ماذا بعدُ يا لندن؟

قبل أن أبدأ بما يشبه الغرق حتى الأذنين، في فنجان مليئ بنظرية المؤامرة، سأرفع رأسي عاليًا وآخذ نفسًا عميقًا، عميقًا جدًا لدرجة تمنحني من الوقت ما يكفي، لاستعادة شريط المسألة الصومالية، ومنه لأغطس عميقًا في الفنجان، وقد أصبحت لدي خارطة طريق، نعم (خارطة طريق) تلك العبارة التي تعني في نظر كل الشعب المسلم، متاهة أسطورية كتلك التي في (كريت)، فلا شيء ينتظرنا إلا تحول الوضع المعقد إلى مسخ، بحيث لا يتوقع أحد منه أن يكون منطقيًا أو منتجًا، أو حتى قابلًا للبلع أو التغاضي عنه.

ولأكون منصفًا فمن الواجب أن تتسلسل الأحداث، في نظر المتابع حتى يحصد النتيجة، فحكومات المحتل الغربي قد قسمت البلاد لخمسة أجزاء، كان من نصيب حكومة (جلالة الملكة) وأبيها من قبلها، ثلاثة أجزاء وهبت منهن اثنين ـ بكرم بالغ ـ لدول الجوار، والصوماليون كانوا من العناد بمكان أن طالبوا بوحدتهم، وحرصوا على تضمين فقرة بذلك الخصوص، في دستورهم المستورد ـ خصيصًا ـ، وأصبحت الحرب مع الجيران، وإبادة الصومالين داخل حدودهم، مسألة روتينية لا بأس بها ولا غُبار عليها، ولا تُكمل الديمقراطية الهشة في البلاد تسع سنين، حتى يتم اغتيال الرئيس، ويحدثَ انقلاب يتم به هرس الصوماليين مادة ومعنى، أدى لاستشراء الاضطراب والحرب الأهلية في كل مناطق البلد، بمباركة كل من حرر (العراق) من مستقبله، وقصف (ليبيا) حتى حولها لخرائب وميليشيات، ويريد أن يفتت (سوريا) ويطبق بالسقف على الجميع فيها نظامًا و محتجين.

وذات البلد ـ أي بريطانيا ـ يأتي اليوم، وقد ترهلت قواه، وترنح اقتصاده ومارَ بالاضطرابات الاجتماعية، وقد بطلت موضة صفقات السلاح لأسباب منها المعلوم ومنها الغامض، وأصبحت تتكفف الدعم من دول عربية، وتشغل ما بقي من جيوشها مرتزقة رهن الأمريكي، تريد أن تفعل خيرًا أخيرًا وتفتح لجان تبرعات، وتحث العالم أن يتبرعوا لتمويل السلام في الصومال، وكأن الناس عُمي لم يروا ما مصير الأموال، التي جمعها الجامعون في الأزمة الغذائية الأخيرة، والتي أصبحت في بطون وجيوب أرباب أكشاك ـ عذرًا هيئات ـ الإغاثة، الذين لم يتركوا محمية أو منتجعًا في كينيا لم يقضوا فيه، أجمل أيام العمر من سهرات وسفاري، وذلك سر ما فتح شهية الجارة (كينيا)، وجعل حكومتها تجول ـ بعين قوية ـ مطالبة بتمويل غزوها للصومال من الجميع، حتى أنها ـ ويا المفارقة ـ ساوت في ذلك بين العربي والصهيوني، وهي واثقة أن أي تمويل يجمع للصومال، ليس مخصصًا سوى لغير أهلها.

وإن أشد المصائب التي قد تُحيق بأمة، هو أن ترى الخطر القائم قادمًا، بخطى ثابتة ووئيدة، ولن أتحدث هنا عن فرقاء الصومال، فأولئك لا يستحقون ثمن الكبريت الذي يجب إحراقهم به، فقد باعوا أرواحهم للشيطان، وشوهوا كل نبيل ومقدس بألسنتهم ونفاقهم، لكنني أقصد أقوامًا لا تبرير لأفعالهم، سوى الخوف من أشباح يتم صناعتها تحت أعينهم، وتوضع في جهاز التشغيل بين الفينة والأخرى، خاصة أن الدولة العظمى (بريطانيا)، هي بالفعل المتضرر الرئيسي من بعض التحركات التركية، التي تبشر بأن أوراق اللعبة في الصومال ستختلط، خلطًا لا يمكن إصلاحه، فحالة الضبابية في البلاد المشرقة تلك، واردة وممكنة الحدوث في أية لحظة، أولم يؤدي دخول بضع مئات من الاستشهاديين الصوماليين إلى المعادلة، للخروج الأمريكي المشين بداية التسعينيات؟، فما بالكم باقتحام دولة بثقل (تركيا)، المتأذية من الإساءات الغربية المتكررة لها، خاصة وقد ضنت أوروبا عليها، فلم تمنحها الأهلية لدخول الاتحاد، وجيشها ـ أي (تركيا) ـ الجيش الأوروبي الأكبر في منظومة (الناتو).

ومع أننا نعلم أن بريطانيا، لا تعرف قواعد اللعب النظيف، فإنه كان لابد لها من اللحاق بالقطار التركي المنطلق بكل طاقته، فالواقع أثبت أن التبرعات القادمة من (تركيا)، هي الوحيدة التي وصلت فعلًا، فالملايين التركية لم تكن مجرد فورات أخرى لإخماد الحريق، ولم تتحول إلى أغذية مغشوشة، أو مساعدات مبالغ في تقدير قيمتها، والتي في الواقع كانت تتبخر، قبل أن تتاح الفرصة للصوص والفاسدين في مقديشو لأن يأخذوا نصيبهم منها، بل تحولت لمشاريع بنيوية ومنح تعليمية، وخطط بعيدة المدى محسوسة على أرض الواقع.

ولأن قواعد اللعب النظيف تعني، تقديم شيء يثبت ما تتغنى به (بريطانيا)، منذ أيام (الماغنا كارتا)، فكان واجبًا وضع العصي في عجلة التحرك التركي، والتحيز في سبيل ذلك ضد الشعب الصومالي، لصالح من ستأتي به هي، ليحرس حكومة وهمية جديدة، غير موجودة على أرض الواقع، مصنعة خصيصًا لتكون متسولة تارة، و تارات طفلًا معاقًا تدور به (بريطانيا)، أمام معابد المجتمع الدولي ومحافله فتستدر العطف وتتسول به.

لقد طالعنا اللقاء التشاوري مع المغتربين الصوماليين، بأن الشعب الصومالي الذين هشمت الدكتاتورية والخوف قيمه، لازال بعيد عن القدرة على العمل سوية، وهو يعيش حالة من الاضطراب المناعي، الذي يؤدي لتحسس أعضاء الجسد الصومالي من بعضها، وإنهيار أي قدرة لذلك الجسد في مقاومة الدخلاء، ولم تكن المسرحية البريطانية التي تبدي الحال المتدهور للجيل الأكبر سنًا من الصوماليين، سوى فضحًا لما أصبح لا يخفى على متابع، من حالة التشظي والتشرذم المخزية التي نعيشها نحن الصوماليون، ولن يتوقف الأمر عند الشعور بالخزي فقط، بل ستستثمره حكومة (جلالة الملكة) أحسن استثمار، في الحجر على (الصومال) والصوماليين، ورفع الأهلية عنهم كنتيجة طبيعية، لما حدث ويحدث من تباغض وتنافر، وتناحر بين أبناء البلد واللسان والدم والدين الواحد.

مما يبعد أي أمل بإمكانية حل سياسي يستند للمجتمع الدولي، ويجعل البديل الوحيد لكل ذلك العهر السياسي، ثقافة الاستشهاد النقية، والتي لا غنى عنها، حتى تتغير الظروف الدولية، فالخاسر الوحيد منذ البداية، كان الشعب الصومالي ودينه و تاريخ أرضه وقيمه.

ولقد كان الإنجليز صريحين في إيضاح، أن مسعاهم لجمع المال ليس لتمويل بناء جيش وطني، بل لجعل البلاد قبلة لكل أنواع المرتزقة الأجانب، وهو ما سيؤدي لقبول الشعب مرة أخرى، إقرار (حركة الشباب) في قيادته، لخوض حرب أخرى مسكوت عنها، وسيقفز المتطوعون الاستشهاديون، بأعداد مقاتلي الحركة من بضعة عشر ألفًا خلال فترة وجيزة، إلى بضع عشرات من الآلاف، الذين سيرون أن الجنة تقع خلف حواجز المحتل المرتزق، و ماوراء ثكناته المحصنة جيدًا، والتي بنيت بأموال كانت الكرامة الصومالية ثمنًا لها.

ولأن الحال كذلك فإن المسألة الصومالية أظهرت، أن على كل صومالي مخلص لنفسه وأهله ووطنه ومستقبل أبنائه، أن يغسل يديه، من أن يأتي أي خير من المساعي البريطانية، فليس من أوكار العقارب يُجنى العسل، ولن يكون هذا المؤتمر ذي الرعاية البريطانية، سوى حلقة في السلسلة، لكننا نخشى أن تكون في هذه الحلقة ـ تحديدًا ـ نهاية وطننا وشعبنا، فإنني ـ وأنا أتخيل جمال الدين الأفغاني يحمل إبريق الماء ـ أحث جميع الصوماليين أن يتوضأوا، بل أن يغتسلوا غسل جنابة، عن أي فكرة خبيثة، تحمل في طياتها أي انطباع بأن خيرًا سيأتي، من وراء من بيده تم تقسيم البلاد، وتشريد العباد على مدى قرن مر من الزمان.

6 تعليقات

  1. لا اعرف لماذا نحن المسلمون نعول على الغرب كثيرا؟!!!
    طز ومليون طز في امريكا وبريطانيا! وطز بالذي يرمي بنفسه عليهم مثل بائعة الهوى عندما ترى بعض الدراهم!!!
    الامة الاسلامية امة استقلال وليست امة تبعية واسال الله تعالى ان ينصر الشعب الصومالي على اعدائه من الغرب والحكومة الموالية

  2. إسماعيل الصومالي

    الله يستر ولا خير أنتظر من أعداء الدين فأنا من المؤمنين جدا بالآيه الكريمه التي تقول ( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )لذلك لا أرجوا خيرا من بريطانيا واتباعها فلقد خبرني رسولي الأكرم بأنني مستهدف دائما ويجب ان اكون كيسا فطنا دائما.

    وكما أنني مؤمن بالآيه الكريمه ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )
    لكن لنعلم أولادنا و أحفادنا بمن حضر الإجتماع و باع الصومال و المسلمين في أرض الصومال في 23/02/2012 …… حتى لا ننسى

    ما يقال عند المصائب (إنا لله وإنا إليه راجعون)

  3. تحياتي الى الاخوة محمود ومحمد وعمر، بصراحة تعليقاتكم قوية وشعوركم بالمسؤولية و الوطنية واضح كالشمس، اخواني كلنا ضحية لهذا العالم الذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة حيث لا مكان للضعفاء على كوكب الارض في هذا الزمن. اخواني لا تفقدوا الامل وانا دائما متفائل في حياتي وابشركم بان مشكلة بلدنا العزيز سوف تنتهي في القريب العاجل بفضل اللة وليس بفضل بريطانيا. وانشاء اللة وبإذن اللة سوف تكون البداية من مؤتمر لندن و سوف ينقلب السحر على الساحر وبإذن اللة سوف نرى اعدائنا يقومون بخدمة مصالحنا و هم يعتقدون بأنها مصلحتهم. و تذكروا المثل القائل ( تجري الرياح بما لا تشتهي السفن) وفي النهاية أود ان اخبركم بأن هناك سراً لا يعلمه الا اللة سبحانه و تعالى من وراء الانسان الصومالي (الغريب الاطوار) او (المعجزة) و سوف تكشف الايام القادمة هذا السر!!!!!!

  4. ، ليحرس حكومة وهمية جديدة، غير موجودة على أرض الواقع، مصنعة خصيصًا لتكون متسولة تارة، و تارات طفلًا معاقًا تدور به (بريطانيا)، أمام معابد المجتمع الدولي ومحافله فتستدر العطف وتتسول به.
    الدور الذي لعبته تركيا في وقت قياسي قصير بدون الرجوع للحسابات الأخذ والعطاء والفائدة المرجوة نجح في ارباك الصف المسيحي الغربي سواده وبياضه، فهل ياترى نحفظ هذا الجميل ونسعى لتطوير العلاقات مع تركيا لأنها سوف تكون سنداً وعضداً للصومال في مواجهة الاستكبار الصيوصليبي؟
    الحمد لله الذي كشف زيف وخداع الغرب.

  5. صدقت يا محمود

    لا خير في وكر العقارب

    اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه

    قال الله تعالى “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏”.

    بريطانيا وجيران السوء الكفار وامهم الصهيوصليبية ، كالذين يخططون وينفقون لكن النصر في الأخير للامة الاسلامية.

    قال الله تعالى “إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون”.

    وهذه الحروب والمفاوضات تميز الوطني الغيور على أمته والمنافق القبلي الذي يبيع الدين والأرض والوطن من أجل حفنة دولارات وحجز فندقي .

    قال الله تعالى ” ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ”

    شكرا أخي محمود على المقال الذي اتى في وقته

  6. الحقيقة أن الذي ينتظر الحل والمصالحة من بريطانيا وأمثالها مخطئ، ولاأظن عاقلا يستسيغ ذلك، كيف وهم الذين لايرقبون في مؤمن إلّاً ولاذمةً يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وِأكثرهم فاسقون.
    وستكشف الأيام ماأخفوا، والعزة لله وللإسلام ولمن تمسك به، فنسأل الله أن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يرشد الغاوي والضال.

%d مدونون معجبون بهذه: