الصومال تجربة الدولة والحصاد المر

عبد الواحد عبد الله شافعي*

يصادف الأول من يوليو ذكري استقلال الصومال ووحدة شطريها الجنوب والشمال. وعادة ما تحتفل الشعوب بعيد استقلالها إحتفاء  بهذ اليوم الذي تحررت فيه من الإستعمار والعبودية واستلاب الإرادة الوطنية، يوم أسدل الستار علي عهد من الإذلال والخضوع والإستكانة وفتح عهدا جديدا من الآمال والطموح والتطلع إلى مستقبل أفضل. ولكن في ذكري يوم استقلال بلدى الصومال لا أدري هل هو يوم فرح وسرور واحتفال أم يوم حداد ومأتم وتعازى، هذه الذكرى مثل الجنين الذي انتظره والداه بفارغ الصبر وبعد مخاض عسير جاء المولود ولكن للأسف بتشوهات وعاهات خلقية وعندما لم يجد العناية والدواء اللازمة لإنقاذ حياته ومات في المهد صغيرا وماتت معه أحلام وطموحات والديه.

فالإستقلال الوطني لم يكن هدفا لذاته وإنما كان وسيلة لبناء دولة وطنية ذات سيادة قادرة على تجسيد الإرادة الشعبية الحرة والمضي بالاستقلال لبلوغ أهدافه وأبعاده، وما دام لم يتحقق ذلك وضاعت دماء الشهداء وتضخيات الأبطال وضاعت معه ثمرة الكفاح فعلام الإحتفال إذن! أبالصواريخ التي تتساقط على رؤوس شعبنا أم بالجثث الملقاة علي شوارع عاصمتنا تتجاذبه الوحوش أم بتشريد أهلنا لاجئين في بلدهم جوعي عرضة لمختلف الأمراض والأوبئة أم لتقديم أبنائنا لقمة سائغة لأسماك القروش؟

كافح الشعب الصومالي وضحّى بالنفس والنفيس في سبيل التحرر من الإستعمار ونيل استقلاله ومن ثم إقامة دولته الوطنية المنشودة. كانت الدولة الغاية التي من أجلها استرخص الأرواح والدماء وأناط بها تحقيق طموحاته في التنمية والتقدم والرخاء والرفاهية والعدالة الإجتماعية والمساواة والتحرر، إلّا أن النخب الوطنية التي تناوبت في مقاليد الحكم مدنية كانت أو عسكرية خيبت آمالهم ولم تكن علي مستوى التحدي وفشلت في إنجاز أي هدف من الأهداف الوطنية الموعود،ة حيث استشري الفساد والإنتهازية والمحسوبية وتحولت الدولة إلى ما يشبة مزرعة خاصة لهم ولعوائلهم لإشباع رغباتهم ومصالحهم الشخصية وإلى رمز للقهر والتسلط والظلم مما جعل الشعب ينظر إلى الدولة ومؤسساتها بعين العداء والريبة ويتمنى زوالها.

وهكذا إذا كان جيل الأجداد فى مرحلة الإستقلال قد ضحى كل شيئ في سبيل إقامة دولته الوطنية، فإن جيل الأبناء بعد أن عاني من ويلاتها يسعى جاهدا من أجل إسقاطها حتى لو تطلب ذلك بتفخيخ وتفجير نفسه. حركات المقاومة في مرحلة التيه ليس لديها مشروع وطني تقاتل من أجله بل ظلت تقاتل من أجل القتال فقط مما حولها إلى مجموعات متمردة خارجة على القانون والنظام.

يضاف إلى ذلك أنه إذاكانت الدولة شبيهة بالناقة الحلوب في مخيلة جيل الكفاح والإستقلال تفاؤلا بالرخاء والرفاهية فإنها باتت في مخيلة جبل ما بعد الإستقلال كالناقة المنحورة نحرها بعدما لم يرضع منها اللبن الموعود بل رضع منها الدم والقهر والبطش ثم قسم أشلاءها بين قبائله فالرأس للأسد والكتفان للذئب والصدر للثعلب والبطن للقطط والأرجل للأرانب. وفي مؤتمر عرتا المشؤوم تمت شرعنة هذه المحاصصة القبلية من باب وداويها بالتي هي الداء لتعميق الجرح وتجذبر الإنشقاق الصومالي.

وهكذا فقد المواطن ثقته في الدولة ومؤسساتها. ونحن الآن في سعينا لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها يجب علينا إتخاذ خطوات عملية وشجاعة.

أولى هذه الخطوات، عقد إجتماع مصارحة تليها مصالحة شاملة، مصارحة يقف فيها الجاني أمام ضحاياه يعترف لهم جميع الجرائم التي ارتكبها في حقهم ثم يعتذر لهم ويطلب منهم العفو والصفح. وهذا يشمل كل من اعتدى علي مواطن صومالي ضربا وسجنا وقتلا وتعذيبا وتشريدا وذلك ليس من باب التشفي والإنتقام وإنما من أجل خلق جو من المحبة والأخوة والتسامح، والإعتذار بالذنب فضيلة والسماح والعفو من شيم الكرام. وفي هذه المصارحة نتجاوز مظاهر المجاملات والنفاق التي سادت مؤتمرات المصالحة الصومالية وتذوب الأحقاد والضغائن التي تولدت من ظلم ذوي القربى ونمهد لإجراء مصالحة حقيقية شاملة بين جميع أطياف المجتمع بدون تهميش أو إقصاء أحد.

إننا نحتاج إلى عقلاء وعلماء مثل القس ديزموند توتو وإلى قيادات حكيمة رشيدة مثل مانديلا تصغي إلى الجاني يعترف ما اقترف من جرائم وذنوب ثم تتعالى عن الثأر والإنتقام وتقول لهم إذهبوا فأنتم الطلقاء والشرط الوحيد للعفو عنهم هو عدم ترشحهم لمنصب عام مراعاة لشعور ضحاياهم وإلا كيف نفكر إعادة ثقة المواطن إلى الدولة ومؤسساتها وهو يرى جلّادوه يحظون أعلى مناصبها.

وثاني هذه الخطوات، بعد جلسات الحوار والمصالحة والمسامحة والمصارحة لا بد من وضع عقد إجتماعي جديد ينظم العلاقات بين الدولة والمجتمع وبين أفراد المجتمع مع بعضهم ويوضح حقوق المواطنين وواجبات الدولة بمثابة صحيفة المدينة التي التي كتبها الرسول لدى قدومه المدينة. وهذا العقد يجب أن يقوم على ركائز العدل والمساواة وبهذا تكون الدولة نتيجة توافق إجتماعي وطني والسيادة فيه للشعب باعتبارهم مواطنين لا رعايا وبهذا نكون أيضا قد حققنا إستقلالنا الثاني بتحرير المواطن فلا تتحرر الأرض إلا بحرية مواطنيها بمعنى مشاركتهم القرار فى شئونهم العامة عبر نظام ديمقراطي عادل.

فإذا كانت شرعية دولة الإستقلال قد قامت علي تحرير الأراضى، فإن شرعية دولتنا ما بعد مرحلة التيه يجب أن تقوم على تحرير المواطن، فالإنسان المسلوب الحرية والإرادة لا ينتظر منه بناء دولة وطنية حرة. فقصة عنترة العبد مع أبيه السيد الذي أبي إستلحاقه به لسواد بشرته لها دلالات سياسية عميقة. فعنترة بحسه المرهف وذكائه المفرط عرف الفرق بين استحقاقات العبودية والحرية. فلما غارت حي من أحياء العرب على قومه عبس واستاقوا إبلهم لم يحرك عنترة ساكنا ولم يقم للذود عن قومه ومصالحهم قال له أبوه كرّ يا عنترة فأجاب أن العبد لا يحسن الكرّ والفر ّ وإنما يحسن الحلب والصرّ فصرخ شداد صرخته الشهيرة معلنا على الملأ [كرّ وأنت حر] فهنا كر عنترة وهزم الأعداء، فبالحرية تكتمل الإنسان إنسانيته وتتفجر طاقاته ويستشعر حجم المسئولية الملقاة على عاتقه.
————————–
* كاتب صومالي

%d مدونون معجبون بهذه: