رواندا درس للصومال

اخترت هذا الموضوع بعد ما سمعت من وسائل الإعلام تفويض الشعب الرواندي لرئيسهم بول كاجامى الترشح لولاية ثالثة بعد تعديل الدستور الذي لا يسمح للرئيس الترشح إلا لولايتين فقط.

وتعديل دساتير الدول العالم الثالث لتمديد فترة الرؤساء شأن داخلي ونقص لهذه البلدان؛ كما بينا فى مقالنا السابق المنشور في شبكة الشاهد تحت عنوان “رؤساء من القصور إلى القبور” ولا أريد الرجوع إليه، ولكن فقط أود أن أشير إلى ما يتمتع به الشعب الرواندي من أمن واستقرار، وإزدهار، ورفاهية بعد حروب أهلية ، ومجازر، وإبادة جماعية هي الأسوأ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، والتى بدأت عقب إسقاط طائرة رئيس رواندا السابق، وما يعانيه الشعب الصومالي حتى الآن من حروب أهلية، ونزوح، ومجاعة، بعد سقوط الحكومة المركزية؛ ونحن نعلم أن البلدين دخلتا حربا أهلية فى التسعينيات.

كيف نجح الروانديون من إعادة دولتهم بعد حروب أهلية ؟

ولماذا لم ينجح الصوماليون بذلك ؟

وهل حان الوقت ليأخذ الصوماليون العبر والدروس من الروانديين ؟

رواندا والصومال من البلدان الإفريقية وخاصة دول شرق إفريقيا، وليس لهما حدود، ولكنهما يتشابهان ويختلفان فى أمور عدة.

أوجه الشبه بين البلدين :

  • رواندا والصومال من البلدان التى تقع في شرق إفريقيا، واندلعت في البلدين حروب أهلية طاحنة.
  • يقدر عدد سكان الدولتين بعشرة ملايين نسمة.
  • يعتمد الشعبان اقتصاديا على حرفتي الرعي والزراعة.
  • استعمر المستعمر الأوروبي الدولتين .
  • الانتماء العرقي والقبلي من سمات البلدين.

أوجه الاختلاف بين البلدين :

  • معظم سكان رواندا مسيحيون بينما جميع الصوماليين مسلمون.
  • رواندا تعافت من الحروب الأهلية بينما لم ينته بعد الصراع فى الصومال.
  • رواندا دولة قوية أمنيا وسياسيا واقتصاديا بينما الصومال دولة صعيفة أمنيا وسياسيا واقتصاديا.
  • كيغالى أنظف عاصمة فى إفريقيا، بينما مقدبشو من أسوأ المدن نظافة.
  • رواندا ليست دولة ساحلية بينما الصومال لها أطول ساحل فى إفريقيا.

رغم كل هذا التشابه والاختلاف رواندا تجاوزت كل العقبات بجهود جبارة بذلها الشعب الرواندي وحكومته، واستفادوا من الدعم الدولي على أحسن وجه لبناء رواندا من جديد، بعد سنوات قليلة من المجازر والإبادة الجماعية التى وقعت عام ١٩٩٤م .

ولكن الصومال الحبيب لم يخرج حتى الآن من الحروب بشكل نهائي ، وهو ما أدى إلى استمرار انهيار البنية التحتية فى بلدنا، وتشتت أبناء أهله، بل وأصبحت الصومال مشروعا لسماسرة العالم، والصوماليون أنفسهم غير جادين وغير مستعدين لإعادة ترتيب أوراقهم من جديد، ولتحقيق أمنهم واستقرارهم بأيديهم، وذلك بعيدا المصالح الخاصة والأطماع السياسية والاقتصادية والعصبية الجاهلية؛ وغير ذلك مما يبرر التدخل الأجنبى السافر في شأنهم الداخلي وكذا الاقتتال الهمجي على الحدود الوهمية بين أقاليم الولايات الفيدرالية.

والسؤال المهم هو … لماذا نجحت رواندا المسيحية ولم تنجح الصومال المسلمة ؟

ربما هذا السؤال محير لبعض الناس ولكن الإجابة بسيطة.إذ ليس من سنن الله سبحانه وتعالى فى هذا الكون أن يعطي أمة مسلمة كانت أو مسيحية دولة ونظاما يأتى من السماء بدون نضال، وكفاح، وجهد، واعتصام، وتسامح، وعلم، وعمل؛ لأن بناء الأمة يحتاج كل هذه الأمور وغيرها.

والصومال المسلمة لم تستفد من التجارب والوقائع التى تحيط بها، بل أرادت البقاء على حالها، ولذلك إذا اجتمع العالم كله لا يستطيع بناء الصومال من جديد إلا إذا أراد الصوماليون ذلك ؛ لأن إرادة الشعب أقوى من كل شيء، وصدق الشاعر عندما قال : إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.

ولهذا عار على الصوماليين أن يكونوا نموذجا لدولة فاشلة، وأن تستضيف كل دولة مؤتمرا حول الصومال مثل كأس العالم الذى يقام كل أربعة سنوات في إحدى دول العالم، وأن تصبح قضية الصومال مسرحا مفتوحا يدخل فيها الأجانب ويديروها كيفما يشاؤون، وكل هذا بسبب الكراهية، والعصبية الجاهلية، والتفرق، والاقتتال فيما بيننا.

وأخيرا أوجه ندائي إلى الشعب الصومالى الجريح الذى لا حول له ولا قوة؛ آملا أن يستيقظ ويفيق من نومه العميق، ويعرف عدوه من صديقه، وأن يعود إلى إعادة بناء الصومال القوية من جديد، وأن يحذو حذو رواندا التى ليست أفضل منا، لهم ما لنا، بل نحن أكثر بكثير من الموارد الربانية والبشرية، وإلا يكون العيب علينا إلى الأبد، ويصدق علىنا ما قاله الشاعر قديما ” ولم أر فى عيوب الناس عيبا ** كنقص القادرين على التمام”

%d مدونون معجبون بهذه: