مشاهدات وانطباعات (2)

….وبعد مجيء الاستعمار بدأت الحروب، ولم يكن يوما حرب عدوان ومطامع؛ وإنما كان دفاع عن حق ورغبة في الحرية، ومن أجل رفع الظلم والضيم ونيل الحقوق بكل وسائل المتاحة التي تتناسب ومع ظروف الأمة، فقامت الثورات التحررية التي كانت من أعتى ثورات العصر طولا وصبرا وصمودا، والجبهات المسلحة التي واصلت كفاحها ضد المستعمر،  ولم تنقطع مسيرتها رغم قلة النصير وشحّ الموارد وبدائية الوسائل.

الحرية مطلب كل الشعوب والبشرية جميعاً تعشق الحريّة وتتوق إليها والبحث عن الحرية وكراهة الرقّ والاستعباد والاستبداد، ومصادرة الحرية جبلّة إنسانية بل هي مسألة حياة، وقد سلكت الشعوب الثائرة شتى الدروب بحثاً عن الحرية والعيش الكريمة، وأفرز الكفاح قامات ورجالا وهبوا دماءهم في سبيل الوطن، وكتبوا في سجلنا التاريخي أيام لا تنسى، وذكريات لا تمحى ومواقف خالدة كتبها العظام في صفحات التاريخ بمداد دمائهم لا بحبر أقلامهم، ومن ثم اكتسبوا الهيبة في قلوب المواطنين، وحفرت في الذاكرة بحيث يصعب نسيانها بمرورالأيام وتعاقب الشهور والأعوام، ويستحيل أن يعتريها دجى النسيان؛ لأنها كتبت على شغاف قلوبنا، وهي بالتأكيد تأصيل وتوثيق مدى حياة هذا الشعب وقوة شجاعته ورباطة جأشه وقوة شكيمته.

مرت سنوات وتغير العالم ومعه تغيرت سياساته وأهدافه ومصالحه، وأثّرت التغيرات المتلاحقة في كل ميادين الحياة وصبغتها بصبغتة العدوانية والانتهازية وهضم حقوق الآخرين، وبدأ صراع العمالقة الذي يدور اليوم حول السيطرة على مصادر الطاقة والمواد الخام والمواقع الإستراتيجية، ويتحرك فيه المتغيرات السياسية والاجتماعية والضغوطات الاقتصادية، مما أدخل العالم مرحلة الاستقطاب والتكتلات السياسية والاقتصادية وتقوية قوى الناعمة التابعة لها وأذرعها الأخطبوطية، وحرصت الدول العظمى بنهب أكبر قدر ممكن من خيرات الدول النامية، وتدمير مصالح المستضعفين، وتكبيل حركتهم وإرهابهم، يلوحون الجزرة تارة والعصى تارات، وحرصوا على حفظ مصالحهم، ونسيت هذه الدول في خضم هذا النفاق الأخلاقي والسياسي ووسط هذه الأمواج المتلاطمة من الطمع والجشع  كل الأخلاقيات والأعراف الدولية، وتجردت كل الأوصاف النبيلة والمشاعرالإنسانية، ونسينا نحن وفي ظل الهيمنة المطلقة للمعسكر الغربي في إدارة العالم الذي هو بالضرورة يحمي مصالحه ومصالح حلفائه في العالم، وخاصة إفريقيا التي تأتي إثيوبيا في مقدمة تلك الدول، والتي تسهر الدول الغربية لحفظ أمنها وديموغرافيتها وتنويعها الإرثي والحضاري وتفوقها العسكري في القارة السمراء أو في القرن الإفريقي على الأقل، نسينا أو تناسينا أن السياسة هى فن استنزاف الخصم، وهي كالحرباءة تتلون حسب الوضع وحسب البيئة، والظروف هي المستحكمة في علاقتنا مع الآخر، وابتعدنا عن المرونة والتكتيك المثالي لإدارة الأزمات وطرق كل الأبواب الممكنة؛ لتقليل وطأة المستعمر ، في هذا العالم الذي أصبحت القوة هي السياج الوحيد لحماية الضعفاء، بل أصبحنا فرقاء متشاكسون، وفرقاء متناحرون، ويجدر بنا الآن أن نتساءل ونقيم أنفسنا أين نحن وبعد حروب دامت أكثر من أربعة قرون؟ وهل يمكن بإرادتنا المترهلة وصفوفنا المتشتتة وبإمكانياتنا البدائية الضعيفة أن نواجه هذه القوى وترسانتها العسكرية والاقتصادية الهائلة وإمبراطوريتها الإعلامية الجبارة.؟ يجب أن نتلمس دروبا آمنة وطرق مدروسة للخروج من عنق الزجاجة.

بسبب المستجدات التي وقعت في العقدين الآخرين من القرن العشرين، والعقد الأول من الألفية الثالثة والتغييرات الكثيرة التي طرأت في الخارطة السياسية والتركيبة الاجتماعية في العالم عامة، وفي القرن الإفريقي خاصة بذهاب أنظمة حكم ومجيء أنظمة جديدة، وسقوط الاتحاد السوفيتي، وماتبعه ذلك من انتهاء الحروب الباردة، واستسلام المعسكر الشرقي، وخروج المعسكر الغربي منتشيا بنشوة الانتصار، وكون العالم أحادي القطبية وانهيار الدولة المركزية الصومالية، ونظام الحبشي القمعي والعنصري في إثيوبيا واستيلاء مقاليد الحكم في إثيوبيا الجبهات الأكثر انفتاحا وتعقلا وقبولا بإرادة الشعوب، كان من المفروض أن نغير أبجدياتنا السياسية، ونجدد النية ونشد العزائم وندرس المواقف ونقرأ اللعبة السياسية، وأن نقوم بمحاولة جادة لتفعيل دور المجتمع في الكفاح المسلّح وإشراك جميع القبائل والفصائل في صنع القرار والحكم، والتوزيع العادل للثروة والسلطة بطرق شفافة لأهميتتها ودورها في انصهار الشعب في بوتقة واحدة، وكسب الثقة؛ لأن المسألة  كانت في غاية الأهمية، وكانت محل شك وحزازية بنظر بعض القبائل، وبدلا من السعي بإجراءت تقوم على رغبة الجماهير، ومن مرير السخرية أخذ بعض الجهات بإقصاء الآخرين، وتبنت سياسات غير رشيدة، وأبعادا لا ترضي شرائح وطيف واسع من المواطنيين، هذا السبب وأسباب أخرى لا تخفي على أحد بدأ الشعب يضعف وبدأت الإرادة تلين، ويبتعد عن الحركات التي عقدها بآمال عريضة وأصبح غير مقتنع بأهدافها وسياساتها؛ وبالتالي فقدت الحركات زخمها وقاعدتها الشعبية العريضة، ولم تفهم الحركات الظروف المحيطة بها، ولم تستيقظ من سباتها ولم تغير من أجنداتها واهدافها تماشياً مع هذا المتغيرات التي أثرت حياة الشعوب إلا وقد وقع الكوز في الجرة، وبلغ السيل الزبا، وظهرت أمور جديدة في الساحة؛ حيث كثرت الاعتداءات الداخلية بين الناس، وتعرضت النفوس للهلاك والأموال للنهب والأعراض للاغتصاب، وانعدمت الرؤية الصحيحة، واختفى الأمل عن الساحة بسبب رعونة المواقف وعدم احترافية وجدارة السياسة التي ما فتأت تشحن الأجواء، وتباعد الأفكار حتى الجبهات المسلحة التي كانت تدعو إلى تحرير الوطن والمواطنين أصبح همهم الوحيد وشغلهم الشاغل تصفية الحسابات، وإبادة بعضهم ومسحهم من الوجود بإيحاءات  بعض الدول التي لها أجندتها السياسية المشبوهة، واستخدمو الشعارات البراقة ستارا لجهالاتهم، وما زلنا نعيش الأسى والألم والجرح والحرن الشديد لما يحدث في الوطن من قتل وتشريد….. مقتل أي شخص أو اعتدائه هو حادث مأساوي تحت أي ظروف وتزداد المأساة عمقاً حين يكون الشخص بريئاً، وتكون المأساة أكبر حين يكون القاتل هو الأطراف المنوطة بحماية الأبرياء من مثل هذه المخاطر، وخاصة إذا كان الشعب مبتلى بالحروب والكوارث.

المواطن لا قيمة له يلتحف الثري، ويستظل بالسماء، وتفري بطونه الأمراض والعلل، وما زال يكافح ويناضل معركة لا يجد معينا ولا ناصرا إنها أم المعارك أو المعركة الأشرس في الساحة معركة الأمعاء الخاوية، وما زال يحدوه الأمل ويرواده الحلم الجميل بلا قيود ولا هموم، وتقرأ على جباههم سطور اليأس المشوبة بانتظار الفرج.

ما يدهشني هو كيف أصبح  الشعب الذي يمتلك اغزر وأغني ثروات المواد الخام ومصادر الطاقة والمواد الخام والموقع الاستراتيجي والمساحات الشاسعة الصالحة للزراعة والثروة الحيوانية الأكثر ربما في القارة الإفريقية، والوطن الذي حباه الله كل أنواع الخيرات من جمال الطبيعة وأشجارها العملاقة المعبّقة بروائح البخار الممزوجة بعطر نباتها المتسلّقة والمعادن النفيسة والأنهر الجارية يعيش الآن حالة يرثي لها، وفرّ منه كل الكفاءات الوطنية المتعلمة والرموز الدينية والأخلاقية مما أدي إلى اضطراب الموازين واختلال الرؤيا، واختلاط الأوراق واختفاء الأولويات واختباء جذوة العقل، والتمسك بثقافة القشور ولغة القوة، والسباحة عكس التيارات الحضارية وتكوين عقلية متصلبة متعصبة في أفكارها وموغلة في البدائية مما أوقف عقارب الزمن والتقدم في الوطن، وتضافرت كل هذه العوامل، وتخمرت كل هذه العناصر، وجعلت الوطن مسارح ساخنة وكتلة ملتهبة، واليوم أقصي مما يتمناه هذا الشعب هو تأمين لقمة العيش وإيجاد طريقة آمنة تكفل له حياة مستقرة إزاء تجمع ثالوث المرعب الحروب وسيطرة المجاعة والفقر المدقع.

الشعب وقع بين فكي الكماشة … ودوامة الحروب التي لا تعرف التهدئة، ويئس من الحلول العبثية التي لا تخلو من السذاجة، وتسلل الخوف تدريجيا ليكتسح مساحات شاسعة ملأها بالتفاؤل والتلهف إلى سلام دائم.

يمر الوطن في حالة ليس العقل بقادر على الاستيعاب، ولا القلب بقادر على الاحتمال، يمر بأزمة حقيقية لعل أخطر سماتها هذا التناحر وركوب الأهواء التي لا تتعظ، ولا تستفد من دروس التاريخ؛ لأن التاريخ شعاع من الماضي يضئ الحاضر والماضي، والتي لا تتدبر ما يجري حولها، ولا تلقي أي اهتمام بالمسيرة الطويلة، وما هي المحصلة النهائية بعد صراع طال أمده ولم يبرح في المكان الذي بدأ منه بسبب الأطروحات الغبية التي  أجهضت كل الآمال والتطلعات، نار ودماء جيل ضائع وجيل من الانتهازيين بروح رسّامين يرسمون المشانق والمذابح، واكتظ من الساحة دمار  ولاجئين أثرياء، حرب وجوعى حرب سفاحين وضحايا خراب هنا وخراب هناك لا شيء أقدح وأسوء وأظلم من الحروب؛ لأن معظم الضحايا لا علاقة لهم بالأمر، وحدهم البسطاء يموتون والمجرمون في عواصم العالم يتذمرون من كثرة الملح في الحساء، وأصبح الوطن كهفاً نام فيه الملايين أحقاباً، وقد خرج كثيرون من الكهف هروباً أو نزوحاً أو هجوراً.

بعد دوامة الصراع الذي  لا ينتهي، والتي تدور معظمها بحلقات فارغة بسبب القصور الشديد والعثرات الكثيرة التي واجهت القضية لا بد أن يقول الواقع كلمته؛ لأن الوضع لا يحتمل أكثر من هذا عشرات الشهداء وآلاف الجرحى وملايين النازحين الذين تركوا ديارهم وأوطانهم إلى بلاد مجاورة وأخرى بعيدة يتعرضون خطر الذوبان، ويواجهون هواجس الحفاظ على الهوية والثقافة، وتحديات جمة من العنصرية والمضايقة والمطاردة والاعتقالات المنظمة في ظل ظروف اقتصادية وأمنية بالغة الصعوبة، الوضع المزري والحالة الكارثية لا يمكن أن تستمر بأي حال من الأحوال، فالسيف المسلطة على الرقاب التي عوقت كل الحركات لا بد أن تنتهي …الوضع لا يحتمل مزيدا من البارود ومزيدا من العقاب الجماعي والتشريد، من الصعب أن يستمر هذا الكابوس المخيف والسيناريو المرعب، ولا يمكن أن يواصل عقلنا في التيه والسرحان وارتكاب الحماقات، بل يجب أن نجعل للعقل مساحة أكبر من العاطفة وأن ياخذ العقل حيزه المطلوب، ومكانته الطبيعية؛ ليقودنا إلى بر الأمان، والتغلب على هذا المرض العضال والسم الزعاف الذي أدي إلى التآكل والتفتت والتشتت.

نحن مثل شمعة مطفأة لا يمكن إشعالها، وهي في مهب الريح، ولا نملك مقومات البقاء والصمود في وجه العواصف والأنواء والحروب غير المتكافئة، وغدر الأقرباء.

 نحن في مرحلة حرجة وبالغة الصعوبة في تاريخنا الطويل، ولكي لا نصبح مجرّد شظايا متناثرة ومتصارعة لا بد أن ينتهي الحرب الذي لا نزال نتلظّى  بنيرانه،  إما بحد السيف(رغم أنه بعيد المنال برأيي )أو بقوة الديبلوماسية والمفاوضات، ومهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر وبزوغ شمس النهار ، وآن الآوان أن يرتاح -ولو قليلا- هذا الشعب الذي تتقاذفه الأمواج وتلتهمه المجاعة، والذي يقوده حفنة من الانتهازيين الذين لا يعنيهم سوي جني الملايين وكسب الدولارات بطرق ملتوية متسترين ومتدثرين بقضية الأمة.

2 تعليقان

  1. شكرا أختي إفراح بارك الله فيك

  2. ماشاء الله استفت مقالتك وبرك الله فيك يا اخي الكريم

%d مدونون معجبون بهذه: