صيدلية التَصوُف [3]

من يلاحظ الثقافة الإسلامية الأصيلة في المجتمع الصوماليّ يجد أن انتشار الإسلام وتعليم مبادئه السّامية في جميع المناطق الصُومالية – القرى والمُدن – كان بواسطة أيدي مشايخ مدرسة التصوف الإسلامي الذين ينتمون إلى كل من الطريقة القادرية والأحمدية والصالحية مع أن العلاقة بين التصوف والإسلام ليست علاقة نوع بجنس ، بل هي علاقة هُوية. فالتصوف الخالص هو الإسلام الخالص ، وهو أصيل فيه ، وليس دخيلا ؛ فحيثما وُجد الإسلام الخالص وُجد معه التصوف.

وأسّست الطرق الصوفية أركان الثقافة الإسلامية كما بنت منارة الوحدة للمجتمع الصوماليّ ، وسابقا عالجت صيدلية التصوف أنواعا من الأمراض الاجتماعية المنتشرة في المجتمع الصومالي وأعتقد شخصياً أن التصوف هو علاج وبلسم يعالج اليوم كما عالج الأمس أمراض الجهل و التطرف والإرهاب والتكفير ، ومن أبرز ما دعتْ إليه وحافظته صيدلية التصوف ما يَرمز إليه توافق وتناغم النسيج الثقافيّ الصوماليّ، ومن هذه المبادئ السّاميّة:

  •  صيدلية التصوف التي عالجت حالات من الجهل على عكس ما يروّجه الكثير من حملة الفكر الوهابيّ وغيرهم ممن يري نفسه من التنويريّين أو أنه من الطبقة المتعلمة والمثقّفة من أبناء جلدتنا ، فقد ساهمت الطرق الصوفية في نشر المعرفة بين أوساط العوام. فقد كان شيوخ الصوفية يُعلمون أبناء البسطاء – ممّن لا دخل لهم – القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية ويرحلون مع الرُحل في المُدن والقرى، ولم تكن عند الطرق الصوفية – تعلُّم القراءة والكتابة حكرا علي فئة ضيقة كما هو الشأن عند بعض من أبناء الصحوة ممن فتح الخلاوي القرآنية للتجارة، وبفضل الطرق الصوفية وجد الكثير من أبناء العوام طريقهم نحو العلم في حلقات المساجد والخلاوي القرآنيّة ، الأمر الذي ساعد على نشر التعاليم الإسلامية التي تدعو إلي المحبة والتعايش والتآخي بين أفراد الشعوب.
  • حُشمة الأشراف : من أبرز سمات صيدلية التصوف أن أطبائها الرُوحيّين من أقطاب الصوفية كانوا ولا زالوا يكنّون احتراما جزيلا للحبائب والأشراف المنتمين إلى إحدى العائلات الصومالية العربية الشريفة التي يتصل نسبها بقبيلة قريش ، ومن ثم بالرسول (صلى الله عليه وسلم ) وكان هذا العنوان أي احترام هذه النور المحمدي سواء كان ذلك عن طريق الرحم والدم ، مكتوبا بلائحة الصيدلية؛ ولكن مع الأسف فُقدت هذه الحُشمة وانقطعت هذه الحفاوة للأشراف أثناء تواجد أبناء الفكر الوهابيّ في المجتمع الصوماليّ ، ولم تكن المشايخ فقط تحترم الأشراف بل المجتمع الصوماليّ حتى صار هذا الاحترام جزءا من الهُوية والثقافة الصُوماليّة حتى إنهم يطلبون من الأشراف الدعاء في المناسبات ، وجرت العادة أن يُطلب الدعاء من أحد الأشراف ويليه في المرتبة أحد الرموز الدينية لقبيلة ( شَيْخال) المشهورة بكثرة العلماء والمشايخ وحفاظ القرآن ويليها في المزيّة إحدي بطون قبيلة (دِرْ) وهي بطن – فقيه محمد – وهكذا فالورع ثم الورع.
  • إنشاء قرى؛ مما تميز به منهج الطرق الصوفية توجيه أتباعه إلى إنشاء قرى. وكان الهدف من ذلك التربية والتعليم والكسب الحلال. ويظهر ذلك في طريقة تخطيط هذه القرى : ساحة كبيرة في المركز يتوسطها مسجد وحولها الكتاتيب ودور التربية ، ووراء الدور المزارع والحقول. ويتميز أيضا باختيار أراض موات لإنشاء هذه القرى ، وكذلك اختيار أسماء هذه القرى (بارطيري- ومدينة بصرة والجماعة الحسينية بقيادة الشيخ إبراهيم طيري- وجماعة راحوالي قرب جللقسي و جماعة اُولُ مَدَوْ ( أي أصحاب العصي السود – وسكن هرر” ، وكانت عبارة عن قرية تعرف باسم – دكن كي -) وتتميز هذه القرى بكونها تنشأُ في الغالب في بيئة فقيرة لا يلبث فيها الأغنياء ، وكان بعض المشايخ يحرّضون الجميع على العمل اليدوي مصدر الثروة، ورسم خطة للتكامل والتعاون لإقامة المشاريع وسد احتياجات المسلم دون اللجوء إلى الآخر الذي قد يستغل هذه الحاجة، وأقرب مثال لهذا ما قام به أتباع الطريقة الصالحية في المناطق الشماليّة عندما اعتمدوا على مزارعهم في كفاحهم الطويل ضد الاستعمار البريطاني.
  • العصبية القبلية: كانت القبائل في الصومال ، شأنها شأن القبائل في غيرها من مناطق إفريقيا ، تعيش في الغالب في حالة شبه بدائية ، تتعصب أفراد كل قبيلة لقبيلتها فتحدث نزاعات عصبيّة قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى معارك دامية تستمر ربع قرن أو أكثر ؛ ولكن التربية الروحية التي تركز عليها صيدلية التصوف كانت تعمل علي تزكية النفوس وتنقيتها من النعرات القبلية التي أساسها الكبرياء والحمية الجاهلية والتكالب على حطام الدنيا وسفاسفها لتُكون مجتمعات تتأسس موالاتُها وانتماءاتُها على وحدة الإرادة وصدق التوجه إلى الله تعالى ، فاقرب مثال هو الهيكل الطلابي لما يسمي ( طلاب الحرَويين ) الذين جاءوا لطلب العلم من مناطق شتى وهم يمثلون قبائل شتي ربما بعض القبائل تتناحر فيما بينها يجمعهم نسب العلم لا نسب القبلية ، فصارت الطرق الصوفية كآلية لمعالجة عوامل التفرق القبائل الصوماليّة ، عكس ما دأبت القوي الاستعمارية علي تكريس العصبية القبلية للتمكن من تقوية سيطرتها علي الشعب الصومالي.
  • الطبقة الاجتماعية: كما أن الحياة الاجتماعية في الصومال ، وبشكل خاص في جزئها الغربي ، كانت تتسم بالطبقية الحادة ، ففي بعض الأحيان كان المجتمع ينقسم إلي فئتين : طبقة النبلاء (laandheer) يتمثلها القبائل الكبرى من قبيلة هوية ودارود وإسحاق وغيرها و التي تسكن في الشمال والجنوب وطبقة laangaab وهم السواد الأعظم من أصحاب الحرف الذين كان الـمجتمع ينظر إليهم نظرة احتقار ، ولم تكن هذه التركيبة الاجتماعية لتساعد علي بناء مجتمع متماسك ؛ وقد عملت الطرق الصوفية على التخفيف من هذه الطبقية الجائرة ، حيث انضم إليها عدد كبير من تلك الشرائح كمريدين وأتباع لطريقة واحدة يتعامل أفرادها على أساس من الأخوة والمساواة ، بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو طبقتهم الأصلية؛ فاتباع هذه الطرق الصوفية هم من شرائح وأبناء دون التمييز فيما بينهم بالرتبة القبلية ، كلهم يؤدون شعائرهم ويرتادون مجالس الذكر بشكل جماعي. وقد كان من أهم عقاقير وأدوية صيدلية التصوف التواضع وتزكية النفس وتنقيتها من الكبر والعجب ورؤية الفضل وغيرها من الأمراض النفسية التي تمثل مصدر كثير من المشكلات الاجتماعية لمن ينتمي للصحوة ممن حمل الشهادات الجامعية وشكل أحزابا دينية ، كما تعالج الصيدلية أمراض تقسيم السلطة على أساس ظلم اجتماعي ، وأقرب نموذج لهذا هو أن الشيخ أويس القادري والشيخ على ميّه والشيخ على سمتر والشيخ محمود غوليد وغيرهم كانوا من الطبقة المحتقرة.
  • التدخل الأجنبي : لقد تعرضت الأقاليم الصومالية لحملات استعمارية مزقتها إلى أجزاء خمسة ، ورسمت بينها حواجز وهميّة في بعض الأقاليم ، فساهمت في التفريق بين شعوبها ولكن الطرق الصوفية تجاهلت هذه الحدود المصطنعة وعملت على ترقيع ما مزقه الاستعمار لإعادة الربط بين أفراد الشعوب. وهكذا نرى أن الطرق الصوفية قد بسطت تأثيرها عبر الحدود، ونجد أن أتباع الطريقة القادرية والإدريسية والصاحلية يتواجدون في مختلف المناطق الصومالية ويتواصلون بأشكال مختلفة، وفي مناسبات الطرق الصوفية (في بيولي وحولية شيخ عبد الرحمن صوفي في مقديشو غيرها …) تلتقي نماذج مختلفة وتتواصل روحيا وماديا بكل انسجام ووئام. فهذا دور مؤثر للصوفية في تحقيق قدر من التواصل والتفاهم بين المجتمع الصومالي .

تعليق واحد

  1. اسم فى غير مسماه, الحسن البصرى وان كان صوفيا الا انه كان صوفيا يتبع السنة بحدافيره ولا يدعو الناس الى البدع, والصوفية التى تروجها يا استاد الحسن ليست صوفية العصور الاولى, فلم يكن فيها طواف بالقبور, واستغاثة الاموات والنذور فى القبور, واختلاط الرجال والنساء فى ما تسمونه بالذكر (او الحضرة) كما نعرفها نحن الصوماليين, وهذا خطأ واضخ وخلاف النسة وكلام الصحابة والتابعين, الصوفيه صفاء النفس والورع عن الدنيا وهذا من فعل الرسول والصحابة والتابعين ومن بعدهم من القرون المفضلة. وكل عاقل يعرف ان صوفيتكم فى الصومال وبعض الدول كالسودان ومصر وغيرهم لها كثير من الاخطاء الجسيمة, ونحن على مذهب السلف ثبتنا الله حلى الحق لا نكفر بالمعاصى (نحن نحكم بالطواهر والله يتولى السرائر) اما استغاثة غير الله كالاولياء والصالحين والرجاء انهم يقدرون لك العطاء والولد وغيره ) وانت تعلم ان الله وحده يقدرذالك كما نص القرءان والسنة فهذا يخرج من الملة والعياذ باالله , اما الجهلة والعوام فيعدرون بالجهل ولا يكفرون) واما رجال الصوفية العالمين بالقراءان والسنة والمطلعين على كلام العلماء فى النهى عن ذالك , والمتمسكسن فى رأيهم بتكبر وعزة فهم فى ضلال مبين ونسأل الله لهم الهداية, وننصحهم بمراجعة نفسهم والرجوع الى كتب السلف والمقارنة بها مع صوفية اليوم وما يفعلونه.

%d مدونون معجبون بهذه: