أجراس تدق في سماء مدينة چالكعيو

 لم أستطع أن أمنع نفسي من التأثر الشديد بعد تلك المكالمة الهاتفية؛ والتي كانت من سيدة تشتكي بأن جدتها طريحة الفراش، ولا تعرف ماذا تفعل، وكيف تهرب بها في ظل طبول تدق لإشعال شرارة الحرب، ولم تكن تلك السيدة هي الوحيدة التي تشعر بالضياع وقلة الحيلة بل يشاركها الآلاف من العائلات التائهة ، والهاربة والتي نزحت وانتشرت خارج المدينة، ولا تعرف إلى أين المصير ؟ وماذا بعد ذلك؟

يا الله..! كم هو شعور مؤلم ومخيف ذلك الضياع والترقب القاتل ، ولكن لا شعور مخيف يماثل أمام فكرة العودة للقتال، العودة للقتال معناها العودة إلى نقطة الصفر، خاصة بعد تلك المدة التي توُصف بالصعبة والعسيرة، والتي تطلبت جهودا جبارة شارك فيها البعيد والقريب من أجل ترميم الوطن وتعقيم الجروح ، وإصلاح القلوب ، والوقوف على القدمين من جديد .

 ومن الحمق في الوقت الحالي التفكير في أن الحل الأمثل يكون تحت أزيز السلاح، ومن العار أن نرتكب جناية جديدة في حق الوطن .

چالكعيو هي مدينتك ومدينتي ومدينتهم لا يمكن أن أعرفها تعريفي الخاص دون أن تكون أنت فيها، ومن المحال أن نجتمع أنا وأنت من دونهم ، هي مدينة بُنيت بكل أنواع التراب، ولا يمكن أن تبنى إلا بكل السواعد ، هي خُلقت لكي تكون للصوماليين عنوان للتعايش ، هي قوس قزح الصومال بها كل الألوان ، وتكتمل بكل الأطياف ، وجودها مرهون بإذابة الفوارق، ومهما حاول السياسيون تقسيمها لا تدوم تلك الخطوط، وتنهار تلك الحواجز قاتل الله دعاة الفرقة دعاة الحرب الظالمة ، فدعواتهم لا تجلب سوى الحسرة على أرواح تزهق ، ودماء تُهرق ، ووطن يحرق ، وأسكت الله كل أبواق جهنم .

يشهد التاريخ الصومالي بأنه من المستحيل إقصاء طرف دون طرف في چالكعيو، وفطن لذلك حملة أسلحة الحرب في بداية التسعينات، فأعلنوها مدينة للكل تحتوي الكل، تتسع للجميع، وسلموا مفاتيح المدينة بكل رضى للشعب، ويبدو بأن فطنة حملة الأسلحة غابت عن حملة الشهادات العالية، فأجراس الحرب التي تدق  اليوم للأسف من حملة العلوم، وشعار لا صوت فوق صوت المعركة يخرج من أفواه من إئتمناهم على أرواحنا، وسلمناهم مقاليد القيادة ، وإذا كانت للحروب ثمرات تُقطف؛ قطفناها نحن الصوماليون قبل سنوات ، ولم نستطع هضمَها لمرارة الطعم ، فلا نريد المزيد منها.

يا أصحاب النفوس الحرة ، والأرواح الأبية ، إذا كان لكم في الصلح حظوة فهذا مجالكم؛ كونوا من الشجاعة بمكان، وأخمدوا بذور الحرب بحكمتكم ، وأوقفوا رنين أجراس الكراهية التي تدق بإيمانكم ، وتقدموا بنا للصلاة، وادعوا حتى ترتفع الأكف ونؤمِّن لدعائكم ، فلربما تكون دعواتنا معاً كافيه لأن نقول لأعداء الوطن.. إننا معاً ، ونحيا معاً ، ونموت معاً .

2 تعليقان

  1. حقا استفدنا من هذا المقال شكرا جزيلا يا دكتوره

  2. تسلم أناملك موضوع جدا رائع جاء في وقته وهذا هو المستوى الذي عودتينا عليه اشكرك أستاذة فاطمة حوش

%d مدونون معجبون بهذه: