وداعا أيها الرئيس

سعادة الرئيس، كنتُ من أشد المعارضين للمحاكم الإسلامية التي كنت تتزعمها لأسباب كنت أري أنها موضوعية، ولم أخف معارضتي بل رفعت صوتي عاليا، وحاولت أن أوصلك شخصيا رأيي حول بعض مكامن الخلل في المحاكم الإسلامية بغرض معالجتها؛ وذلك من خلال إحدى حلقات برامج “حوارات حية” لموقع إسلام أن لاين في 2006م وجهت لك سؤالين: كان أولها، نظرا لأن القوة الضاربة للمحاكم الإسلامية هي ميليشيات قبلية كانت متورطة في الحروب الأهلية التي وقعت في جنوب الصومال منذ سقوط الحكومة المركزية، هل من المعقول أن تلك الميليشيات القبلية تحولت بين عشية وضحاها من قطاع طرق وعتلات في أيدي أمراء الحرب الي إسلاميين يعملون علي رفع الظلم عن المظلومين؟ وكان سؤالي الثاني:ماهو موقفك من الطريقة العشوائية التي نفذتها إحدى “المحاكم الشرعية” المنضوية تحت لواء المحاكم الإسلامية في مقدشو حكما بالقصاص؛حيث قام شباب من أولياء دم المقتول بالقصاص علي قاتل أبيه طعنا بالسكين لعدة مرات إلي أن لفظ أنفاسه الأخيرة أمام حشد من الجماهير.

فمن خلال سؤالي الأول كنت أحاول أن ألفت عنايك أن الميليشيات القبلية التي ساندت المحاكم الإسلامية قد تكون العقبة الكبيرة أمامكم بعد ما تهدأ العاصفة وينجلي الغبار الذي صاحب إخراج أباطرة الحرب من مقدشو. كنت أعتقد أن ولاء تلك الميليشيات العشائرية قد يؤدي إلي اقتتال داخلي فيما بينها أو قد تجر نظام المحاكم إلي حروب لا طائل منها، ما يجعل حالة سكان جنوب الصومال المتعطشين إلي السلام كالمستجير من الرمضاء بالنار.

أما السؤال الثاني فكنت أحاول من خلاله أن أعبر عن رأيي بأن تعدد الرؤى والأفكار بين قيادات المحاكم الإسلامية والفوضي الخلاقة في تنفيذ الأحكام يمثلان كعب أخيل المحاكم الإسلامية رغم قوتها من الناحية العسكرية والتأييد الشعبي التي كانت تحظي به في ذلك الوقت.

ولكنك -سعادة الرئيس- كنتَ في منتهى الدبلوماسية في إجابتك عن كلا السؤالين، حيث دافعت عن تلك الميليشيات القبلية بصورة أو بالأخرى، وبعد ذلك توالت الأحداث وسقط نظام المحاكم الإسلامية، ودخلت القوات الإيثوبية الصومال، وقتلت مئآت الصوماليين وشردت مئآت الآلاف الآخرين، ولست أنت الوحيد المسؤول عما حدث، كل القيادات الصومالية بمختلف اتجاهاتها الفكرية تتحمل مسؤولية الأحداث المؤلمة التي تلت سقوط المحاكم الإسلامية.

شكرا يا سعادة الرئيس، لأنك تبرأت من وكلاء القاعدة في الصومال، وتصالحت مع بقايا حكومة الراحل عبد الله يوسف، وفي نظري بهذه الخطوة التاريخية أثلجت صدور الكثيرين من الصوماليين بمن فيهم صاحب هذه السطور، بحيث حررت نفسك من قبضة الميليشيات القبلية وتأثيرات وكلاء القاعدة وأصبحت رئيسا لكل الصوماليين، فدخلت القصر الرئاسي في وقت تتساقط علي باحاته قذائف الهاون التي تطلقها ميليشيات الشباب، وكانت الحياة فيه شبه مشلولة، وخرجت منه اليوم وميليشيات الشباب تتقهقر علي بعد 100 كيلو من القصر الجمهوري، نعم دخلت فيلا صوماليا في وقت لا يجرؤ أحد من الصوماليين في دول المهجر مجرد التفكير في السفر الي مقدشو، وها أنت ربطت أحزمتك منه في وقت يتقاطر الصوماليون في المهجر من كل حدب وصوب لقضاء عطلاتهم في مقدشو والاستمتاع بشاطئ ليذو في مقديشو، وقد شاهدك الناس تخرج من القصر الرئاسي بعد أيام من انتهاء العرس الانتخابي الذي شارك فيه 25 مرشحا معظهم من الصوماليين في المهجر الذين كانوا ينتقدون سياساتك وهم في أمريكا وأوربا بعيدا عن مسرح الأحداث.

تسلمت الحكم في وقت تضيق الشباب الخناق علي القصر الرئاسي وأحدثتَ تغييرات ملموسة علي أرض الواقع رغم خبرتك الإدارية المتواضعة في ذاك الوقت. جلبت لنا محمد عبدالله فرماجو وعبدالولي جاس اللذين كانت لهما مساهمة لابأس بها في جهود حكومتك نحو تحسين الظروف الأمنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ربما يقول البعض فضل الانجازات التي تحققت في الشهور الماضية في مجال الأمن تعود لعبد الولي جاس أو لفرماجو ولكن لولا اختيارك لهما لمنصب رئيس الوزراء لما تحققت هذه الإنجازات. نسيت تلك الأصوات أن أي انجاز يتحقق في أي مؤسسة سواء اكانت سياسية أو تجارية يعود فضلها الي من يجلس علي قمة الهرم الإدراي لتلك المؤسسة وفقا للعرف الإداري لأنه هو الذي خطط ووضع الإستراتيجيات واختار الفريق الذي قام بتتويج هذا الإنجاز، كما يتحمل هو مسؤولية أي إخفاق يحدث داخل المؤسسة وإن كانت مسؤوليته المباشرة لهذا الإخفاق تكاد تكون ضئيلة أو منعدمة.

شكرا يا سعادة الرئيس، لأنك عينت محمود ترسن عمدة لمقدشو. محمود ترسن الذي قام بتركيب أعمدة للإنارة تعمل علي الطاقة الشمسية بشوارع مقدشو ليس فقط لإضاءتها بل لتحقيق هدف اكبر منه وهو كسر حاجز خوف كان خاثما علي صدور سكان مقدشو مند عشرين عاما. ترسن الذي قال بعد تعيينه أن من أولوياته تحرير سكان مقدشو من الخوف والظلام والقمامة التي عاشوا فيها في السنوات الماضية وتقبلوها وكأنها طبيعية وحقق نجاحات نسبية في هذا الاتجاه.

في ظل حكمك تم إعادة تشغيل التلفزيون الوطني الذي تحدًي وقاوم سياسة تكميم الأفواه المفروضة علي الإعلام المحلي من قبل جهات عدة. التلفريوني الوطني الذي اوصل برامج الحكومة إلى كل بيت صومالي في كل ارجاء المعمورة وقام بتعبئة الصوماليين خلف الحكومة في وقت كانت تسيطر فيه على الساحة محطات إعلامية يغلب في تغطياتها الطابع الإقتصادي.

ببرغماتيتك استطعت التعامل مع كل الفصائل المؤثرة في المشهد السياسي الصومالي، والدول الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الصومالي. ما يستحق التوقف عنده هو اجابتك لسؤال أحد الصحفيين الصوماليين عن تعليقك علي تصريح لمبعوث الأمم المتحدة للصومال أوغسطين مهيغا التي قال فيها أن انقلابا ناعما تقوده حركة “آل الشيخ” حدث في القصر الرئاسي. فكانت اجابتك  “اذا تم التأكد بأن مهيغا هو الذي قال ذلك. فإن الرجل قد فضح نفسه”. هذا التصريح يعبر عن نضوجك السياسي وتمتعك بالذكاء العاطفي وليس بأنك خائن أو متآمر مع العدو كما يحلو للبعض وصفك به. هذه هي قمة الدبلوماسية التي كان يجتاج اليها الصومال في تلك الفترة الحرجة.

سعادة الرئيس ، تستحق تقليدك بأرفع  الأوسمة وسيسطر التاريخ إسمك بسجل من ذهب لأنك تسلمت قيادة سفينة ركاب اصابتها عاصفة هوجاء في عمق البحر في ليلة ظلماء ووصلتها الي قرب الساحل. اتأسف جدا لأنك لم تتح فرصة جديدة لتوصيل ركابها الي بر الأمان.

سعادة الرئيس، شكرا لك علي قبولك بالهزيمة وتهنئتك للرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود وهي خطوة لم نتعودها من السياسيين الصوماليين الا القليل منهم. رئيسنا الجديد هو سياسي مبتدئ ربما يحتاج الي سنتين علي الأقل حتي يكتسب نفس الخبرة التي عندك اليوم ولكن هذا هو خيار أغلبية أعضاء البرلمان فضلا عن خيار اغلبية الشعب وأدعو الله أن يعينه علي هذه المهمة العسيرة.

أتمني لك حياة سعيدة خارج أسوار فيلا صوماليا إن شاء الله.

4 تعليقات

  1. asalamu caykum dhamaan walaalaha Ninka qoray Maqalka Quruxda badan iyo walaalaha rayigooda ku biiriyey, hadaan u soo noqdo Maqaalka walaalkeen aad ayaan ugu raacsanahay qaabka uu wax u dhigay. Sheakh Sharif hadii somali dad abaal guda ay tahay wuxuu istaahilaa in lagu Magacaabo mu’asiska Jamhuuriyii labad ee soomaaliya, waxaa mucjiso ah meesha uu ka soo qaaday iyo meesha ay hadda joogto. waxaan ilaah ka baryayaa in madaxweynaha cusub in uu helo wadadii uu ku dhamays tiri lahaa howshii cusleyd ee uu soo qabtay Madaxweynihii hore oo uu san gadaal noo celin. aamiin

  2. كلمة حق
    حقيقة اعتبر هذا الرئيس من عظماءافريقيا والعرب والمسلمين
    فما تحقق خلال فترة حكمه القصيرة للصومال “ثلاث سنوات” لم يتحقق خلال افترة من عام 1991 وهو تاريخ انهيار الدولة الصومالية حتى عام 2009 رغم انه حكم البلاد في وجود اشرس حركة متمردة هي حركة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة الدولي والتي عجزت فيها دول اكثر قوة و تطورا
    شريف شيخ احمد حكم الصومال ووصل مقديشو والقوات الحكومية والافريقية لا تسيطر سوى بضع كيلومترات
    قبل التحدي وصبر وثابر في سبيل بناء الدولة الصومالية فأعاد للصومال دولته
    في عهده اصبحنا نرى علم الصومال في المحافل العربية والاسلامية والافريقية وعادت الصومال الى محيطها الاقليمي والعربي والافريقي بعد ان اختفت لسنوات طويلة
    في عهده اعيد تلفزيون وراديو مقديشو وكذلك وكالة الانباء الصومالية فعززت في نفوس الشعب وطنيته وكسبت الحكومة تأييدا واسعا بعد ان كانت الحكومات السابقة لا تعير هذا العمل شيئا
    في عهده تم تحرير مقديشو بالكامل وجميع المدن والقرى حولها كما حررت جميع عواصم الاقاليم الصومالية وآخرها مركا عاصمة شبيلي السفلى
    بعد ان كانت الحركة تسيطر على معظم البلاد وبالتالي فمعظم الصوماليين يعيشون الان في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وحلفائها
    باختصار شريف شيخ احمد استلم الصومال وهي ” لا دولة” وسلمها بعد ثلاث سنوات” دولة” تتمتع باعتراف وتأييد محلي واقليمي ودولي من خلال الحشد المحلي والاقليمي والدولي .
    قطارالصومال الان تم ايصاله على الطريق السريع ولم يبقى الا الاجهاز التام على حركة الشباب ثم الانطلاق في مسار النجاح والتطور ولن يقبل الشعب الصومالي من القيادة الجديدة الا النجاح بعد زوال الكثير من العقبات

  3. وداعا شيخ شربف , سنذكرك دائما

  4. صراحة الرجل يستحق كل الشكر والتقدير..والتاريخ تسجل اسمه بماء من ذهب..وان كان البعض يعارض بعض خطواته للتعامل في بعض الأمور إلا أن الظروف الصعبة كلفته في كثيرا من تلك الخطوات.ولا أظن أنه كان بمقدور أحد التعامل بالملف الصومالي المعقد جدا لو لا أن الله رزق هالرجل بصبر وتحمل في المشاق..فلا بد ان يرد الشعب الصومالي لهذا الرجل بالجميل فإنه يستحق التكريم ,,جزاه الله عن شعبنا خيرا الجزاء وغفر الله له عن كل زلة

%d مدونون معجبون بهذه: