هناك يموت الضمير!

وطَـــــــنــي وإنَّ الـقَــلْــبَ يـــا وَطـنــي بِـحـبَّـــــــــكَ مُـرْتَـهَـــــــــــــــــنْ

لا يَـطـمَـئِــنَّ فَـــإنْ ظَــفِـــــرْتَ بـمـا يُـريــدُ لــكَ اطـمــــــــــــــــــــــــــــأنْ

وطـنــي أزُفُّ لــكَ الـشَّــبــــــــــــــــــــــاب كـأَّنــهُ الــزَّهَـــــــــــرُ الــنَّــدي

لا بُـــدَّ مِـــن ثَــمـــــــــــــــــــرٍ لـــهُ يُــوْمـــــــــــــاً وإنْ لـــمْ يَــعْــقِـــــــــدِ

ريْـحـانُـــــــــــــهُ الـعِـلــمُ الـصَّـحــيح وروُحــــــــــهُ الـخـلْـــــقُ الـحـســنْ

إبراهيم عبد الفتّاح طوقان

فى الصومال،في البلد الحبيب، حيث أصبح السلب والنهب للأموال والأعراض، والتناحر والتقاتل لأتفه الأسباب شيئا طبيعيا وكأنه جزء من الحياة.

لمدة سنة، وأنا خارج البلد أعاني- كماعاناه قبلي الكثيرون- من لذعة الغربة، وآلام فراق الوطن الحبيب بمافيه من الأهل والأحباب، وفي مقابل ذلك استفدت من الاغتراب فوائد عدة، لولاإرادة الله لماحصلت، فكما يتأسف الغريب لفراق الأحبة يفرح لفراق الأعداء.

حُبُّك الأوطان عَجْزٌ ظاهِرٌ * فاغْتَرِب تَلق عَن الأهل بدل

الآن أستغرب أشياء كانت طبيعية حينما كنت في البلد :-

– الفوضى التي سادت البلد لمدة عشرين سنة، ماكنت ألتفت إليها أنذاك، واليوم أستغرب فأقول: إلى متى؟

– سلب أموال الأرامل واليتامى والمساكين كنت أسمعه كثيرا من الإذاعات، فيمر في سمعي وتُؤَثِّرُ في نفسي وأسكت!

واليوم لاأتحمل لاستماع هذه الأخبار، وأثور كالبركان على الظالم، وأحاول أن أقف في وجهه نصحاً وزجرا!

والسبب الأكبر في ذلك، هوأني نشأت في بلد فوضوي، ومارأيت إلاالفوضى،فكثيراً ماكنت أسمع شيئا لم أكن أفهمه؛ أما الآن فرأيت في البلدين اللذين زرتهما (جيبوتي والصين) فوائد الأمن والنظام، وكيف أننا أحياء في غير هذا العالم، فإن أردت الاتصال بالبلدان الأخرى فالأمر سهل، أماالصومال، فخارج السرب، وأشياء أخرى يطول تعدادها.

– وأتعجب لرؤساء البلد كيف يساقون كالبهائم يوما إلى لندن، ويوما إلى قطر، ويوما إلى اسطنبول!

وأقول: ماذا وراء هذه الأجندات التي ماإن فرغنا من بعض فصولها حتى يفتح الذي يليه إلى مالانهاية!

أسئلة كثيرة كانت سهلة الإجابة لدى رجل الشارع البسيط بمنظوره البدوي الخاص!

ولكنها من السهل الممتنع في نظري، فليس المهم أن تكون بارعا في تحليل الأخبار، وإنما المهم أن تصلح فاسدا، وتغير منكراً، وإنه ليسير على من يسره الله.

أنا لاأشتغل بمتابعة الأخبار اليومية، والقضايا السياسية، فالوقت أغلى من أن ننفق فى القيل والقال كماهوديدن كثير من أبناء البلد، ولكنني بحكم العرف والعادة أتصل الأهل والأصحاب لأطمئن بصحتهم وأحوالهم، وفي بعض الأحيان أخوض معهم في القضايا الهامة التي يمر بها البلد بصفة عامة،ولقضايامنطقة ” مدغ” بخاصة، فأستفسر الأمن وهل يتحسن هذه الأيام؟ فيقول الواحد منهم: الوضع هادئ، والأمور عادية، إلَّا أنَّه قُتل اليوم أناس من المسافرين، وشب القتال في قرية (فلانة) بين قبيلتين مماأسفر عنها القتل والجراح، وتخاصمت فئتان بأرض وكاد الخصام أن يتحول إلى قتال، لولا أن الله وضع بينهم الهدنة! في سلسلة من المآسي والجراحات التي لو وقعت في بلدة أخرى لطارت بها الركبان، يحدثونها إليك وكأن شيئا كبيراً لم يحدث، بل قديذكرها لك أحدهم وهو غارق في الضحك!

وأنا لست متعجبا بهم فقد كنا نتبادل نفس الشعور حينما كنا في البلد، نضحك على من نراه يزعج لبعض مايحدث، ونصفه بالجبن، وبأنه ممن يضخم الأمور، ويجعل الحبة قبة.

ولطالما اتصل بي بعض الأهالي والأصحاب في الخارج، يستفسرونني عن الحال، فكنت أسرد لهم قائمة الدواهي والرزايا العظام التي نمرها وكأني أذكر له شيئاَ عاديا.

ويوم أن عقلت، وشببت عن الطوق إلى الآن أسمع وأرى هذه المشاهد المبكية، والحمد لله أني لم أشارك هذه الجرائم بقول أوفعل، لأنني أعتقد أن هذه المصائب والرزايا ماهي إلانتيجة حتمية على كل من خالف أوامر الشريعة، وخرق النواهي، فبدءاً من الشرك في عبادة الخالق، وقتل النفس المحرمة بغير حق، والسحر في المناطق الجنوبية، وأكل أموال اليتامى بطرق متعددة، إلى التفريط في أدنى درجة من الإيمان ( إماطة الأذى عن الطريق) ممَّا الناس فيه غارقون.

وأعتقد أيضا أن هذه المصائب عقوبة من الله بماكسبت أيدينا، فليس الحل في أن يفزع إلى الخروج على الحاكم بالبندق والدبابات، وإنما كماقال الحسن البصري: والله، لو أن الناس إذا ابتُلُوا من قِبَلِ سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلوا إليه، ووالله ما جاؤوا بيوم خير قط”، ثم تلا: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ.

وكان رحمه الله إذا قيل له: ألا تخرج تغير؟! يقول: “إن الله إنما يغير بالتوبة ولا يغير بالسيف”.

وانطلق نفر يشكون إليه الحجاج ويقولون: ما تقول في هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام وأخذ المال الحرام وترك الصلاة وفعل وفعل؟! فقال: “أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين”.

وكان ينهى عن الخروج مع ابن الأشعث ويأمر الناس بالكف ويقول: “يا أيها الناس، إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السكينة والتضرع”.

فالدين الذي كان عليه السلف الصالح خيار القرون شَوَّهه علماء السوء من الفرق الأخرى، باسم الوهابية تارة، والجديدية تارات، والكل يعرف أن علماءنا لم يأتوا بجديد، وأنا أتحدى كل من ينبز بتلك الألقاب المصطنعة أن يأتي بمسألة واحدة اخترعه السلفيون من عند أنفسهم من غير أن يستندوا إلى دليل من الكتاب أوالسنة أوالإجماع، وليستفرغ كل جهده ثم ليأتينا إليها.

أما أن يأتي أحدنا ويلصق التهم والمعايب بمن يكرههم، ويلفق الآراء والمذاهب،ويركب رأسه، وينسب الآخرين بمالايقولونه، فهذا شأن ضعاف الحجة والجبناء، وهي فعلة يجيدها الخلفيون لاالسلفيون.

إن الجُعَل (ج: جِعْلَان) لطول ممارستها بالقاذورات، ولكثرة ماتدفع العَذِرة بأنفها وتُهَدهِد برجليها تصير الريح المنتنة جزءاً من حياتها، وقد لاتستطيع مفارقتها، وهكذا الإنسان إذا اعتاد الذنوب ومارسها زمنا طويلاً قدتكون عنده القبائح أشياء طبيعية – إن لم تكن حسنة- لكن ميزة الإنسان هي : أنه يقبل التلون بألوان كثيرة من المبادئ والرُّؤَى،فهو يستطيع أن يغير من عقيدته، ومن سلوكه حسبما ظهر له أواشتهى، هذه ميزة اختصها الله ببني آدم، وهي نافعة إن كانت من سيء إلى أحسن، وضارة إن كانت على العكس.

كم هي حياة تعسة وبائسة تلك التي ذُقنا مرارتها لايحترم فيها الكبير، ولايرحم فيها الصغير والضعيف، والأرامل، واليتامى!

حياة لايرعى فيها شرع ولاقانون! يُنتهك قوانين الشريعة والحياة في وضح النهار وعلى رؤوس الملأ ، فلاأحدٌ يُحرِّك ساكناً.

ماأقسى قلوب أولئك وماأغلظها! يقتل أحدهم أخاه المسلم من غير جريمة:

تبكي علينا ولا نبكي على أحد ** فنحن أغلظ أكبادا من الإبل

ثم هم مع ذلك مسلمون 100% !!!!!

أي إسلام عند هؤلاء الناس؟ فهل يظنون الإسلام لِباساً يلبسه الإنسان متى شاء وينزع؟ كلا،

إنما هو عقيدة وعمل!

– عقيدة راسخة في الضمير تبعث النفس على العمل،و تأمر كلَّ معروف من الإحسان في عبادة الخالق،بإخلاص الرغبة والرهبة له: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) }من سورة الأنعام.

والإحسان في التعامل مع الخلق، ببذل الندى ، وكفِّ الأذى، واحتمال الورى:

{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} من سورة الأعراف.

والآية الأخيرة هي التي قال عنها جعفر الصادق – رحمه الله- : ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.

سبحان الله! أليس من العجب العجاب أن تكون أمة هذا دينها، ثم صارت بعدُ مضرب المثل في خلف المواعيد، والغش والكذب وسوء التعامل مع الناس، حتى إن الواحد إذا أراد أن يصف لك الأخلاق الحسنة يذهب إلى أوروبا وأمريكا، وإذا أراد أن يدلك على مساوئ الأخلاق يعود إلى بلاد المسلمين، فيُوسعها بالذّم والتحقير. وأنا لاأنكر أن قسطا من الأخلاق الحسنة عند غيرنا، ولكني أقول: الأخلاق عندنا غريزية فطرية، قد تعتريها بعض العواصف فتنقص، ولكنها لاتموت بإذن الله، أماعند غيرنا فمصطنعة ملؤها النفاق والمجاملة؛ أخذوها لضرورة التعايش مع الآخرين – لاتديُّناً- وأخذناها فطرةً واعتقاداً.

وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

%d مدونون معجبون بهذه: