رداءة الخط.. مشكلة لها حل

مرت علي ثوان.. بل دقائق والابتسامة لا تفارقني بعد قراءتي لمقال( خطي رديء!) للأستاذ: زكريا حسين . المحرر للصفحة. ووافقته ذهنيا على الكثير من الاستنتاجات التي وصل إليها في تبريره لرداءة الخط، وكونها سمة تكاد تكون خاصة بالعباقرة. وأعرف الكثير منهم .. و يحضرني الآن من كبار هؤلاء العالمان الجليلان العلمان: الشيخ الأديب/ علي الطنطاوي. والشيخ العلامة المفكر/ محمد الغزالي، فقد كان خط كل منهما غير جيد بمقاييس جودة الخط المعروفة. إلا أنك تستطيع أن تقرأ بل وتستمتع بالخط أيضا وكأنك تحكي مع روحيهما عليهما رحمة الله.

وبالمقابل أعرف الكثير من العباقرة أيضا، يعد خطهم أحسن من خط الحاسب الآلي ويضرب المثل بخطهم. ومن هؤلاء مثلا: الشيخ العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فقد أطلعني في زيارتي له في التسعينات ما كتبه بخط يده على وجه الغلاف الداخلي لكتاب الإمام اللالكائي كفهرس لعناوين جانبية تدله على صفحات النقاط المهمة في الكتاب.

ومنهم أيضا – على سبيل المثال لا الحصر – أستاذنا الشاعر المبدع محمد الأمين محمد الهادي، المشرف العام على شبكة ( الشاهد) الذي كان خطاطا ورساما من الدرجة الأولى منذ الصغر، إذا كان يتقن حاذقا جميع أنواع الخطوط العربية وقواعدها في وقت لم تكن فيه الحواسب الآلية.

وأظن أن حسن الخط- إلى جانب كونه موهبة ربانية- يرتبط ارتباطا وثيقا بشخصية الإنسان وتكوينها الداخلي، فهناك من هو مطبوع بحب النظام، واتباع الدقة المتناهية في أموره، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة في وضع كل شيء مكانه، وإخراج الصورة الرائعة لما يقدمه، وهذا غالبا ما تتصف به البنات في المراحل الدراسية، حيث أننا نلاحظ أنهن غالبا أحسن خطا من الأولاد حتى وإن كانوا في التحصيل العلمي أحسن منهن. وليس معنى كون خطهن أحسن من حيث الجمال، بل من حيث الدقة والوضوح وعدم تداخل الحروف.. والحرص على اتباع السطر وغير ذلك، مما يكسب الخط تناغما خاصا، وإن لم يستقم مع قواعد نوع الخط الذي تستعمله. بخلاف ما نرى في غالب الأولاد الذكور من حب التخلص من العمل وحشو الصفحة لتقديم أي شيء إلى المدرس، للخروج من ملل الدراسة وكآبة الكتابة.

ومن ناحية أخرى يرجع موضوع حسن الخط ورداءته إلى بدايات التلقي عند الإنسان،عند تلقيه الحروف الهجائية ومبادئ القراءة والكتابة، فما درج عليه من ذلك الوقت يصعب – ولا أقول يستحيل- أن يتخلى عنه في مستقبل أيامه. لذلك قالوا: العلم في الصغر كالنقش على الحجر.

ومثالا على ذلك هو تعودنا عندما بدأنا قراءة القرآن في صغرنا في الصومال كنا نستعمل الألواح – وقد أدركت هذا الأمر واستعملته وإن كنت لم ألبث عليه طويلا حتى استبدلته بالدفتر- وكانت طريقة الكتابة سواء في الألواح أو في الدفتر  باتجاه أفقيّ بحيث تكتب الآيات أو الكلمات واللوح على فخذك بطريقة أفقيه وليست رأسية، فكنت أنا ممن تعود على ذلك. وكنت في المدرسة أكتب بنفس الطريقة. وحتى عندما كنت أدرس في الصومال لم أكن أستعمل السبورة فقد كان تدريسي إما أن يكون خصوصيا تجمعني والطلبة طاولة واحدة، أو على الأرض في الحلقات الدينية.

برزت المشكلة عام 1993 عندما توظفت مدرسا في المعاهد العلمية في اليمن للصفوف الثانوية، فكنت أجد صعوبة في استعمال السبورة، مع أني لست قصيرا، إلا أن الخط كان يميل، فحاولت التغلب على هذا الأمر بالشرح أكثر الوقت، وكتابة النقاط المهمة، واستعمال نصف السبورة، أو بتقسيمها إلى ثلاثة أجزاء عمودية.

ولنأت الآن إلى الجانب العملي لحل المشكلة عند الصغار ويمكن أن ننصح الكبار باتباع نفس الخطوات مع أنفسهم.

فقد بدأنا طريقة بسيطة تتلخص في:

  • التركيز على بداية تعلم الحروف قراءة وكتابة.
  • الاهتمام بوضع الطفل وهيئة جلوسه وطريقة إمساك القلم.
  • تقديم الحروف كبيرة وواضحة كمرحلة أولى، ثم كتابتها مفرغة ليلونها الطالب.
  •  في المرحلة التالية يتم تقديم الحروف في صفحات مسطرة، وكتابة مثلها منقطة أو رمادية بحيث يستطيع الطالب إبرازها بتمرير القلم عليها.
  • متابعة عين المدرس للطالب، وملاحظة من أين يبدأ، وأين ينتهي.
  • التوجيه المصحوب باللطف للطالب إلى قواعد الحروف: فمنها ما يلزم السطر، ومنها ما ينزل جزء منه، ومنها، ما يبدأ من أسفل السطر، ومنها ما يبدأ من أعلاه.
  • أن يتم كل هذا بطريقة تطبيقية لا يمل فيها الأستاذ، ولا يتبرم بل ويحاول أن يساعد الطالب بإمساك يده مثلا، والابتسامة اللطيفة، والعوامل المشجعة الأخرى المتروكة لكل أستاذ وطريقته. وكما يقولون: كل شيخ بكرامته.
  • مع كل هذا نلاحظ أن الموهبة تلعب دورها. لكن العامل الأساسي هنا هو إخراج نماذج من الطلبة، يعرفون النظام في خطهم، ويتبعهم النظام في قراءتهم، ويساعدهم على التفوق أيضا في دراستهم. وقد رأيت في طلبتي نماذج رائعة جدا. من أطفال كانوا مثالا لرداءة الخط في المدارس الحكومية.. والتقارير التي تأتي إلى أولياء أمورهم كانت تشكو من ذلك. إلا أن المولى أعاننا إلى أن تأتي تقارير من المدارس خاصة بهؤلاء الطلبة بأن خطهم تحسن. مع أننا ندرسهم الخط العربي، ومن جانب آخر نرى العوائد الحسنة والنتائج الطيبة في خطهم الإنجليزيّ.

وهدفنا في هذا ليس تحسين الخط إلى درجة أن يكون الموهوب وغيره سواء، لكن هدفنا الأول والأخير أن يتقن الطالب مهارات القراءة والكتابة، ويعرف أن كل ما سعى إليه الإنسان بجهد فسوف يحصله، ولا ننسى أن النظام في كل الأمور هو ما أشارت إليه الآية الكريمة ( الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)

فهناك من يجتبيه الله ويهبه المواهب الكريمة الكثيرة دون جهد كبير يبذله ، ليبلوه ويختبره في كيفية التعامل معها، وكيف سينميها.

وهناك من ينيب إلى الله ويأخذ بالأسباب ويساعده على مبتغاه. وفي كل خير.

هذه كلمات وأفكار انثالت علي بعد قراءتي لمقالك يا أستاذنا زكريا، وليس عندي وقت مراجعتها فما كان خيرا فمنه سبحانه. وما كان من خطإ فمن الشيطان وأستغفر الله.

6 تعليقات

  1. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

  2. حضرة الأستاذ عبد الفتاح سأطبّق نصائحك التربوية ولكنني لا أتوقّع تحسّناً في خطي…..على فكرة كنت أعتقد أن من تعلّم الكتابة على اللوح يكون أحسن خطّاً من غيره، وكنت أعتقد أنها نعمة حرمتها، لأنني تعلمت الكتابة على الدفتر، وأتذكر أنني درست بدايات القرآن حتى سورة الليل على دفتر، وذلك على يد معلّمي أحمد آدم حفظه الله، وهو حيّ يرزق في جيبوتي.
    عموماً سأطبق النصائح علني أجد فيها مبتغاي. وشكراً.

  3. هذه للصغار، ونحن شبنا وكبرنا ورداءة الخط صفة ملازمة لنا، فهل من سبيل الى الإستدراك، وشكرا وجزاك الله خيرا

  4. ولا تنسى أن النظام في كل الأمور هو ماأشارت إيه الآية الكريمة( الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) عبارة وآية استحضرتها بكل عناية تذكرني تداخل الأحكام في الفقه الإسلامي لما للآية من بعد مقاصدي.

    شكرا جزيلا أستاذ عبد الفتاح فقد احتوى مقالكم فوائد جمّة.

  5. اشكر السيد عبد الفتاح على ما خطه يراعه المبدع مقال دسم ورائع ومرتب بافكار بسيطة متسلسله يعبر عن نظام الكاتب واسلوبه في حياته الشخصية ورحم الله الشيخ طنطاوي ابو بنان رحمة واسعه هو والدكتور الغزالي

  6. ما شاء الله … سوف أعلمّ أولادي مبادئ الخط السليم …

    سلمت يداك

%d مدونون معجبون بهذه: