صيدلية التصوف [1]

 بازدياد مقدار الجور والظلم اللاحق بالمجتمع الصومالي اليوم ، وانتشار حالاتٍ من الفوضى الأمنية ، والفكرية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية الناتجة عن طمع محاولات الإسلاميين الفاشلة لنيل كرسيّ الحكم عبر منابر المساجد التي حاكت للمجتمع الصوماليّ خيوطاً من المكايد المنقوشة بألقاب إسلامية برّاقة التي أطالت أذيال النكبات على الأمة الصومالية المنكوبة والمضطهدة التي تترنّح بأعباء زعماء الحرب وغوائل الحروب الأهلية ، وحملت على ظهرها أكياسا من الفتن القبلية المستديمة – جثم على ظهرها الإسلاميون وحمّلوا على ظهرها أكياساً من العيار الإسلامي الثقيل فوق تلك الأكياس.

 وها هو المجتمع الصومالي لا يقدر التنفس ولا يعرف حجم العبء على ظهره ويفتقر إلى صيدلية تُناوله عقاقير العلاج وُتفحص نوعَ مرضه لتعالج مرضه المزمن الفتاك – حيال ذلك يتطلّع الجميع إلى برّ الأمان لترسو عليه سفن البشريّة باستقرارٍ وهناءة. ولأنّ الفراغ الروحيّ يأتي بين عوامل هذه الفوضى ومعه أشكالٌ من الغرق في ظلمات الماديّة ، فإنّ أصواتاً باتت تظهر في أكثر من ساحةٍ تنادي بأنّ تزكية النفوس على المستوى الفرديّ ، وانتظام الناس في مسارٍ ملتزمٍ بمنظومةٍ قيميّة سامية إنّما هو الدواء لهذه المشكلات ، وهذا الدواء موجودٌ في صيدليّة التصوّف الذي هو ثورة روحيّة على هذا الواقع المتردّي.

تعريف صيدلية التصوف

تُعتبر صيدلية التصوف مستحضرة طبيّة توجد فيها الأدوية والعقاقير لتوفير الخدمات العلاجية لأفكار التطرف والتكفير والتفجير التي هلكت الحرث والنسل ، وتُعني صيدلية التصوف اهتماما بالمرضى المعروفة بالصيدلة السريرية الذين يعانون من آثار التطرف وهم ضحايا المجتمع الصومالي من أبناء الصحوة قادة وأتباعا وجميع شرائح المجتمع الصومالي؛ لأن الكل لا يعلم نوع مرضه ، وأنا كباحث صومالي أكتب ولأول مرة هذا المقال لوضع البوصلة لسفينة جلب الاستقرار في المجتمع الصومالي التي تتقاذف في مسارها في هذه الأيّام أمواجٌ من المشكلات والتحدّيات التي تهدّد سعادة الإنسان الصومالي .

تؤدي صيدلية التصوف دورًا مهمًا في مجال معالجة مرض التكفير ـ أو على الأقل تخفيف ـ الحالات الطارئة للتطرف التي قد يصاب بها أحد أفراد المجتمع الصومالي بشكل مفاجئ ، والهدف الرئيس من بحث مقالة صيدلية التصوف كهذه هو علاج وصيانة ما تبقي من المجتمع الصومالي من أفكار التمزيق والتخريب التي أنهشته المجتمع الصوماليّ ، وأحاول لأول مرة عرض مقالات يسهل قراءة محتوياتها بشكل أكاديمي وسلس والتي تتحدث صيدلية التصوف عنها حول جمع الأدوية الفكرية وتطعيمها لمرضى فكر التطرف بشكل صحيح محاولة لتقليل إصابات التعصب للرأي . والتمحور حول الشخصيات والأحـزاب والجماعات. والتقليد الأعمى وتضليل الأفكار . والانطواء والتقوقع . وعدم الاتزان الفكري . والتجرؤ على الفتوى .

خبرة أطباء الصيدلية

 ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في الصومال وأصبح التصوف وقيمه السلوكية والمعرفية (موضوعيا) أحد مكونات الشخصية الصومالية ، وهنا نجد أن الكثير من الأدوية التي عالجتها الطرق الصوفية على كثير من أمراض المجتمع ووفرت لهم بيئة طبية مثل التسامح والزهد والتضامن مع الآخرين والتعايش السلمي مع الأخر. والإصلاح القبلي .. مرجعها التصوف.
كما ساهمت صيدلية التصوف في حل مشكلة المعرفة بالإسلام ذاته، ترسيخ معانيه ، التثبت والاستقامة وعدم ذبذبة في قواعد العقيدة ، وترسيخ معاني الدين – وهو أسلوب تمّ تدوينه ومن ثم تعارف عليه الناس كمصدر ثقافي للحضارة السماوية ، وهو ما أدى إلى أن يصبحوا قادرين على استنباط قواعد الإيمان بفلسفة هادئة ، وصاروا يمارسون حياتهم طبقاً لمذهب فقهيّ موحد وطبقاً لعقيدة أشعرية وسلوك متصوف لم تخلل جذور تاريخه أي ذبذبة ، فطابت صيدليتهم وراجت العقاقير الإيجابية تعالج بواقعهم القبلي والاجتماعي ، وصار الناس أصحاء يحفظون تراثهم الحضاري بصوره تامَّة وبلغ نسبة الإسلام 100% دون الاعتماد إلى قاعدة التكفير ثم التفجير . فأكملوا مشوار الحضارة الإسلامية بقواعد ، وطرق ، وتقاليد ، وآداب وسلوك تتفق بصوره عامة مع مواصفات صيدلية التصوف (روح) الإسلام ؛ وظلت الصيدلية تعطيهم الجرعات الطبية ( كطريقة) تسهل للفرد الصومالي أن يسالم مع نفسه ويسالم مع جيرانه ويسالم مع المجتمع قاطبة ويسالم مع العالم – غير أن واقع التطرف تخلف ذاك النمو الحضاري للمجتمع الصومالي الذي أدى إلى اختلاط المفاهيم الإسلامية ببعض أنماط التكفير متمثلا في شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام وبعض أنماط التفكير شبه التطرف والإرهاب المتضمن في هذا النمط .

محتويات الصيدلية

تنقسم محتويات صيدلية التصوف إلى مجموعتين رئيسيتين:

الأولى : مجموعة الإسعاف الطارئ

والثانية : مجموعة تطعيم المفاهيم الأساسية

المجموعة ألأولى : مجموعة الإسعاف الطارئ

  • تُلوّح لوحة صيدلية التصوف ضرورة إحياء دور الطرق الصوفية والزوايا لتلعب بدورها في تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تفضي إلى التعصب الطائفي المؤدي إلى التطرف. معلنة للعيان بأن التطرف ليس مرتبطا بالإسلام كديانة سماوية توحيدية ، بل يتعلق بقراءات وتأويلات سياسية دينية دخيلة بشرية للقرآن الكريم والسنة النبوية ، وتعطيك صيدلية التصوف بعض المواد الرئيسة الواجب توفرها في حقيبة الإسعافات اللازمة لإجراء معظم الإسعافات الأولية
  • تزكية النفوس والتحلي بمنهج التصوف : لمنع دخول هذه الجراثيم.
  • تفعيل دور حلقات العلم المبنية بالمفاهيم الصحيحة الراسخة .
  • وقف الإرهاب العقائدي الذي تنشره الحركات الإسلامية؛ لأنه يساهم في إيقاف أنواع الإرهاب بما فيها الإرهاب الوطني والإرهاب الجماعي والإرهاب الفردي؛ لأنه لما نقصت التربية الإسلامية الصحيحة وانتشر إساءة الطريقة والأسلوب التربوي في توصيل الثقافة الدينية في بعض الأسر أدى بالشباب إلى إصدار الفتاوى والأحكام المختلفة للنصوص دون الرجوع للمختصين في العلوم الشرعية وهي منبع التكفير والتفجير . وبذلك حصل الخضوع التام والطاعة العمياء لقادة الجماعات الإرهابية لسد احتياجاتهم المادية .
  • إن بعض الحركات تساهم في تشويه صورة العلماء الأوائل من أقطاب الصوفية أسهمت إلى حد كبير في رسم صورة قاتمة عن تاريخهم ودورهم في نشر الإسلام

 الثانية : مجموعة تطعيم المفاهيم الأساسية

  • علاج الجفوة بين العلماء والشباب – ففي أغلب الأحوال تجد العلماء (بعلمهم وحكمتهم وفقههم وتجاربهم ) في معزل عن أكثر الشباب وربما يسيئون الظن بالكثير منهم كذلك ، وبالمقابل تجد الشباب بحيويتهم ونشاطهم وهمتهم بمعزل عن العلماء ، وربما تكون سمعتهم في أذهان الكثيرين على غير الحقيقة ، وبعض ذلك بسبب انحراف مناهج التربية لدى بعض الجماعات .
  • لا بد من علاج التعـالم والغــرور – وأعني بذلك أنه من أسباب ظهور الغلو والعنف في بعض فئات الأمة اليوم ادعاء العلم في حين أنك تجد أحدهم لا يعرف بديهيات العلم الشرعي والأحكام وقواعد الدين ، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ولا رأي سديد ، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين فيستقل بغروره عن العلماء ، عن مواصلة طلب العلم فَيَهْلك بغروره وَيُهلك.
  • علاج الخلل في مناهج بعض الدعوات المعاصرة – فأغلبها تعتمد في مناهجها على الشحن العاطفي ، وتربي أتباعها على مجرد أمور عاطفية وغايات دنيوية ، وتحشو أذهانهم بالأفكار والمفاهيم التي لم تؤصَّل شرعًا ، والتي تؤدي إلى التصادم مع المخالفين بلا حكمة. وفي الوقت نفسه تقصِّر في أعظم الواجبات ، فتنسى الغايات الكبرى في الدعوة ، من غرس العقيدة السليمة والفقه في دين الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، والحرص على الجماعة وتحقيق الأمن ، والتجرد من الهوى والعصبية ، وفقه التعامل مع المخالفين ومع الإحداث على قواعد الشرع ؛ لقصر النظر وقلة الصبر وضعف الحكمة – ونحو ذلك مما هو موجود لدى بعض الشباب ، فإذا أنضاف إلى هذه الخصال ما ذكرته في الأسباب الأخرى؛ من سوء الأحوال وشيوع الفساد ، والظلم ، ومحاربة التدين وفقدان الحوار الجاد أدى ذلك إلى الغلو في الأحكام والمواقف، وسبق أن حدث تصدر حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام في صفوف الدعوة وأشباههم للدعوة والشباب بلا علم ولا فقه، فاتخذ بعض الشباب منهم رؤساء جُهالاً، فأفتوا بغير علم، وحكموا في الأمور بلا فقه وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوع إلى أهل العلم والفقه والتجربة والرأي ، بل كثير منهم يستصغر العلماء والمشايخ ولا يعرف لهم قدرهم ، وإذا أفتى بعض المشايخ على غير هواه ومذهبه ، أو بخلاف موقفه أخذ يلمزهم إما بالقصور أو التقصير، أو بالجبن أو المداهنة أو العمالة ، أو بالسذاجة وقلة الوعي والإدراك والتخلف ! ونحو ذلك مما يحصل بإشاعته الفرقة والفساد العظيم وغرس الغل على العلماء والحط من قدرهم مما يعود على المسلمين بالضرر البالغ في دينهم ودنياهم.
  • لابد من علاج التشدد في الدين والتنطع – والتشدد في الدين كثيرًا ما ينشأ عن قلة الفقه في الدين .
  • لابد من علاج شدة الغيرة وقوة العاطفة – لدى فئات من الشباب والمثقفين وغيرهم بلا علم ولا فقه ولا حكمة ، مع العلم أن الغيرة على محارم الله وعلى دين الله أمر محمود شرعًا ، لكن ذلك مشروط بالحكمة والفقه والبصيرة ومراعاة المصالح ودرء المفاسد. فإذا فقدت هذه الشروط أو بعضها أدى ذلك إلى الغلو والتنطع والشدة والعنف في معالجة الأمور ، وهذا مما لا يستقيم به للمسلمين أمر لا في دينهم ولا في دنياهم .
  • لابد من التربية الروحية .
  • لا بد من تعزيز التعاون بين الأسرة والعلماء كما لابد من تعزيز التنمية بحيث يتم الوفاء بطريقة منصفة بالاحتياجات الإنمائية والبيئية للأجيال الحاضرة والمستقبلية .
  • أن يقوم العلماء بالدور الموكول إليهم من شرح القيم الإنسانية و وضع الخطط التي تدعو إلى توعية المواطنين داخل الوطن وخارجه بمخاطر ومشاكل.
  • سلامة المنهج. ويقصد هنا بالأفكار النظرية المكون منها المنهج الدراسي، ويجب أن تحمل المعاني الشرعية المبسطة للطالب المناسبة لفهمه، التي تقي في الوقوع بالاتجاهات الفكرية المنحرفة .
%d مدونون معجبون بهذه: