القاعدة في أفغانستان وباكستان والصومال

كلّما رأيتُ أو سمعتُ تصريحًا لأحد قادة ما يُسمّى بقاعدة الجهاد ازددت يقينًا وقناعةً بالجهالة والضلالة الّتي يقبع فيها أفراد هذا التنظيم، الّذي كان سببًا في شقاء الشعب الأفغاني سنوات طويلة ولا يزال، ولا أدري متى تحين السّاعة الّتي يستريح فيها هذا الشّعب المظلوم الّذي ظلمه الأقارب قبل الأباعد، ولا يشابهه في هذا إلاّ الشّعب الصومالي، إذ يعيث بساحته مجموعات قتالية تصر على أن يبقى الصوماليون رهن رؤيتهم وتحليلهم هم للأمور، فما دام الرئيس الصومالي له علاقة بأمريكا، وما دام قد مر بطائرته أو هبط أثناء رحلته في أمريكا، أو أثيوبيا فهو عميل كافر مرتد، ويجب مواصلة قتاله، وقتل كلّ مَن يقترب منه، وأمّا الشعب الصومالي المسكين فلا عبرة به فليبقَ المتشردون متشردين، وليمت مَن يمت جوعًا، أو عطشًا، ولتعطل كلّ أشكال الحياة ليحلّ بدلاً عنها كلّ أشكال الموت، ولتبقَ الصومال مثل أفغانستان تطحنها آلة القتل والفقر في سبيل راية الجهاد الموهوم.

والمشكلة حين يختصر هؤلاء الجهاد العسكري في القتال بأيّ شكل وبأيّ ثمن، ولأيّ مدى، وهذا لم يكن قط مفهوم الجهاد في الإسلام، حتى جهاد الدفع لا يمكن أن يكون هو هذا الذي نراه بلا هدف، ولا رؤية إلاّ مواجهة العالم بأسره -مسلمه وكافره- انطلاقًا من مفهوم الفسطاطين اللذَين أعلن عنهما رؤوس الجهالة في تنظيم “القاعدة”. بدليل أنّ هؤلاء يستهويهم القتال في أيّ مكان حتى داخل البلاد المسلمة تحت ذريعة محاربة العملاء، كلّنا كنا مع “طالبان” عندما كانت حكومة شرعية ذات شوكة بغض النظر عن الخلاف معها حول مفهوم تطبيق الشريعة، لكنّ هذه الحركة بتحالفها مع تنظيم القاعدة أبانت لنا كم كنّا مخطئين، إذ ضحّت بدولة كاملة، وشعب كامل، بل كانت مع هذا التنظيم المشؤوم سببًا في ارتهان العالم الإسلامي بأسره للحروب والتوترات السياسية والعسكرية، وتسببت للمسلمين في خسائر لا حصر لها، ولو أنّها تعاملت مع ابن لادن وعصابته بالتعامل الشرعي لكانت هي أوّل من حاكمتهم على جرائمهم في حق المسلمين قبل الكافرين، وها هي الآن تتسبّب في إثارة قتال مستعر في باكستان المسلمة، قتال يسقط فيه كثير من الضحايا المدنيين والعسكريين الّذين ليس لهم ذنب إلاّ أنّ الله ابتلاهم بهذا التنظيم الّذي ما وطئ فكره وأفراده بلدًا إلاّ أثاروا فيه الفتنة، وكانوا مساعر حرب.

وممّا يؤسفني كثيرًا أن أرى بعض الناس ما زالوا يتعاطفون مع هذا التنظيم اغترارًا بالتجييش العاطفي واستغلال مآسي المسلمين في ذلك، وهذا مصداق قوله صلّى الله عليه وسلّم حين وصفهم بقوله :«يقولون من خير قول الناس»، والله المستعان.

المصدر : جريدة المدينة السعودية

%d مدونون معجبون بهذه: