الطريق إلى صومال جديد

محمد شريف الجيوسي

في الصومال ذاك البلد العربي الإفريقي المسلم: الفقير ، جرح نازف عمره عقود من القتال والاقتتال والانقسامات وغياب الدولة والتدخلات الأجنبية. كانت قضية استعادة الصومال الغربي (أوغادين) الواقع تحت السيطرة الأثيوبية والذي ينتمي إليه الرئيس الصومالي السابق محمد سياد باري. بداية المشكلة ، حيث وقعت حرب السبعينات من القرن الماضي بين الصومال في عهد سياد باري و بين أثيوبيا في عهد هيلا مريام. وقتها وقف الشرق ممثلاً بالسوفييت (السابق) إلى جانب أثيوبيا رغم أن الصومال كان يضم أول قاعدة سوفيتية في منطقة القرن الافريقي.. إلا أن ماركسية مريام جعلت السوفييت يراهنون عليه ويخذلون حليفهم القديم سياد بري.. رغم كل التصريحات المطمئنة التي أطلقها ، إلا أنهم أخذوا خيارهم النهائي وقرروا التخلي عن بري والصومال. بكل ما كان يحتمل التخلي من مأزق مزدوج ، فأعداء السوفييت لم يكونوا ليثقوا بحليف السوفييت وهكذا فقد الصومال الدولة والنظام الغطاء والدعم ، ما أدى لاحقاً وبعد سنوات وإن كانت طويلة نسبياً إلى انهيار النظام. أما أمريكا فتجاهلت التدخل السوفيتي لصالح مريام ، غير ناسية أن للسوفييت قاعدة لدى الصومال ، ومدركة أن انتصار أثيوبيا على الصومال يحول دون قيام صومال قوى ، كما أن الحيلولة دون استقلال وعروبة ارتريا يحول دون تكريس محيط البحر الأحمر بحيرة عربية صافية. وهو هدف إمبريالي صهيوني استراتيجي. وفي حينه صرح ناطق أمريكي ، في تجاهل مفضوح للتدخل السوفيتي ، أنه ليس لدى أمريكا علم بتدخل سوفيتي يذكر. وهزمت الصومال وُضيّع ، ولم يكن لجامعة الدول العربية أي دور في الصراع ، وضاع الأمل في استرداد وإعادة توحيد الصومال. وبعد إسقاط نظام حكم بري ، وظهور أمراء الحرب.. تمزق الصومال إلى دويلات وأصبحت العاصمة حارات حرب ، وانسلخ شمال الصومال عن جنوبه فيما سمي (ارض الصومال) الذي وجد في إسرائيل متنفساً أو وجدت فيه مدخلاً إلى المنطقة في مقابل فتات يقدم لشعب تحت خط الفقر فضلاً عن فقدانه عناصر الأمن والاستقرار ، فيما ترك النظام العربي الرسمي ارض الصومال فريسة سهلة للصهاينة ، بذريعة أنه لا يريد تكريس الانفصال. وحاولت أمريكا والغرب التدخل العسكري المباشر في الصومال (تسعينات القرن المنصرم) فطردهما الصوماليون ، مفضلين ظروفه الصعبة على الأجنبي ، لكن أمريكا دفعت أثيوبيا للتدخل ، وهي الآن تتدخل مباشرة بذريعة دعم نظام الحكم والشرعية وتغليب فريق على آخر. ونشطت مؤخراً أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال.. واحتجاز السفن دون تمييز ، ما أثار الدول ضد الصومال وما يشبه المبرر للتدخل الأمريكي المتصاعد في المنطقة هناك. لكن السؤال الذي يطرح كيف يمكن لأطراف بلد فقير كالصومال الحصول على السلاح قرابة 20 عاما.. سواء لجهة الكلفة أو لجهة المزودين به.. هل يعقل أن يستمر النزاع في الصومال دون وجود أطراف خارجية مستفيدة ومغذية له بذريعة وقفه فيما هي تزود كل الأطراف بالسلاح وبتقنيات احتجاز السفن ، لتبرير التدخل وجعل ممرات نقل البترول غير آمنة وإشغال العالم في تفاصيل صراع بمنطقة أخرى ، تشغل عن تفاصيل صراعات أكثر أهمية كفلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان والسودان ، وتضيف أعباء جديدة للأعباء القائمة. إن خروج الصومال والصوماليين من الوضع الراهن لا يمكن إلا بالحوار والتوافق ، وليس بالدعوة التي وجهتها أطراف متنفدة ، لشرعنة التدخل الأجنبي في شؤون الصومال. إن الحوار الداخلي مهما تكن نتائجه صعبة وقاسية على أطراف الصراع ، يبقى أرحم حالاً وأقل مخاطر من التدخلات الأجنبية وبخاصة الأمريكية والبريطانية والألمانية والفرنسية والصهيونية.

المصدر: جريدة الدستور الأردنية

albuhira@hotmail.com

%d مدونون معجبون بهذه: