تسوية مواجهات چالكعيو بصيغة لا غالب ولا مغلوب

تتوالى المبادرات التي يطلقها الوجهاء والعلماء والسياسيون الصوماليون لنزع فتيل التوتر الأمني والسياسي القائم في مدينة چالكعيو – حاضرة محافظة مُدج – بوسط الصومال بعد أن شهدت المدينة معارك ضارية بين قوات ولاية ” چلمدج ” وقوات إدارة بونتلاند الإقليمية ، وقد عقد عدد من العلماء الصوماليين المعروفين اجتماعا موسعا في مدينة جرووي – المركز الإداري لنظام بونتلاند – دعوا من خلاله الطرفين المتصارعين في جالكعيو إلى وقف الأعمال العدائية وعدم الانجرار نحو خرق الهدنة القائمة حاليا وتجدد الاشتباكات، على صعيد متصل ، اجتمع بعض شيوخ ووجهاء عشائر ولايتي بونتلاند و ” جلمدج ” في مدينة عدادو؛ وأصدروا بيانا عبروا فيه عن أسفهم البالغ واستهجانهم لاندلاع المعارك في چالكعيو ، وأكد المجتمعون على استعدادهم للتوجه إلى المدينة رافعين الرايات البيضاء التي ترمز للأمن والاستقرار؛ وذلك لقيادة جهود الوساطة بين الجانبين.

والجدير بالذكر أن شخصيات سياسية صومالية أدلت – هي الأخرى – بدلوها في الجهود المبذولة لتجميد الأنشطة العسكرية في جالكعيو ، وتلطيف الأجواء المشحونة فيها، وسحب القوات المتناحرة من خطوط الالتماس ، فقد زار المنطقة كل من رئيس الوزراء الصومالي عمر عبد الرشيد شرمأكي ورئيسي إدارتي جوبالاند وجنوب غرب الصومال الإقليميتين أحمد محمد اسلام وشريف حسن شيخ أدم ، وعبر الجميع عن استعدادهم لجمع النظامين المتصارعين في جالكعيو على طاولة المفاوضات ، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كل ما من شأنه تفخيخ السلم الأهلي والتعايش القبلي في المدينة ، والعمل على تمكين النازحين والمشردين من العودة إلى بيوتهم .

معارك چالكعيو التي سقط فيها قتلى وجرحى وأدت إلى تفجر موجة نزوح جماعي هي الأقسى والأكثر ضراوة في الأعوام الأخيرة ، حيث ظل الوضع الأمني والسياسي في المدينة مستتبا طيلة العقدين الماضيين ، ولم يتأثر كثيرا بالقلاقل القبلية والسياسية التي كانت تنخر في جسد المحافظات المجاورة ، على الرغم من التنوع القبلي في چالكعيو وتباين توجهات وميول سكانها السياسية ، ونظرا لمشاطرة بونتلاند وچلمدج في حكم المدينة ؛ حيث يخضع شمالها ومعظم أحياء شرقها وغربها لحكم نظام بونتلاند ، بينما تسيطر إدارة ” جل مدج ” الجانب الجنوبي من المدينة ، واحتفظت الولايتان الإقليميتان هامشا من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شئون الأخرى طوال السنوات المنصرمة ، لكن تفشي وباء الأقلمة وطمع الجميع في إخضاع أراضي الغير ومن عليها هو الذي أعمى الأبصار والبصائر عن تفهم حقائق سياسية وجغرافية وديموغرافية، وفتح شهيتهم للتوسع وادعاء مدن ومحافظات تعتبر جزءا لا يتجزأ من ولاية أخرى !

وحتى تذهب السكرة وتحل الفكرة ، ونقطع دابر المأزق السياسي والأمني والمواجهات ” المؤسفة ” في جالكعيو التي قد تتجدد في أي لحظة ، يجب الإشارة بأصبع الاتهام إلى الطرف الذي بادر بالاستفزاز وإيقاظ الفتنة من رقادها ، ثم سحب القوات المتصارعة من المناطق المأهولة بالمدنيين وإعادتها إلى ثكناتها العسكرية ، والعمل على إنجاح جهود ومبادرات المصالحة التي يقوم بها الوجهاء والأعيان وبعض السياسيين ، وتغليب لغة العقل والحكمة والحوار و إدراك أنه لا غالب ولا مغلوب مهما طال أمد الأزمة وتضخم عدد قتلاها وجرحاها ومشرديها ، ورفع العقبات والعراقيل أمام عودة النازحين والمشردين إلى بيوتهم ، والخطوة الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقاتها هي تكليف لجنة من الخبراء المشهود لهم بالنزاهة والتجرد والحياد برسم الحدود بين بونتلاند و ” جلمدج ” بناءا على المعطيات الجغرافية والديموغرافية والتاريخية والسياسية لقطع الطريق على سيل التصريحات الهلامية والعائمة التي يطلقها مسؤلو الولايتين الإقليميتين – بين الحين والآخر – عن الحدود البرية والبحرية والجوية للولاية التي تضم عددا لا حصر لها من المحافظات !!

والواجب على الحكومة الصومالية الفيدرالية الخروج عن سجن الصمت السلبي ورفع القناع عن موقفها الحقيقي عن ما يجري في جالكعيو الذي اكتنفه الكثير من الغموض والضبابية ، والرد على الاتهامات الخطيرة والمفاجئة التي وجهها إليها رئيس نظام بونتلاند عبد الولي محمد علي ، حيث صرح في اللقاء الأخير الذي جمعه مع رئيس ولاية جوبالاند الزائر أحمد محمد إسلام في جرووي أن مقديشو تتحمل المسؤولية الأولى والمباشرة عن أحداث چالكعيو ، وأنها تدعم إدارة ” جلمدج ” تدريبا وتسليحا، وتوفر لها الغطاء السياسي والعسكري ، وهي اتهامات يرى بعض المراقبين أنها تكرس لمرحلة جديدة من انعدام الثقة وترسيخ الهوة بين مقديشو وجرووي !!

%d مدونون معجبون بهذه: