أن تكون «أمين صابر».. وأن تكون «أبوتريكة»

بقلم: أحمد الصاوى

يعرف أمين صابر، الصياد المصرى المختطف حالياً على سواحل الصومال، أنه لو عاد إلى البرلس مرة أخرى وكتبت له النجاة من أيدى الخاطفين، فلن يكترث بإبقاء أبنائه الأربعة فى مدارسهم، ولن يحاول أن يعلمهم الصيد، أو أى صنعة أخرى، فقط سيدفعهم إلى ساحات القرية ليلعبوا كرة القدم، لعل الحظ يبتسم لأحدهم فتمتلك الأسرة كلها الثروة والشهرة والاهتمام أيضاً.

يعرف أمين صابر، الذى خرج قبل أسابيع على «باب الله» بحثاً عن رزقه ورزق أبنائه الأربعة وزوجته ووالديه، أن أحداً لن يكترث به ولا بـ33 مصرياً يعيشون حالياً تحت رحمة القراصنة، بينما الدولة التى تمثلها وزارة الخارجية تقول لهم: «لا نملك لكم إلا الدعاء.. لا مفاوضات ولا فدية».

يعرف أمين صابر، والذين معه فى هذه المحنة، أنهم يدفعون ثمن «مصريتهم» من جديد، ويعيشون «اليتم الوطنى» فى مواجهة قراصنة فرضوا سيطرتهم على منافذ الرزق وأبواب الحياة، بينما الدولة التى تتهدد سيادتها لا تملك حيلة سوى الدعاء، وفق ما قاله السفير أحمد رزق مساعد وزير الخارجية لأهالى المختطفين.

يعرف أيضاً أمين صابر والذين معه أن مطالبة الخارجية لذويهم بأن يلجأوا للمجتمع المدنى، لجمع فدية قدرها 5 ملايين دولار هى ثمن تحريرهم، فيها من «التخلى» ما يكفى لتعريف «النذالة».. فهم لا يخدمون المجتمع المدنى، ولا يدفعون ضرائبهم للمجتمع المدنى، ولا يسددون رسوم تصاريحهم للمجتمع المدنى، ولا يدفعون غراماتهم للمجتمع المدنى، ولا تلاحقهم شرطة المجتمع المدنى، ولا يخدمون فى جيش المجتمع المدنى، هم فى النهاية جزء من مواطنى هذه الدولة يقدمون لها ما تطلب وما تريد ويؤدون واجبهم نحوها كما ينبغى، ولا يريدون منها سوى رعاية كما ينبغى على الأقل فى وقت محنة عصيبة تهدد حياتهم وتنذر بيتم أطفالهم.

يعرف أمين صابر والذين معه أنه لو كان بينهم واحد مثل أبوتريكة، أو أقل منه موهبة، لانقلبت الأرض والسماء، ولخرجت أموال «الفدية» كاملة فى أقل من ساعات، ولوجدوا دولة تتحرك بكل قواها ومقدراتها، ولعرفوا دبلوماسية نشطة غير تلك التى يرونها متخاذلة وضعيفة وغير مشرفة، ولوجدوا رجال أعمال يقدمون الملايين تحت أقدامهم كما يدفع متوسط الدخل ثمن تذكرة المترو.

يعرف أمين صابر والذين معه أن أزمتهم يمكن أن تحل من جذورها لو نظرت لهم الدولة ورجال الأعمال على أنهم 33 لاعب كرة من أصحاب المواهب المحدودة، أو من تلك الصفقات الفاشلة التى تدفع فيها الأندية من أموال الدولة وشركاتها ورجال أعمالها ملايين دون حساب ودون تردد أو اكتراث بقيمة ما يخرج من دفاتر شيكاتهم.

يعرف أمين صابر والذين معه، وهم يطالعون أنباء عن جمع 29 ألف جنيه فقط من فدية قدرها 5 ملايين دولار، وهم يطالعون كذلك أنباء عن ملايين تدفع بمباهاة للاعبى كرة، أن هذا البلد العاق بعرقهم وكفاحهم قادر على تحريرهم فى لحظة، لكن ما يحبطهم أنه لا يفعل ولا يحاول، ولا يكتفى بذلك لكنه يستفزهم ويستفز مشاعرهم وجراح أسرهم بـ«شيكات» تتراقص هنا وهناك.. وملايين تتوزع هنا وهناك.. فى زمن أصبحت فيه كرة القدم أغلى من الحياة.

يعرف أمين صابر والذين معه أن أبوتريكه ورفاقه يستحقون كل تقدير.. وربما لا يستحق جيل ما جمع من ملايين مثلما يستحق هذا الجيل.. لكنهم يعرفون أكثر أن حياة 33 مصرياً يخلفون وراءهم زوجات وأطفالاً وآباء وأمهات.. أهم ألف مرة وأجدى وأنفع.. فلا يطلبون إلا قدراً من العدل وقدراً من الاهتمام.

%d مدونون معجبون بهذه: