يسألونك عن اللاسلطوية! (*)

[sws_yellow_box box_size=”665″] هذا المقال مهدي إلى زميلتي في النضال من أجل غدٍ أفضل للمجيع نجلاء النخلي مقال في نظريات الحكم والسياسة مترجم من اللغة النرويجية (2) [/sws_yellow_box] [sws_blockquote_endquote align=”right” cite=”ألكسندر باركمان في كتابه: ألف باء اللاسلطوية Alexander Berkman: Anarkismes ABC” quotestyle=”style01″] اللأسلطوية ليست دعوة للإضطراب الاجتماعي، الفوضى وعدم النظام! اللاسلطوية ليست دعوة للسرقة أو القتل! اللاسلطوية ليست دعوة للحرب ضد الجميع! اللاسلطوية ليست دعوة للعودة إلى الهمجية ومرحلة العصر الحجري! اللاسلطوية تعني عكس كل ما هو أعلاه! [/sws_blockquote_endquote]

يقف العالم المعاصر وجهاً لوجه أمام ثلاث أزمات مأساوية هي:

  1. الانهيار الاجتماعي بمعنى: ازدياد الفقر، ازدياد عدد المتشردين، ازدياد نسبة الجريمة، ازدياد نسبة تعاطي المخدرات، ازدياد العزلة الاجتماعية، اللامبالاة السياسية، التجريد من الإنسانية، تدمير الهياكل المحلية للعون الذاتي والعون المتبادل وكذلك الإغتراب.
  2. تدمير النظام البيئي الحساس الذي تعتمد عليه الحياة في هذا الكوكب
  3. الإنتشار السريع لأسلحة الدمار الشامل

تقدم هذه النظرية تفسيراً منطقياً للأزمات المذكورة أعلاه وذلك بتقفي أثارها إلي مصدر مشترك واحد، و يَكْمُنُ المصدرالمشترك لهذه الأزمات في بطن نظام التدرج الهرمي للسلطة الذي اُوسست علي قواعدة كل المؤسسات الرئيسية في المجتمعات المتحضرة سواء أكان نظام الحكم في هذه المجتمعات رأسمالياً، إشتراكياً أو غير ذلك.

يبدأ تحليل هذه النظرية للمصدر المشترك لتلك ألأزمات بتسجيل حقيقة أن كل المؤسسات الهامة في المجتمع تتبع نظام التدرج الهرمي في السلطة، أي بمعني تركيزكل السلطات في يد أفراد قلائل في قمة هرم السلطة، ثم تقوم بعد ذلك بشرح كيف أن العلاقات السلطوية القائمة في نظام التدرج الهرمي تؤثر سلباً على كل من الفرد والمجتمع والثقافة.

التعريف بالنظرية:

اللاسلطوية نظرية سياسية قديمة متجددة تهدف إلى إستبدال التقسيم التقليدي للمجتمع إلى طبقات إجتماعية مرصوصة فوق بعضها على شكل هرم بمجتمعات جديدة قائمة على شكل ” شبكة” Net structure أشبه بالشبكة العنكبوتية الـ Internet حيث يُنْظَرُ إلى أفراد المجتمع بكل تمايز قدراتهم الذهنية و فروقهم الفردية على أنهم متساوون فى الحقوق والواجبات وذلك دون أن يتربع أحد ما في قمة الهرم الاجتماعي ويرزح أخر في القاع.

نستطيع أن نستنبط من الفقرة أعلاه أن فكر هذه النظرية مضاد عن أصالة لكل شكل من أشكال النظم الاجتماعية والسياسية القائمة على شكل هرم في كل مجتمعات العالم بصرف النظر عن كون نظام الحكم في هذه المجتمعات نظاماً رأسمالياً إشتراكياً أم شيوعياً.

تري هذه النظرية أن تمركز السلطة وصناعة القرارات المؤثرة على الحياة فى أيدي فئة قليلة فى قمة الهرم يؤثر سلبياً على المجتمع والفرد والثقافة والبيئة، وعليه يجب تقويض أركان كل المؤسسات القائمة على شكل هرم بما في ذلك الدولة.

يتمحورفكر هذه النظرية على أن يَصْعَدَ النظام في المجتمع من قاع الهرم إلى قمته وليس العكس، أي أن تفرض الأقلية المتنفذة فى قمة الهرم البؤس والشقاء على الأغلبية الرازحة فى القاع.

وللسبب المذكور أعلاه يدعوا نشطاء هذا الفكر إلي إستبدال كل تنظيم إجتماعي ذات شكل هرمي بتنظيم مؤسس على شكل “شبكة اُفقية ” أو ما يعرف بالنظام “الاُفقي” ” horizontal system “.

ويجادل المؤمنون بأصالة هذه النظرية بأن غايتهم ليست – بأي حال من الأحوال – تعطيل نظام الإدارة فى المجتمع بل السعي إلى الوصول إلى مرحلة متقدمة من التطور الاجتماعي يدير فيه الناس مؤسسات المجتمع بشكل تعاونى جماعي وبدون هيكل سلطوي هرمي مؤسس على تركيز السلطة والنفوذ في أيدي فئة قليلة فى قمة الهرم.

تعريف علم / فن الإدارة عند أهل هذا الفكر لا يعنى سوي: “تنظيم العمل فى مؤسسات المجتمع بأسلوب تعاوني أفقي تنعدم فيه علاقه المستبد الذي يصدر الأوامر والتعليمات من قمة الهرم والمرؤسين الذين ينفذون الأوامر في قاع المجتمع.

على سبيل المثال: تدعوا هذه النظرية إلى تنظيم العمل فى مطعم ما باُسلوب تعاوني جماعي بحيث تكون الوجبات جاهزة للزبائن فى موعدها دون أن يكون هذا المطعم مملوكاً ملكية خاصة لفرد أو مجموعة من الأفراد يتولون إصدار الأوامر الفوقية للعاملين في المطعم و يستحوذون بالدخل.

بكلمات أخري يكون هذا المطعم مملوكاً بالكامل للقائمين عليه وتحت إدارتهم بحيث يصبح كل عامل فيه شريك فى ملكيتة وإدارته وليس مجرد أجير يتقاضي أجر شهري معلوم، وبهذا الأسلوب تنعدم الأقلية المتسلطة في قمة الهرم في هذا المطعم.

وللوصول إلى مرحلة الإنعتاق الكلي من تسلط الأقلية المتنفذة على الغالبية الساحقة يسعى الفكر اللاسلطوية إلي تحويل الملكية الفردية لكل وسائل الإنتاج القائمة على إستئجار اليد العاملة إلى ملكية جماعية يكون فيها المصنع المنتج للبضائع مثلاً مملوكاً ملكية جماعية للقائمين عليه.

ذلك لأن من خصائص الملكية الفردية القائمة على إستئجار اليد العاملة تركيز سلطة إتخاذ القرارت فى يد شخص أو مجموعة اِشخاص مما يتولد عنه إستبداد ذلك الشخص أو تلك المجموعة من الأشخاص على مقدرات وحرية كل العاملين فى المصنع وعائلاتهم وهذا يتنافى مع مبدأ “سواسية” الذي هو أحد الأركان الثلاثة الأساسية فى المجمتع الذي تسعى هذه النظرية إقامته على الواقع المعاش.

وتبَرِرُ هذه النظرية رغبتها فى تقويض أركان الدولة بأن الشكل الهرمى – بحد ذاته – هو الذي يصبغ الشرعية على قلة متنفذة وبتدمير هذا الهرم لا تكون هناك أقلية متميزة في القمة تفرض الفوضي على الأغلبية الرازحة فى قاع المجتمع.

تلخيصاً لما سبق نستطيع أن نعرف نظرية اللاسلطوية بأنها نظرية سياسية تهدف إلى بناء فرد طليق و مجتمع للأحرار قائم على مبدء ” سواسية” ولتحقيق هذه الغاية تسعى قبل كل شيء إلى تقويض أركان كل تنظيم قائم علي شكل هرمى وإستبداله بتنظيم اُفقي مؤسس على شكل شبكة.

يجادل المنظرون لهذا الفكر بأن التفرد (أي ما يجعل الشخص “الفرد” متميزاً عن غيره بأصالة) هو الجانب الأهم في حياة الإنسان ، وأن “الفردية” لا تنشأ من فراغ خارج إطار المجتمع بحكم أن الفرد حيوان إجتماعي يحتاج إلى الأخرين من أجل أن ينشأ ويتطور كإنسان مبدع خلاق.

وللوصول إلى مجتمع يزدهر فيه التفرد الإنسانى بأسمى معانية تري هذه النظرية أن يكون المجتمع مؤسس أولاً على قاعدة من ثلاث اُطر هى: الحرية، والمساواة والتضامن.

أولا الحرية Freedom :

تعتبر الحرية عند نشطاء هذه النظرية العامل الأهم لإزدهار الذكاء البشري والإبداع وكرامة الإنسان، وعليه تعني هيمنة الأخرالمتنفذ – بحكم تواجدة فى قمة هرم السلطة – على مقدراتك وحقوقك كإنسان، حرمانك الشخصي من فرص التفكيرالحرن والتصرف وفقاً لإملائات إرادتك الخاصة، وبإختصار تكون كل من إرادتك وحريتك مرهونتان عند هذا القابع فى قمة السلطة يتصرف فيها سلباً وإيجاباً وفقاً لمصلحته الخاصة وبذلك يصبح ضرباً من الخيال أن تتفرد وتتميز و تطور إبداعك ومهاراتك وذكائك وفقاً لرغباتك الشخصية ومصلحتك الخاصة لأنك في الأساس إنسان مسلوب الإرادة ولست مالك نفسك.

من هذا المنطلق تكون “حرية الإختيار” هى السبيل الوحيد نحو نمو و تطور التفرد الإنسانى فى الكون، إلا أن ذلك لا يتحقق إذ لم نتخلص أولاً من الإستبداد الذي يخنق كل من الرغبة فى التغييروالقدرة على التجديد ويشجع على عزوف الفرد من تحمل مسؤليته الشخصية ويأصِلُ فى المجتمع كل سلوك سلبى إتكالي محبط وميال إلى الطاعة والتوافق.

كما تري هذه النظرية أن الأجواء التى تساعد على إزهار التفرد بين الإفراد المجتمع لا تنتعش فى مناخ القهر والتسلط الموصوفة أعلاه وإنما على طقس تؤسس بيئته لحرية الإختيار Freedom of choice.

ثانياً مبدأ السواسية Equality :

إذا كانت الحرية جوهرية للتطور و “التميز” الأمثل عند الفرد فإن “سواسية” أيضاً جوهرية لضمان بقاء هذا التفرد، إذ أن الإزدهار الفردي “تميز فردي حقيقي” يستحيل فى مجتمع قسم إلى طبقات إجتماعية تعلوا بعضها فوق بعض على شكل هرم وتعانى من فروق هائلة وغير عادلة فى توزيع السلطة والثروة والإمتيازات على حد سواء.

ويجادل اللاسلطويون عند تفسير هذه النقطة بحقيقة جلية مفادها أن نسبة ضئيلة جداً فى قمة الهرم فى مجتمع مثل الذي وصفناه أعلاه تستمتع إلي حد ما بحرية مطلقة، أما الأغلبية في قاع الهرم فليسوا أكثر من ” أنصاف عبيد”، وبالطبع ستكون الصورة مقلوبة فى حالة تحقيق “الحرية” دون تحقيق “المساواة ” وفى أحسن الأحوال لا تكون هذه الحرية أكثر من حرية إختيار أسيادك كما هوالحال فى النظام الرأسمالي.

بالإضافة إلى ذلك يجادل نشطاء الفكر اللاسلطوي بأن حتى النخبة القابعة في قمة الهرم الاجتماعي ليسوا أحرارً بمعنى الكلمة تحت هذه الظروف، لأن عليهم أن يعيشوا فى مجتمع معاق ومقرف أقحله إقصاء الأغلبية عن السلطة والثروة والإمتيازات.

كما يمكن لأي عاقل أن يدرك ببساطة أن هذه النخبة الغنية المتنفذة القابعة في قمة الهرم فرضت علي نفسها أن تكون دائماً فى حالة يقظة تامة للدفاع عن مصالحها وإمتيازاتها و بذل كل ما في وسعها من جهد لقمع وتعطيل قدرات ومواهب كل من هو دونهم فى سلم الهرم.

وبما أن التميز/ التفرد يزدهر بطريقة أفضل عندما يكون الفرد المتميز الحر على صلة مباشرة وعميقة مع أخرين من المبدعين وأصحاب الفكر النقدي القاصف ممن يميطون اللثام عن التابوهات التى تحاصرنا من كل جانب، تكون النخبة المتسلطة قد أعاقت – بما كسبت يداها – إمكانياتها الشخصية للتطور والترقي نحو الأفضل وذلك لأنعدام تواجد المبدعين والمتوقدين ذهنيا بأعداد كافية فى قاع المجتمع.

ثالثاً التضامن: Solidarity

يعنى التضامن عند منظري هذا الفكر ” التكافل المتبادل” والتفاعل المستمر فى علاقات لا سلطوية والعمل والتعاون بكل حرية مع كل من تتوافق قدراته العقلية مع قدراتك العقلية، وخصائص شخصيتك ومهاراتك وأهدافك وميولك ومصالحك الإقتصادية.

كما يجادلون أيضاً- بالإضافة لما ذكرنا أعلاه – بأن إغتراب قيم الحرية والمساواة فى مجتمعاتنا القديمة هو الذي دفع الناس إلى بناء مجتمعاتنا المعاصرة على شكل هرم يكون الصراع بين طبقاته قائم على إستبداد الشرائح العليا المتنفذة فى القمة بالشرائح الرازحة فى القاع .

فى مجتمع مثل هذا لا يسع الفرد إلا أن يكون ” مستبداً” أو خاضع “للإستبداد”، وبذلك ينتفني التميز الفردي فى مقابل “الشعور بالإنتماء الطبقي.”

الرازحون فى أسفل الهرم الاجتماعي يتربصون في كل لحظة بالقلة المتنفذة القابعة في القمة، وهذه القلة بدورها ترتعش من فوران الطبقات الرازحة في القاع. (الذي تقف على رأسه عند تسلقك للهرم الإجتماعى نحو القمة ستقابله من جديد عند إنحدارك نحو القاع.)

فى مجتمع قائم على اُسس من هذا القبيل لا يمكن أن نصفه بأنه مجتمع متضامن، إلا أننا لا ننكر وجود نوع من التضامن الجزئي بين المنتمين إلى كل شريحة ما في السلم الهرم كل على حدي . هذا التضامن الجزئي يضعف المجتمع ككل بوصفه وحدة متماسكة كما أنه لا يعني بأي حال من الأحوال نكران الذات أو التضحية بالنفس والنفيس.

نستطيع أن نستشف مما سبق أن أهل هذا الفكر لا ينظر إلى أنفسهم على أنهم “مثاليون” حالمون بإنشاء مدينة فاضلة بل على العكس واقعيون و “ماديون حتى النخاع.”

الأفكار والأفراد من وجه نظر هذه الجماعة ليسوا سوي نتيجة للتفاعل القائم بين المادة والعقل، ولا تتطور الأفكار كما لا يتطور الأفراد خارج إطارالمجتمع البشري، بل ينموان ويزدهران فى داخله أطره المتعارف عليها.

وكما أسلفنا تناضل هذه النظرية من أجل الوصول إلى مستوي مجتمع متحرر خالي من الإستبداد والتسلط، إلا أن هذا لا يعنى على الإطلاق إنكارهذه النظرية لأهمية الفروق الفردية والمهارات التى يتمتع بها أصحاب الملكات الخاصة و الموهوبين و أصحاب التخصصات الدقيقة والنادرة إلا أن ذلك لا يعنى أن هذا التميز الذي تتمتع به هذه الفئة يشرع لها الحق فى فرض رؤيتهم ووجهات نظرهم على بقية أفراد المجتمع.

نظرية اللاسلطوية تميز تماماً بين حق الخبراء المؤهلين للتعبير عن وجهات نظرهم وبين حق بقية أفراد المجتمع في قبول أو رفض وجهة نظرهؤلاء الخبراء المتميزون.
من حق الخبراء المؤهلين تقديم الحلول، والشروح والإيضاحات، والحكمة وراء القيام بعمل أو مشروع ما ثم عرض ذلك على الأخرين، إلا إن إتخاذ القرار الأخير لتنفيذ هذه العروض يعود أولاً وقبل كل شيء إلى المتأثرين المباشرين بأتخاذ مثل تلك القرارت وتنفيذ تلك العروض.

فإذا عرض عليك الطبيب المختص – على سبيل المثال – التخلص من بعض أعضاء جسمك لأنها مصابة بمرض السرطان، فأن إتخاذ القرار الأخير للتخلص من هذه الأعضاء يعود إليك وحدك وهذا يجعلك صاحب الحق والمؤهل والوحيد لإتخاذ مثل هذا القرار لكونك المتأثر الوحيد والمباشر عن النتائج الناجمة عن التخلص من هذه الأعضاء.

ينظر اللاسلطويون إلى أنفسهم على أنهم مضادون للتسلط وذلك لإعتقادهم الأصيل بأنه: “لا يحق لأحد ما مهما علأ شأنه أن يسيطر على بشر أخر مثله” ذلك لأن “الكرامة” من وجه نظرهم مكون أساسي وأصيل لشحصية كل إنسان، كما أن للفرد قيمة في ذاته بوصفه إنساناً.

وينظر نشطاء هذه النظرية ألى ” حب الهيمنة وإذلال الأخر” على أنها غزيزة بيولوجية تدفع الإنسان نحو الميل إلى التسلط على أخيه الأنسان بحيث تقع مواهب المستضعف وقدرته على التقييم والفعل تحت إرادة وتصرف وتقييم المهيمن المتسلط وهذه العلاقة الغير عادلة تدمر قيمة الكرامة وإحترام الذات المتاصلة عند الفرد و يستحيل علي الإنسان أن يستمتع بكرامته ما لم يكن أصلاً مستمتعاً بكامل إستقلاله الشخصي، بالإضافة إلى ذلك ينتج عن “علاقة الهيمنة” إستغلال القوي للمستضعف وبذلك تكون هذه العلاقة الغير عادلة مصدراً لشرور الفقر واللامساواة وإنهيار المجتمع.

وبعبارة اُخري تكون اللاسلطوية جوهرية لخلق مجتمع “سواسية” حيث يعيش الأفراد المتعاونون الأحرار في مجتمع لا طبقى يحقيق فيه الإنسان أقصي قدر ممكن من التحرر والتمايز.

التكافل والتعاون الإيجابي الفعال بين أفراد سواسية هو الطريق المستقيم نحو مجتمع خالي من التسلط، وعن طريق التعاون نستطيع تطوير وحماية القيم النبيلة الكامنة في ذواتنا كأفراد متمزين ومختلفين عن بعضنا البعض وهذا بدوره يثري معني حياتنا والتحرر الذي نستمتع به كأفراد.

على الجانب الأخر يعترف الفكر اللاسلطوي بأن الإنسان ( بطيعته ) حيوان إجتماعي وأن أفراد البشر يؤثرون ويتأثرون بعضهم علي بعض وأن سلطة ما قد تنشأ عن التفاعل والتأثير المتبادل بين البشر ولا سبيل إلى إنكار ذلك.

إلى جوار ذلك ينظر الفكر الاسلطوي إلى الإنسان علي أنه كائن مفكر وسلب الحرية عن هذا الكائن تعني بالدرجة الأولي سلب حقه في التفكير في ما يخصه كفرد، مما يعني بالدرجة وبكل وضوح سلب وجوده كأنسان، والحرية نفسها في هذا الفكر ما هي سوي منتوج كينونتنا البشرية، بمعني أننا نحن البشر هم المنتجون الحقيقيون للحرية

وحرية الإرادة هي القاعدة الأساسية التي ينطلق منها الإنسان في سعيه نحو تحقيق ذاته بالأسلوب والوسائل الشخصية الخاصة به. وبسعي الفرد نحو تحقيق ذاته يطور ويقوي طوال الوقت وبإستمرار قدراته في إتخاذ القرارت المؤثرة والمصيرية في حياته الشخصية، وليس هناك ما يضمن التمايز والتعدد في هذا الكون سوي الحرية، ذلك أن الفرد حين يمتلك زمام إرادته ليتخذ بنفسه كل االقرارات المؤثرة في حياته يكون عليه لزاماً أن يفكر بعمق، وبدوره لا يكون أثر هذا التفكير العميق سوي مزيد من إثارة عقل الفرد لتحقيق مزيد من التفرد، وبذلك تكون الحرية مقدمة ضرورية للتطور الأمثل لقدرات الفرد وإمكاناته الذاتية ألتي هي بطبيعة الحال منتوج إجتماعي لا يكمن تحقيقه إلا من خلال المجتمع وليس خارج إطاره.

والمجتمع الحر المتعافي / السليم لا ينتج سوي أفراد أحرار يقومون بدورهم في إعادة تشكيل المجتمع وإثراء العلاقات الاجتماعية بين الأفراد الذين هم في الواقع نسيج المجتمع.

والحرية بدورها تحتاج إلى بيئة إجتماعية صحية كي تتمكن من الإزدهار والنمو، ومن الضروري أن تكون هذه البيئة ألأجتماعية مؤطرة باُسلوب لامركزي مؤسس على الإدارة المباشرة من قبل القائمين عليها.

يحمل نظام الإدارة المركزي في طياته دكتاتورية فرض سلطاتك على من هو دونك في سلم الهرم الاجتماعي بينما يتميز النظام اللامركزي بقدرة تبديد تواجد هرم إجتماعي تتركز في قمته فئة قليلة ومسيطرة، كما تضمن الإدارة المباشرة إستخدام كل المعنيين في الإدارة كل قدراتهم لتطوير مهاراتهم الشخصية وبالتالي نظام الإدارة في المؤسسة، وعلي النقيض من ذلك يقوم النظام المركزي للإدارة بإستبدال أفكار كل العاملين في المؤسسة بأفكار قلة في قمة الهرم، ولكي تضمن الفئة المتمركزية في قمة السلطة نمو و تطوير قدراتها الخاصة علي نحو أفضل تقوم بتهميش كل من دونها في هرم السلطة وبهذا التهميش المفتعل تتبلد وإلي الأبد القدرات والمواهب الطبيعية للأكثرية الساحقة في قاع الهرم!

ولهذه الأسباب المذكورة أعلاه يناهض الفكر اللاسلطوي كل من الدولة (الحكومة) والنظام الرأسمالي وذلك لأن الدولة (مثلها مثل النظام الرأسمالي) ماهي إلا مؤسسة قائمة علي مركزية الإدارة وذلك بنية حرمان الأغلبية الساحقة في المجتمع من حرية إدارة دواليب العمل المجتمع الذي ينتمون إليه.

كما تعني (الحرية) وفقاً لهذه النظرية (مجتمع مضاد للسلطة والتسلط) أي مجتمع يقوم فيه الأفراد والجماعات بالإدارة المباشرة للاعمالهم/ أي أنهم المدراء المباشرون لأعمالهم وتحمل هذه النقطة في طياتها ما يلي:

  1. يكون المجتمع اللاسلطوي مجتمع خالي من ( القهر/الإجبار) وذلك يعني أنه يحرم تحريما كاملاً إستعمال العنف والتخويف أو التهديد بإستعمال العنف لأجبار فرد ما على أداء عمل ما.
  2. يضمن المجتمع اللاسلطوي أداء دور المساعد في سبيل تحقيق سيادة الفرد و بذلك يكون مضاداً لكل مؤسسة تدار علي سلطة إجبار ألاخر لاداء عمل ما.
  3. موقف نظرية اللاسلطوية المضاد (للدولة) لا يعني سوي أن هذه النظرية تناضل ضد نظام الإدارة المركزي، والنظام الهرمي المتدرج للسلطة أي النظام البيروقراطي .

ألنقاط الثلاثة المذكورة أعلاه لا تعني بأي حال من الأحوال أن هذه النظرية مضادة للإدارة المباشرة عبر النظام الفدرالي بين مؤسسات لامركزية، إلا أنها تشترط علي هذا النوع من الإدارة ان تكون هذه المؤسسات الفدرالية قائمة على الديموقراطية المباشرة وليس عن طريق تفويض السلطة إلى ممثلين للمؤسسات.

ذلك أن التسلط ما هو إلا نقيض الحرية وبالطبع تكون أي مؤسسة قائمة علي توزيع السلطات خطرعلى حرية وكرامة القابعين تحت إرادة هذه السلطة.

كما تنظر هذه النظرية إلى (الحرية) على أنها البيئة الاجتماعية الوحيدة التى من خلالها تزهر كل من كرامة الإنسان وحريته، إلا أن حرية الأغلبية الساحقة المجتمع تكون مسلوبة من قبل كل من النظام الرأسمالي والدولة، وذلك أن نظام الملكية الخاصة ونظام التدرج الهرمي للسلطة يضمنان وضع الميول الذهنية وقدرة التحكيم عند الأغلبية تحت تصرف القلة المتنفذة ألتي بدورها تضيق الخناق على حرية الأغلبية وتقف كعقبة كأداء أمام النمو والتطور الكامل للقدرات المادية والعقلية والمعنوية والأخلاقية الكامنة في كل فرد من أفراد المجتمع.

التمدر وعدم الطاعة هي القاعدة الصحيحة للتحر، وإلإنسان المطيع عليه قبول إستعباد الغير له

تسعي نظرية اللاسلطوية – كما أسلفنا- إلى بناء مجتمع لامركزي مؤسس علي روابط حرة، وتري أن المجتمع اللأمركزي هو الأمثل للإستمتاع بأقصي قدر ممكن من قيم الحرية والمساواة والتضامن، كما ترى أن نمو وإزدهار الحرية الفردية تستحيل بنيوياً في إقليم ما دون توزيع منقطي و لامركزي للسلطة في ذلك الإقليم.

تفويض السلطة لفئة قليلة من المجمتع لا تعني في الواقع العملي سوي إنكار حرية الفرد وكرامته، لذي تفضل نظرية اللاسلطوية المؤسسات ألتى تضع سلطات إتخاذ القرارات المؤثرة في يد الأغلبية القابعة في قاع الهرم عن المؤسسات التي تسلب السلطة من الاغلبية لتضعها في أيدي أقلية في قمة الهرم.

الروابط الحرة هي حجر الأساس لمجتمع لاسلطوي، والأفراد أحرار في إنشاء هذه الروابط وفقاً لرغباتهم لأن هذه هو المبدء الأساسي للحرية وكرامة البشر، وعلى كل يجب تأسيس هذه الروابط باُسلوب (لامركزية السلطة) وفقاً لمبدء “سواسية” المؤسس لفرص منو وتطور وإزدهار الحرية، و لهذا السبب تؤيد نظرية اللاسلطوية الديموقراطية الجماعية المباشرة.

تعتبر نظرية اللاسلطوية نظرية سياسية بالدرجة الاُولي لأنها تستهدف في الأصل خلق مجتمع يتعاون في تحقيق واجباته أفراد أحرار ومتساوون كأسنان المشط، لذي تناضل هذه النظرية كل شكل من أشكال الراقبة الهرمية سواء أكانت رقابة رأسمالية أو حكومية وذالك لأن هذا النوع من الراقبة مضرة للفرد وتفرده كما أنها ليست ضرورية على الإطلاق.

وعوضاً عن المذكور أعلاه تسعي اللاسلطوية ذلك إلى خلق مجتمع لا مركزي خالي من المؤسسات القمعية، أي مجتمع مؤسس على إتحاد فدرالى مكون روابط حرة ، لأن هذا الأسلوب (الاُسلوب اللامركزي) هو أفضل وسيلة لترسيخ قيم الحرية والمساواة والتضامن.

اللاسلطوية هي التعاون الحر بين أفراد أحرار والسببان المعيقان لقيام هذا التعاون هي :

1- الدولة (الحكومة) بوصفها الجهاز الفاصل بين الحاكم والمحكوم.

تمنح الدولة لنفسها “حق الوصاية”، أي حق مجموعة من الأفراد، أو طبقة إجتماعية أو حزب سياسي علي فرض قراراتهم علي أشخاص أخري، ذلك لأن الدولة تؤسس في الواقع على:

(1) التمايز الأقتصادي بين طبقات المجتمع.
(2) الأيمان بالسلطة وطاعتها.
(3) الرغبة في السيطرة على مقدرات الأخرين.

والدولة ليست في الحقيقة هيئة قومية لكل أفراد المجتمع وإنما جهاز خاص يقوم بتنظيم المجتمع علي شكل تسسل هرمي، يخول للقابعين في قمته حق إتخاذ القرارات نيابة عن الأخرين كما تقام كل مؤسسات الدولة بطريقة يحدد فيها القابعون في قمة الهرم سلطاتهم وسلطانهم علي الأخرين، ولهذا الغرض يستخدم القادة وسائل سلطوية تندرج تحت إحتكارهم الخاص للسلطة.

كما يعني هذا الأمرأيضاً أن الشركات الخاصة ذات سلم الإدارة الهرمي في إتخاذ القرارات تنظم أيضاً علي شكل دولة. والدولة تحمل في طياتها الرغبة في قمع الأخرين.

2- الرأسمالية: بمعني ذلك الجهاز الفاصل بين أصحاب الملكيات الخاصة ومعدومي الملكية (The haves and not haves)

يزدهر النظام الرأسمالي في مجتمع يتعايش فيه أقلية تمتلك وسائل الإنتاج وأغلبية ساحقة لا تملك أي شيء!وتعتمد المجموعة الثانية (الغالبية الساحقة ألتي لا تملك أي شيء)على الأقلية المالكة لوسائل الإنتاج في الحصول على فرص للعمل والحاجيات الضرورية للبقاء علي قيد الحياة. والفئة الثانية هم أصحاب المرتبات الشهرية – الغير قادرون في ظل قوانين النظام الرأسمالي والدولة- على التحكم في إنتاج عرق جبينهم المنهوب من قبل الأقلية المالكة لوسائل الإنتاج.

والملكية الخاصة privet ownership ما هي في واقع الأمرسوي (حكومة خاصة) وأصحاب الملكيات الخاصة (ملاك المصانع مثلاً) هم الحكام المحتكرون لسلطة التحكم في كل ما يحدث في داخل (المصنع) ملكيتهم الخاصة. والسمة المميزة للرأ سمالية هي الإنتاج والربح ( مال يولد مال أكثرmoney to produce more money ) وليس الإنتاج وفقاً لحاجيات ومتطلبات المجتمع، كما تحمل الرأسمالية في طياتها إستغلال الأخر.

ويقوم التعايش بين الدولة والنظام الرأسمالي على العلاقة النفعية المتبادلة بينهما وبذلك يكون من الصعب التمييزبين النظامين
أما الخائص المشتركة بينهما هي: (1) العوز الشديد للمساواة بين الناس في المجتمع (2) فقر العدالة الاجتماعية، (3) الترفع والتسلط علي الناس (4) إستغلال الأخر (5) نظام التسلسل الهرمي فى السياسة والإقتصاد.

وبإختصار شديد النظام الرأسمالي والدولة ليسا سوى وجهين لعملة واحدة.

نظرية اللاسلطوية في المقابل ليس لها أدني درجة تشابه مع نظام “حق الأقوياء” بل تتمحور في تناقض تام مع هذا النظام وتسعي إلي تقويض “حق الأقوياء” في تعيين أنفسهم كأوصياء على كل من المجتمع والدولة!

هوامش:

(*) الفلم الوثائقي المرافق يعطيك فكرة جيدة عن شخصية بعض القابعين في قمة السلطة

http://topdocumentaryfilms.com/i-am-fishead-are-corporate-leaders-psychopaths/

(١): http://home.powertech.no/haraldfa/anarkisme.html

ملاحظة هامة: تعتبر اللاسلطوية النظرية السياسة الأكثر عرضة للتشويه والتشويش وذلك لأن مصطلح ( الاسلطوية Anarkisme) تم تفسيره على أنه مرادف لمصطلح (الفوضي kaos أو بدون نظام) مما أدى إلي سوء فهم فحواه أن: “اللاسلطوية تعني الدعوة إلى الإضطراب الاجتماعي والفوضي وقانون الغابة”.

%d مدونون معجبون بهذه: