معا ضد التمييز في التوظيف

إن قيمة العدل فى الاسلام قيمة عالية متألقة، تتصدر كل القيم والثوابت التى يدعو إليها الدين. فلم يكن العدل وأهميته للحياة ما يشابهه شيء من القيم والأخلاق، ذلك أن العدل مطلب كوني قائم على فلسفة الوجود كله، واستقرار ناموس الكون وصلاحه لوظيفة الوفاق والرضا.

كما لا يجمع الناس على شيء إجماعهم على أهمية العدل، ونيل غايته، ومطمح البشرية إليه، سواء فى ذلك العدل البشري الذي يسعى إليه الإنسان ويطلبه فى حياته، ويرجوه ممن يتعامل معه، ذاك العدل الذي يمثله قانون البقاء.

ففى العقدين الأخيرين شهدت البلاد فضائح جمة قد أفجعت جل الناس حتى انقسموا ما بين ساكت متفرج ومتفجع مظلوم، وتكررت هذه حتى كاد عرفا ومنطقا سليما لدى كل من نصب له راية البلاد وأعطى حق الولاية، وبالحرف الواحد كنا نطمح أن يزول هذا مع الرياح التغيير والانتقال لكن لا زال يراوح مكانه.

خلال الشهور الماضية مرت أمور تشيب لها الرؤوس وتقشعر لها الأبدان عزت على أن أضعها فى صندوق العدل والقسط، يوم من الأيام استمعت آراء بعض المحللين فى شؤون الصومال – كمتابع عن كثب فى الشؤون القضائية والحقوق وما يتعلق بالمساواة الوطنية – وكذلك بعض من فصلوا عن العمل؛ فاشاروا لي إلى قضية التمييز العنصري فى الحكومة، خاصة فى حقل الوزاري علمها من علمها وجهلها من جهلها.

فانتبهت إلى خطورة هذا الأمر بالنسبة لمستقبل الصومال، ورأيت أنه يؤجج ويؤسس أيضا أفكارا  أخطر مما سبق لعلها تحيي الأفكار الموؤودة فى العقدين الماضيين، وقد وجدت بعض التعديات التي قد لا يناسب ذكرها فى هذا المقام كما يرفضها الضمير المسلم المستحيي، وهو قضية فصل موظف وإحلال محله آخر، لا من أجل ضعفه أو عدم قدرته على تأدية الواجب، أو إن الذي يحل محله أرفع درجة وكفاءة، بل يكون الأمر فى مصب القبيلة أو الصحبة، هو أمر غريب فى القانون والشرع؛ فتسريح عامل وإحلال محله آخر فى ظل إرادة تحقيق ميزان العدل والمساواة أمر ملفت للنظر، ونسأل الجميع هل هذه جزئيات العدالة المراد إيجادها من قبل القادة ومتواطئون جميعا، أم أنه أمر مصطنع مخفي لكل أمير على حدته؟

وقد يناقش الكثير ماذا سيحصل لو ولّى عهد قادة اليوم فى المستقبل القريب وحل محلهم آخرون، هل سيحترمون شخصية وعنصر ووطنية العامل الصومالي أم أنه سيأتي الوزير ومعه حقيبة من أقربائه يسحبهم إلى عرش الوزارة التى طالما عض شفتاه من أجله بهدف تخصيص الوظائف بأقاربه؛ وبالتالي يصبح الآخرون فى مهب الرياح.

أيقنت أن العدل لا يتحقق على الطبيعة إلا ناذرا ولا يقبل أحد بحظه من العدل، وقد شاهدنا كثيرا ممن ينادي بالعدالة، فلم لا نفتش جيوبه، هل أوجد المساواة، وهو عين العدالة والقسط، وهي المصلحة المراد تحقيقها منذ عهود، فإذا تحققت فيه فثم  الانطلاق، و إلا ينطبق علينا قوله تعالى: (أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)(البقرة:44)

أليست العدالة بذل الحقوق الواجبة وتسوية المستحقين فى حقوقهم؟ أليست صفة توجب مراعاتها للاحتراز عما يخلّ بالمروءة، وأن أمور الناس تستقيم فى الدنيا بالعدل، حتى مع الاشتراك فى أنواع من الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق، وإن لم تشترك فى اثم.

 وقد استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية بمقولة ” إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويقيم الظالمة وإن كانت مسلمة “فلا يحملنكم الهوى وهو العصبية، وبغض الناس على ترك العدل فى أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان.

فبمقدار ما تعدل الحكومة يكون عمرها لا تزيد ساعة وكذلك الشخص، فشيوع الظلم أمر ينافي مبدأ العدالة الربانية والفضيلة والتسامح، إذ إن شيوع الظلم شيوع للفساد، ومن الظلم الحيف والجور، ومن الفساد اختلال الأمن والاستقرار وسفك الدماء من غير أي حجة وبرهان .

 ولا بد بشكل عام من إيجاد الفضيلة،  وليست الفضيلة فضيلة مستلزمة مستخزية، بل هي فضيلة إيجابية واقعة لاتخضع للشر ولا للأشرار بل تستعلي عليهم جميعا.

  وقد قررت الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة، و لعب هذا المبدأ دورا حضاريا وإنسانيا عظيما فى حياة البشرية عندما أصر على إقرار المساواة بين الناس فى الحقوق العامة، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود ولا لغني على فقير إلا بالتقوى والصلاح سواسية كاسنان المشط؛ إذ أصلهم واحد كلهم لآدم قال تعالى ” يايّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم “[الحجرات:13]

كما رفع الاسلام عن شأن المساواة فقد حط من شأن العصبيات والعنصريات، قال عليه الصلاة والسلام ” إن الله عزوجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء : الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التى تدفع بأنفها النتن” وفى الحديث أيضا ” دعوها فإنها منتنه ” أي قبيحة كريهة مؤذية.

ولهذ السبب أوجدت الشرائع الدينية والقوانين الاجتماعية نظما بهدف تحقيق العدل الممكن، أو التوازن الذي يعيش على استمرار الحياة، وحتى تقوم به كما قامت السموات من قبل.

وإذا تركنا المعتدين يعيثون فى الأرص فسادا، يهدمون كل قائم، ويحرفون السلوك القويم، ويخربون ما شاؤوا كيف شاؤوا، فلا شك أن ذلك يكون سببا في نهاية  الكيان الصومالي.

وأخيراً أدعوا المساواة التى تعني عدم التمييز بين الافراد على أساس اللون أو العنصر، وليس هناك فرق بين إنسان وآخر فى الحياة الاجتماعية والسياسية الإ بما يمتازون به عن غيرهم من كفاءة وخدمة للجميع، ولهم الحق فى انخراط العمل الحكومي كما لهم حق حماية الحقوق والواجبات، ويكفل الدستور الصومالي بذلك لهم، وإن خلاف هذا الأمر جريمة يعاقب عليها القانون، ونسأل الله السلامة والعدل والمساواة في حميع مؤسساتنا.

تعليق واحد

  1. إسماعيل الصومالي

    لولا التميز و التوظيف على اساس 4.5 و المحسوبية وابن عمي و ابن خالتي
    لما حدث التفجير الدامي الذي حصل في مجمع المحاكم.
    بريطانيا و الولايات المتحده تنبه بقرب تفجيرات ارهابية و مسؤول الامن القومي يقول لا خوف و لا حرج
    لماذا لم يقال او يقدم استقالته ( يا سيادة رئيس الوزراء) ام ان نظام 4.5 القبلي فيتو على رقبتك

%d مدونون معجبون بهذه: