. ففي الماضي استخدم الأعداء القبلية السياسية ضد حركات التحرير والمقاومة الوطنية… وفي الحاضر يعمل المستعمر على تفتيت وحدة الصومال وتمزيق أوصال الجمهورية الصومالية بخلق كيانات هشة تقام على أساس القبلية السياسية دون أن تكون مقومات دولة.

النوع الثالث من القبلية وهو السياسة القبلية: والذي تمارسه النخبة السياسية الحاكمة

فيما يتعلق باللجوء إلى الانتماء القبلي كأساس للشرعية السياسية، فإن هذا الاتجاه برز لدى النخبة المدنية الحاكمة بعد الاستقلال نتيجة لافتقارها للاستراتيجية العامة التي تقودها في التعامل مع مشكلات ما بعد الاستقلال. ومن هنا مالت تلك النخبة إلى ممارسة النوع الثالث من القبلية: وهو السياسة القبلية. وهذا النوع من القبلية نشأ مع أول حكومة صومالية كانت تعمل تحت إشراف السلطات الأجنبية وبالقوانين الاستعمارية. واستمرت الحكومات المتعاقبة في تطبيقها وممارستها للنظام القبلي من خلال المؤسسات السياسية. ففي العهد المدني كان للاعتبارات القبلية أولوية في اختيار المسؤولين لمختلف المناصب على حساب الكفاءة والنزاهة، فأصبح التوظيف والترقيات في المناصب العليا يتم في الغالب لإرضاء طالب الوظيفة أو الترقية وقبيلته. أما الكفاءة الشخصية للموظف فكانت تقاس بمدى قدرته على تحقيق رغبة الحكام في البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة بصرف النظر عن كفاءة الموظف ونزاهته الإدارية. فتلطخ الحكم بالسياسات القبلية والعشائرية ومحاباة الأقرباء والأصدقاء، وبالرشوة والفساد مما أدى إلى حدوث عدم استقرار سياسي واقتصادي خطير بالبلاد. وهذا النهج من الممارسة القبلية في السياسة يمثل سلوكا عاما لكل أنظمة الحكم الصومالية.

نصيحتي للعلماء وللنخبة الصومالية:

أولا: كنت أود أن تكون مثل هذه الندوة يتم إعدادها بصورة تدعى لها الخبراء بالشأن الصومالي وكل أصحاب الخبرة من السياسيين والمثقفين من داخل وخارج الصومال. ولا ينفرد بها العلماء مثلا، يمكن للعلماء وللتيارات الإسلامية أن تقوم بتنظيم مثل الحدث، وهذا شرف لهم، ولكن المشاركة لابد أن تكون واسعة.

أقول للعلماء في هذه الندوة، لا نريد خطبا عصماء يقدمها شيخ فلان وشيخ علان فقط- ولا أقصد بذلك تبخيسا لجهودكم- وإنما أقصد أن يكون هنالك نزول إلى الواقع المعاش، وأن تكون هنالك أوراق علمية تتناول ما يلي:

  • السبيل إلى مجتمع صومالي معافى من القبلية.
  • القبلية ودور العلماء في تربية المجتمع الصومالي.
  • تطور تسييس القبيلة ودور النخبة السياسية في ذلك
  • مستقبل القبلية في ظل الحكم الفيدرالي في الصومال.
  • الدعوة الإسلامية والدعوة القبلية تعارض أم تآلف.

توصياتي

أوصي بأن تصدر عن المؤتمر التوصيات التالية

  1. إعلان حملة كبرى للقضاء على الممارسات القبلية على مستوى الصومال، وليس على إقليم معين فقط، ويكون من فعاليات الحملة تشكيل قوافل دعوية أو تثقيفية للتوعية من التعصب القبلي المذموم، يشارك فيه العلماء وطلاب الجامعات والخبراء وما يسمى بمنظمات المجتمع المدني الذين يتم اختيارهم بعناية. وتقوم هذه القافلة بالتجول على المدن والقرى والأرياف والبادية لتقديم النصائح والتوعية الدنينة والوطنية لشيوخ العشائر وللبدو والرعاة يحذرون فيها عن مآلات التعصب القبلي، وأن تتم الاستفادة من تجربة حركة التبليغ في ذلك بحيث أن كل شخص يعد زاده ومأكله ومشربه في هذه الرحلة. ويمكن أن تقديم مساعدات علاجية وإغاثية للمتضررين خلال الحملة.
  2. تكون هنالك حملات أخرى لمحاربة التعصب القبلي الذي يمارسه السياسيون الانتهازيون في الصومال، ولابد أن تكون هذه الحملة أقوى من الحملة السابقة، بحيث يتم إعداد حملة إعلامية كبيرة، وعقد مؤتمرات وحوارات حول هذا الموضوع. ويتم اختيار العناصر المشاركة بعناية من ذوي الخبرة والجاه.

وشكرا على جهود العلماء وعلى حسن المتابعة.

2 تعليقان

  1. صحيح ما تقوله يا عبد الرحمن محمود علي ، الناس لا يلجئون إلى قبائلهم حبا للقبيلة ولكن لأنها أصبحت بمثابة تأمين اقتصادي وحماية وقضاء وكل شيء في حياة الصومالي ..

    وخير دليل على ما تقوله : أننا عندما كنا شبابا في مقديشو وسط الثمانينيات من القرن الماضي وكنا في المدارس الإعدادية والثانوية لا نهتم بقبائل أصدقائنا ومعلمينا، وحتى إذا كان ابن عمك معك في الفصل قد لا تعرف قبيلته .. ومن الغريب أنني تعرفت مؤخرا على بعض الأشخاص من أقربائي كنت أعرفهم سابقا دون أن أعرف أسرهم وقبائلهم. وهذا بخلاف الشباب في الوقت الحالي.
    ولكن هذا لا يقلل من قيمة التوعية بأسلوب علمي مبسط يفتح آفاق القلب للتعامل مع المشكلة ..

  2. عبد الرحمن محمود علي عيسى

    كل الظواهر السلبية من التعصب القبلي أو الديني أو الفئوي ما هي إلا نتتيجة لظواهر إقتصادية بحتة مثل البطالة والجهل والتخلف حسب وجهة نظر الخبراء الإقتصاديين ، لأن الأسباب الحقيقية للتعصب القبلي ليست حبا للقبيلة لأنها قبيلي فقط بل لأنها توفر الحماية السياسية والإجتماعية والإقصادية،ما نحتاجه هو ليس إضاعة الوقت حول النتائج والأمراض وننسى مسبباتها الأساسية،نحتاج إلى أخذ الدولة لمسئولياتها ليستغني الناس عن القبيلة،وطالما دور الدولة غائبا فلا نستطيع أن نلوم أحدا للإرتماء في أحضان قبيله والأجنبي الذي يوفر لها الحماية،للأسف لا زلنا لم نطور النظام الدولي لنقنع به شعبنا بقدر الطور الذي وصل إليه نظامنا القبلي.
    إن مشكلنا الرئيسية هي الخلط بين نظام الدولة ونظام القبيلة الذي كل منهما له سماته وخصائصه الي يختص بها ويتميز بها كل نظام على حده، أما المزاوجة بين النظامين فهو ما يسبب الحيرة التي نعاني منها والورطة التي نتخبط فيها.
    وشكرا للدكتور على توصياته القيمة

%d مدونون معجبون بهذه: