كعكة طولها نفس عرضها

دعوني أعبر عن مشاعري الجياشة عبر تاريخ مديد نحو عقدين من الزمن فى بلد طغى كابوس الحرب الأهلي وسفك الدماء البرية ومعارك جنونية وأصوات النيران والمدافع على أجوائه الهادئة، أمة تقلد أمرها مستبدون ومخربون من دكتاتور إلى زعيم حرب أهلي من غارة إلى تشريد حتى احتل الرقم القياسي فى اللجوء عالميا، فُرّغ فوق رؤوسه أطنان من الرصاص الحية، دوخت حليمة وأسكتت حكيمه ، روت الأرض دماءه الطاهرة حتى بلت وتعشبت عشبا ، ثم هجرت وفتت أكباده إلى أصقاع العالم عابرة الحدود ، وفى أعماق البحار والمحيطات تلقفت الأسماك ، وفى الغابات والأرياف كشاة شاردة فى ظلام الليل وسط الذئاب والوحوش الكاسرة ، صمدت أقلية كصمود الجبال الراسخات ، وكافحت الحياة بشتى سبل العيش والبقاء ، راقبت أفقا يلمع عله يكشف الكروب والهموم ، آهات الأمهات وويلات الأباء حدث عنها ولا حرج .

كنت الطفل الذي ترعرع فى همساته ونفحاته لطالما تمنيت يوما أن يظل الأفق منكشفا لأروي رواياتي الحزينة وانتمائي المرعب فى بلد بات ساخنا لم يدفء بعد.

هنالك فى جيبوتي التى رست سفينة محملة ومملوءة بالمتفجرات يسأم من يسمعها ويراها لكن الرئيس المغمور بالشرف والكرم إسماعيل عمر جيلي تخطى كل هذه العقبات الماثلة أمام السفينة التى أبحرت من شواطئ الفراغ والدمار ، كنت اليافع الذي يصبو نحو النتيجة جلست أمام الشاشات وفؤادي تطرب من أجل المفاجآت القادمة سردت النتائج والأمنيات وفاضت دموعي حتى بلت محملي ومنحري ، ناديت بصوت عال يا أصحاب السفينة عل الرياح الموسم تبلغ عني …النجاة ….النجاة…!

أتردد صباحي ومسائي نحو الشاشات رمقا أن ينكشف لي الغيب ويشفى عنى الغليل، وغيري ليسوا أقل مني شوقا وحنينا ، رسمت المعالم فى جيبوتي أن الحاضر والغائب معا سيقتسمون كعكة طولها 4.5 وعرضها نفس طولها تسمى الصومال الكبير الأثر الموروث !، استغربت أولا واستفسرت ثانية ؛ قالوا لي إنه “حل وليس حقا ” عجبا أمر مستحدث مرغوب ومشؤوم فى نفس الوقت ، تلقفت الأمة بحفاوة وفى القناعة أمر آخر.

وبعد مخاض عسير دام شهورا وفى غداته طائرة تطير أجواءنا تحمل فى جعبتها وجنباتها الكعكة الغير المنقوصة والمغلفة بقشرة شكولاتة مع مفهومها الجديد حل وليس حقا مكتملة الأركان والشروط لزم الامر هكذا حتى تلاشى الحل، وضعف الحق وتكالب عليه الشقي والسعيد والقوي والضعيف جعلوه طعمة فى أفواههم؛ ليت قومي يعلمون، والعالم أجمع أن أكلها كان سما تفتت اأمعاء والأكباد، تجعل الحل رحما وملاذا من جحيم لا يرحم ، يمجد القاتل والمقتول مرة واحدة ، ويأوى الفساد وأهله ويرمي الشرف والكرم الحقيقي إلى العراء والكهوف محتل مزيف ومحتل مرقم ، أنوف مقطعة ورؤوس مدورة معلقة على رؤوس الأشجار ترعب الجميع حيا وميتا جمعت ألوانا من العذاب أشد وأنكى من الأول حاصلة الأخير .

لكن ما زالت الكعكة لها إسناد خارجي وهو الغطاء الدولي وإسناد داخلي وهو التيار المحلى المسنود من القبائل الصومالية فى قول مرجوح سيمتد نحو العروق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . لاشك أن هذا يخدم لصالح فئة معينة.

ونزولا إلى محطته الخارجية الأخيرة فى مدينة ” انبكاتي ” الكينية لكن هذه المرحلة كانت أقل ركاكة من سابقتها؛ ولعلها تسربلت بنطلونا فضفاضا إذا قارنا مع الأول فى (جيبوتي). فى ذاك الوقت المعول هو النتيجة فقط لكن الساسة اليوم أكثر تمرسا وحيطة من ذي قبل؛ كان كل واحد يمسك العصى من الوسط يميط اللثام عن حله لا حقه .

لم تدم طويلا حتى سلكت “انبكاتي ” مسلك أختها (الجيبوتي) وسارت نحو دربها المسنون والمحبوب محليا ودوليا علاج ناجع ابتسم لها المقاولون والمدبرون وصناع القرارات على المنطق العقيم والمنسي.

تقاسم أهلي وأحبابي الكعكة القديمة التى نفثت عنها الغبار مجددا لكنها ليست على نمطها الأول هذه الكعكة حازت أكبر عدد من المتملقين والمتعطشين لها تجرعوا من أجلها الذل والهوان وتنادوا من أجلها مصبحين على أن لا يمسها طاهر مرضي ، أتكحل هولاء الجميع المناصب ولبسوا أثوابا نفس المقاييس الأنيقة والجميلة لكن طريق مليء بالمتفجرات والمستنقعات ونسوا على أن الماضي مرهون باليوم ، وسيفعلون على غرار ما فعلوا بالأمس غيرهم ، وسرعان ما اشتعلت النيران فى مقديشو وتحولت الحصون والمعاقل إلى مساجد ومآذن متلاحمة تشق صفا ذا اتجاهين كنست الطرق والمحافل استثمرت جهودا لتقريب وجهات نظر البعض رغم تصدعات داخلية وفجوات عريضة، وفجأة دون تريث راشقوا الأحجار نحو العدو المتغطرس، وأخيرا جرت بينهم مطاجن بأفجع المآسي وأشد القساوي.

ثم ما لبث جمع غفير منا أن تجمعوا في مكان الأول (جيبوتي) واختاروا زعيما وسطا وهو المشاط الأول عن أشكواك مقديشو الشائكة قائلين لعله هو المنتحر السابق؛ فإما أن ينتحر وإما أن يشق له ، فانشق له البحر يبسا، وحبر له القلم حبرا مديدا ثم شهدت التحولات الأخيرة من خروج الصومال إلى بر الأمان نجا عن المحنة رغم تصدعات كبيرة تعاني منها والتى يبدو حلها صعب المنال.

لكن ما ينذر بخطر داهم وشر مستطير الكعكة نفسها اليوم هيمنت جل أفكار المواطنين المؤتمرين، وهي تلبس نفس الثياب والمقاييس على رغم من الإنجازات والأشواط التى تخطتها مرحلة المصالحة الوطنية بيد أن أكبر الرموز السياسيين فى البلد يتسترون وراء الكواليس ما من شأنه حبهم للكعكة المشئومة للمرة الخامسة على التوالي؛ كضامن للبقاء لهم على الكرسي، وهو أمر مستغرب حقيقة؛ هل الصومال مرهونة دائما لمصلحة شخص معين أو أشخاص معينين إذا كانت الجواب نعم ؛ فهذا أمر مرفوض ومعيب عليهم ، نحن كمجتمع نقدم الوطنية أكثر من مصالحنا الخاصة وأننا لابد أن نحب الوطن ونضحي الغالي والرخيص ، وأن نتحاشى من أن نقلب الأمور إلى ما لا يعكس الآمال والطموحات فى المستقبل القريب .

يقول دكتور ياسر الغرباوي فى مقال له تحت العنوان “أن الأمم الحية والواعية لم تخلق هكذا وإنما وقعت فى أخطاء قاتلة ومعارك طاحنة ومذابح مفجعة، و أيضا تلقت هزائم منكرة لكنها تمتلك ميزة هامة ألا وهى عدم تكرار أخطاء الماضي وأن لا تقع فى الفخ مرتين فهى تتعلم من الأخطاء عبر وسيلتين هما :
الأولي : التعلم بالورقة والقلم: من خلال الاستفادة من دروس التاريخ وتجارب الأمم وعدم الدخول فى الأنفاق المظلمة التى سارت فيها الشعوب من قبلها؛ وذلك عبر القراءة والنقد الدامى للذات والاعتراف بالخطأ بدون استعلاء وادعاء للأفضلية والخصوصية وذلك من خلال جهود الفلاسفة والعلماء ومراكز البحث والدراسات.

الثانية : التعلم بالعصا : فالأمم العاقلة تعتبر النكبات والهزائم التى تتعرض لها منحة ورسالة صادقة فحواها هى أن لا تدخلوا فى معارك خاسرة مرة أخرى مهما كانت الإغراءات والمكاسب السريعة والضغوط المتوالية.

إني أجدد لكم فى إطار موقفي الداعم للسلم الأهلي والمجتمعي أننا لم لن نحقق قربات وطنية رسمية ما لم نضع نصب أعيننا المصائب والكوارث المرعبة التى أصابتنا وتجري حاليا فى بعض البلدان الشقيقة التى عصفت الفتنة فيهم شرقا وغربا وأجبرت سكانها يتيهون فى بقاع الأرض طولا وعرضا على غرار ماضينا القريب .

وأن نحاول من تهدئة الوضع المفخخ بفعل الماضي دون جلب مزيد من الدمار والخراب وان رؤية 2016م لابد وأن تكون مغايرة كما ونوعا من الأولى؛ وإلا نحن تقليديون لم نضف الماضي شيئا يذكر رغم الجو المناسب والمرحب لنا.

%d مدونون معجبون بهذه: