حين تضيع البوصلة يدنّس المقدّس

كثيرون لاحظوا الفترة الماضية، شدّة تألّمي واشمئزازي من تعصّب الناطقين باسم جيل كامل من أبناء منطقتي “جمهورية أرض الصومال”، وكثيرون هم من عاتبوني على أخذ الأمر على محمل الجد، وكثيرون هم أيضًا ممن قالوا أن مخاوفي من احتراق القيم في اتون اللهفة على الاعتراف، ليست في محلها ولا تعبّر عن واقع.
لكن لرب الأقدار مشيئة أن يُثبت وجهة نظري تلك، ويُظهِر كمية ما يحمله البعض، من قدرة على الكذب والتدليس إلى حدّ التدمير وتشويه الذات، في سبيل الاستمرار في المكابرة، وحين أقول المكابرة لا أعني الإصرار على الاستقلال والرغبة في الاعتراف الدولي، بل أعني المكابرة لدى بعض من نراهم عقلاء، عن الاعتراف بسوء المسلك وإنحطاط الأخلاق، الذي نراه استشرى في ما يطالعنا به كثيرون ممن يتصدّون لما يرون أن فيه الدفاع عن “أرض الصومال”.

( أرض الصومال وإسرائيل؟!)[1]

يطالعنا أحدهم إذ لا داعي لذكر اسمه، ولا صفته ولا توجهه السياسي، بمقال باللغة الإنجليزية ينشره في صحيفة للكيان الصهيوني، يقرن اسم “أرض الصومال” باسم الكيان، ويأخذنا في رحلة من النواح على أنه تم “زرع” الكره ليهود في قلوب الصوماليين من قِبَل العرب، ولأن “أرض الصومال” ليست عضوًا في الجامعة العربية ـ لأنه ليس معترفًا بها بالطبع ـ، فإن الأشرار الحقيقيين هم “الصوماليون”، لأنهم مع العرب!

ثم يكمل الرحلة للحديث عن علاج بعض الناس، لا ندري عن أي فترة يتكلّم و عن أين أصيب من أصيب سيؤوا الحظ الذين ساقهم القدر ليصبحوا أداة للمزايدة، في حالة مسلية من الغموض، ولا يعطينا أي معلومة ذات فائدة، خلال مقاله الذي قارب الصفحتين.

أنني لن أتطرّق إلى قيمة المقال المعرفية، أوالموقف الشعبي الحقيقي لأهالينا بأرض الصومال من وجود الكيان الصهيوني من أصله، ولن أتحدّث عن موقفي الشخصي[2]، كما لن أتحدّث كذلك عن المقارنة بين ما يسبّح المذكور بحمده من علاج شخصين، بالنظر لما قدّمته دول عربية من المحيط إلى الخليج للصوماليين، أقلّه الإخاء الذي نشعر به ونحاط به حيث ما كنّا معهم.

لكنني سأناقش مسألة أخرى، وهي التساؤل حول أي مدىً يمكن أن ينحدر الإنسان، في تعصبّه الأعمى، لحدّ يشوّه فيه كل عزيز ومقدّس، فقط لينبطح مرّة أخرى على الطريق نحو وهم تؤكّد الأيام أنه لم يتحقق لأنه لن يتحقق، وأهم أسباب استحالة تحققه، دناءة المدّعين أنهم يدافعون عنه.

حقيقة إن المقال الذي اطلّعنا عليه لسوء حظنا، لا يقرع ناقوس الخطر فحسب، بل يخبرنا إلى أي درجة تدهورنا نحن أبناء المنطقة، بحيث أن معظمنا يسكت على الباطل، لمجرّد أنه “قد” يقرّبنا لغاية ما، وكأننا لن نُحاسب فردًا فردًا على اعتيادنا لغض الطرف عن الإساءة التي يقوم بها بعض الناس يوميًا، لما نقدّره وهم يقولون بمنتهى الوقاحة أنهم يصونونه.

السفيرة الإسرائيلية في أثيوبيا تنفي تجاوب الحكومات بأرض الصومال مع المساعي لفتح قنوات تواصل قد تؤدي لعلاقات مستقبلية

السفيرة الإسرائيلية في أثيوبيا تنفي تجاوب الحكومات بأرض الصومال مع المساعي لفتح قنوات تواصل قد تؤدي لعلاقات مستقبلية

اليوم اسم “أرض الصومال” تم تدبيسه بجانب الكيان الصهوني، على يد أحد الأبناء الغيورين على الجمهورية المقدّسة، ولم يعد ممكنًا اعتبار أن الكلام عن العلاقة “المفترضة” بين حكم أرض الصومال و ذلك الكيان الاستيطاني الظالم، مجرّد اتهامات يسوقها صوماليون من أطراف مناوئة للحكم في هرجيسا، في طمس لحقيقة أن الحكومة رفضت أي تعاطٍ مباشر أو رسمي مع الكيان، رغم محاولاته الاتصال بها طوال سبع سنوات فائتة 2005-2012[3].

إن أرض الصومال اليوم تم وضعها على يد أحد “أخلص” أبنائها، على مرمى نيران المناوئين، للعمالة والتطبيع مع الصهاينة، كما وضعها آخرون مرارًا بسوء اخلاقهم تحت مرمى نيران المناهضين للسفاهة والتعصب القبلي، والمشمئزين كذلك من الترويج للبحث المتعطّش عن الثأر الدموي، خارج القانون والشرع والقيم الإنسانية، وكل ذلك بحجّة تقديس الكيان السياسي المبتدع.

هل سيكون اسم الشيطان هو القرين التالي لأرض الصومال؟!

يقول أحد الإخوة المتابعين لصاحب المقال وكتاباته، ولا أظنه بعيدًا عن الحقيقة مما لمسته من غيره من المتعصبين، أن الرجل مدافعٌ دائمٌ عن قضية استقلال “أرض الصومال ـ ولا بأس في ذلك ـ، إلّا أنه فقد عقله “تمامًا” بعد استدعاء الحكومة البريطانية لقادة الطبقة السياسية بـ”أرض الصومال” لحضور “مؤتمر لندن” في شهر شباط/ فبراير من العام الماضي!

إذًا فلستُ أنا الوحيد الذي يعتبر حضور المؤتمر، علامة فارقة في مستقبل شبه الجزيرة الصومالية كلها، وأرض الصومال تحديدًا، لكن الفرق بين ما ننحو إليه، وما يوغل البعض في ارتكابه، أننا نقول أنه يجب أن يتعامل الجميع بعقلانية مع الاحتمال الراجح لالتئام الوحدة من جديد، في ظل فشل الحكومات المتعاقبة منذ سنة 1991، وعجزها الظاهر عن القيام بأي من الخطوات المنطقية باتجاه الاعتراف الدولي، الذي كان من المنطقي أن يمر بـ”مقديشو” أولًا.

وعليه فمن الضروري للجميع أن يأخذوا نفسًا عميقًا، ويراجعوا ما يحملونه من قيم إنسانية ودينية واجتماعية، ليعرفوا ما الذي يقع ضمن المقبول، وبين ما هو ضمن المحظور، الذي يجلب العار لكل ما يمثلونه، هذا كل ما نطلبه و نرجوه، قبل أن نجد سلوكيات أخرى أو مقالًا آخر يكون عنوانه “أرض الصومال والشيطان”.

---------------- هوامش -----------------------
  1. المقال مدار الحديث : http://www.jpost.com/Opinion/Op-EdContributors/Article.aspx?id=306330 []
  2. والدنا ـ حفظه الله ـ تطوّع في معسكرات التدريب بالكويت سنة 1973، وتم تسريحه مع رفاقه من هناك بسبب وقف إطلاق النار. []
  3. السفيرة الإسرائيلية تنفي تجاوب الحكومات بأرض الصومال مع المساعي لفتح قنوات تواصل قد تؤدي لعلاقات مستقبلية: saraarnews.com/?p=8290 []

9 تعليقات

  1. اؤيد كاتب المقال في الرجوع الى العقلانيه والواقعيه في موضوع شمال الصومال للعوده الى التفاهم مع ابناء جلدتهم وعدم التصلب الارعن الذي يصب في مصلحه تفريق الامه

  2. ارض الصومال دولة قبلية متخلفة قائمة على نظم تافهة اما الاخ عبد الرحمن عبدالله انا من ارض الصومال وانا يقربلي واعرف قيادات كثيرة في ارض الصومال واعرف العديد من المثقفين في ارض الصومال استطيع ان اقول لك ان 88% منهم يؤمنون بان الوحدة افضل مليون مرة من الانفصال اثنين سياد بري قتل كل الصوماليين دون تميز وعذب الصوماليين دون تميز الرجل كان شيوعيا ثم ان سيلانو كان وزير التخطيط او المالية في عهده وهرب في نفس الوقت الذي هرب فيه عبدالله يوسف وقوات اس ان ام هاجمت هرجيسا قبل سياد بري عموما اذا اردتم الانفصال فانفصلوا ولكن بدوننا اي سكان سوول وسناج

  3. لو العالم كله وقف مع الصهاينة احنا نبقى الوحيدن ان شاء الله

    كاتب المقال لا يمثل الا نفسه وشعبنا في أرض الصومال بريئ منه كبراءة الذئب من دم يوسف… فقط الفكر حصري عليه لكنه دليل بخطر قادم تدك عقول الكثيرين , بفعل العولمة التي تغلغلت في عقول الجيل الصاعد.

  4. هذا طبعا ليس قرارا سياسيا من أرض الصومال.. وليس خيارا شعبيا.. فقط بعض المنحرفين فكريا، ممن تشكلت عقلياتهم في محاضن الغرب ومدارسه حيث تتشرب الأذهان الأسفنجية الخزعبلات والنجاسات بدعوى العقلانية أو المصلحة دون اعتبار أي مبدأ أو تاريخ..
    ومثل تلك الشخصيات لا يثير العجب
    أرجو أن البعض لا يتخذ من مثل تلك العقليات المريضة دليلا لكيل التهم لإخوانه المسلمين

    ولكني ما زلت أتساءل عن سر الوثيقة المنسوبة إلى رئيس أرض الصومال الراحل محمد إبراهيم عجال والتي خاطب بها رئيس الوزاء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين ، ومصداقيتها ، وقد نشرتها آنذاك صحيفة القدس العربي ..

    وشكرا للكاتب

  5. عبدالرحمن عبدالله عثمان

    اخي انا من ارض الصومال واعيش في ارض الصومال كنت ارى الوحدة شيئا ممكنا ومفيدا لنا ولكن اكثر او اغلب الشعب لايرون ذلك فهم يتذكرون 88 وزياد بري والوحدة المشؤومة يعرفون اذا اتحدوا فانهم لن يلقوا شيئا بل سيبعدون سياسيا لن يرضى اهل الصومال ان يتولى شخصية من ارض الصومال اي منصب كالرئيس ورئيس الوزراء لن يقبل في اي محاصصة سياسية اخرى فاهل ارض الصومال لايثقون بالصومالين لانهم جربوهم الوحدة اختيارية وليست اجبارية فعام 60 جربنا الوحدة فخبرناه والان لن نريدها فارض الصومال هي افضل بكثير وهي منفصلة يا اخي انت الذي تعيش منعزلا اذهب الى ارض الصومال وشخص الحالة بنفسك وناقش الشعب واسل واحد واحد واعمل استبيان فستعرف النتيجة قلنها مرة وسنقولها الف مرة لا المجتمع الدولي ولا الاقليمي سيثني على قرارنا لو ضغطو علينا الف مرة

  6. كتابة رائعة كما تعودنا دائماً من قلم سيال .

    المقال الذي كتب في الصحيفة الإسرائيلي ليس نابعاً من سياسة تنتهجها أرض الصومال لتطبيع علاقة مع الصهاينة، وهذا من حسن ظني بالجمهورية الغالية ( أرض الصومال )، وربما كان جانبه الأكبر مجرد استعطاف اسرائيلي لتقديم يد العون لمرضى صوماليين في اثيوبيا أي الارتماء في حضن العدو، لكن كاتبنا يجافي الحقائق ويدنس المقدس ويمس بالثوابت كل هذا من أجل دعم اسرائيلي، وماهكذا تستعطف القلوب القاسية، وكرهنا لاسرائيل وأمريكا والغرب المتصهين لايحتاج إلى تمويل عربي بل موغل في أعماقنا وفطرتنا وحنفيتنا .. شكراً يامحمود.

  7. عبدالرحمن عبدالله عثمان

    يا اخي هذا الشخص الذي كتب المقال اسرائيل وارض الصومال فانما يمثل نفسه اي شخص من صوماليلاند يكتب تفاهات انما يمثل الى نفسه فلا تقحموا صوماليلاند في تفاهات شخص قالها وهو سكران اخي هل المحاكم الاسالمية واللصوص وقطاع الطرق والكلاب وامراء الحرب والمتطرفين والقراصنة يمثلون الصومال ام يمثلون انفسهم اما انت ساقول لك شيئا اذا تحب الوحدة فهذا شانك فاترك للشعب الصوماليلاندي يقرر مصيره فمصيره في يده اما ان ينفصل او يتحد مع الصومال لا انت ولا حسن شيخ محمود يقرر بدلا منه الشعب حتى سيلانيو لا يستطيع ان يقرر الوحدة دون اخذ موافقة الشعب فالشعب هو مصدر السلطات لو اقيم تعدد سكاني في صوماليلاند واخذ بعده استفتاء على الوحدة او الانفصال لاختار اغلب الشعب الانفصال فقد جرب الشعب الوحدة فهم قادة الوحدة وحلم الصومال الكبير لكن لن نظلم مرة اخرى الوحدة ستجلب الاصطهاد والابعاد السياسي لنا والتنموي لن نحصل شيئا من الوحدة الى قتلنا ……

    يجب ترك الشعب الصوماليلاندي يقرر مصيره من زيلع الى تليح اما الوحدة واعتقد انها بعيدة واما الانفصال وترك الصومال وشئنها لا انت ولا انا من يقرر فاني ارك دائما تتبع عورات صوماليلاند وتترك عوراتك انت فاشل والصومال فاشلة دائما نحن فكونا دولة وبرلمان وانتخابات وجيش وشرطة وخفر سواحل من لاشيء وانتم تكالب عليكم الامم ولم تفحلوا حتى الان انتجم المجاعة والقرصنة والتطرف وامراء الحرب والفساد عيب عليك يا رجل ان تتبع عورات صوماليلاند وترك عورات مكشوفة للعالم

  8. عبد الرحمن محمود علي عيسى

    الغاية تبرر الوسيلة، هذا ما نادى به ميكيافيللي، وهو ما طبقه صاحبنا كاتب المقال.في هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها بلادنا،وخاصة أرض الصومال أرى أنه لا بد من وقفة مع النفس لمراجعة سياسات العقدين السابقين بهدوء أعصاب، وأعتقد أنه حان الوقت لإتخاذ قرار شجاع بما أن أفضل تعريف للسياسة هو أنها فن الممكن وليس صنع المستحيل والسير عكس التيار.
    لا أحد يريد أن يملي على شعب أرض الصومال ولا ساسته أن يفعلوا كذا وكذا ولا يفعلوا ذاك ولكن المطلوب الاستجابة لتحديات اللحظة وتقييم الوضع المحلي وتشخيصه بشكل صحيح وكذلك الوضع الإقليمي والدولي فلا أحد يستطيع اليوم أن يعيش في جزيرة منعزلة عن العالم
    وتحياتي لأخي محمود عبدي

%d مدونون معجبون بهذه: