الصراع على السلطة في الصومال

مشكلة حب الرئاسة والصراع على الحكم أغَضَّت مضاجع الأمة، فالأمة الإسلامية لا تعرف بتاريخها المديد، وحياتها الطويلة مصيبة أفدح، ولا طامة أدمر من حب الرئاسة والتلهث وراء السلطة، بدءا من الدولة الأموية ومرورا بالعباسية ووصولا إلى زمننا الحاضر، إذ لم تعرف الأمة شيئا احتدمت بسببه معارك ضارية، وسالت به دماء طاهرة، وذهبت به ملايين من البشر ضحيتَه مثلُ الصراع على السلطة وإسالة اللعاب على الرئاسة.

 وعلى هذا المنوال – في منطقتنا الصومال- غُرِّر كثير من الشبّان في ريعان أعمارهم وسفكت دمائهم، وذهبت حياتهم هدرا بلا طائل، إذ صاروا وقودا لأتون حرب فتنة عميّة لا مصلحة فيها إلا التدمير والتخريب والركض وراء شهوة الكرسي والرئاسة.، فمنذ أول وهلة حينما بدأت دولة الصومال الفتية ظهر في علياء أفقها الصراع المرير على الرئاسة والترأس، فكثير من الساسة يجزمون بأن إقدام الحارس ” سعيد أوْرْفَنيْ” في عام 69 اغتال الرئيس ” عبد الرشيد علي شرمأركي” كان ورئه الصراع على السلطة، ثم تلته أزمة التقاتل على الحكم بين البرلمان والحكومة آنذاك الذي بسببه انهارت الحكومة الصومالية بعد واحد وعشيرين عاما, إذ الدول غالبا لا تنهار بين عشية وضحاها وإنما يدّب فيها المرض تدريجيّا حتى تنهار في آخر المطاف، ولو أخذ ذلك برهة من الزمن، ولولا الصراع على السلطة بين الحكومة والبرلمان إثر اغتيال الرئيس والمحسوبية والرشاوي التي استخدمت للوصول إلى سدّة الحكم لما تمكّن الجيش الانقلاب على الحكومة والبرلمان ثم زجهم في المعتقلات، ثم تلتها صراعات أخرى دموية على السلطة بين الجيش الذي غَصَب السلطة ؛ حيث ذهب بضحية الصراع ضباط وجنرالات من خيرة الجيش في عام 1972 ، ثم بعد ثلاث سنوات فقط حرصا على السلطة أعدم في رابعة النهار خيرة دعاة الصومال ، ومنذ ذلك اليوم تلاحقت حوادث جسيمة كلها تتمحور حول الصراع على السلطة، وحب الرئاسة حتى زُحزح الرئيس ” سياد” من القصر الرئاسي بقوة الحديد والنار بعد ما رمى عرض الحائض بجميع نصائح المخلصة التي أرادت أن تنقذ البلد من براثن حروب أهلية طاحنة؛ فنشأ عن تشبثه على السلطة أن سالت الدماء وتناثرت الأشلاء، ووقعت حرب إبادة أكلت الأخضر واليابس من مؤيدي الرئيس ومعارضيه، ومن الولدان والنساء.

 ثم بدأت معركة أخرى شرسة بين جبهات القبلية ومليشياتها كل جبهة تريد أن تستأثر الحكم أو أن يكون لها قدح المعلى بإدارة البلد والسطو على السلطة، مما جعل من الصعوبة بمكان إعادة الهدوء والأمن إلى البلد.

 ثم جاءت المحاكم التي استبشر الشعب بمجيئها وبذل بتأييدها الرخيص والغالي، إلا أنه لم تدم البشارة بل تحولت إلى كارثة بسبب الصراع على الحكم بين قادة المحاكم، وتخوف بعض دول الجوار بسلوكيات بعض أفرادها. ثم تلتها الأعوام العجاف التي احتلت فيها أثيوبيا عاصمة الجمهورية وأرغمت أنف شعب الصومال الأبي؛ لأنه أهان نفسه أولا :

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ *** ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ

ثم جاءت فترة الرئيس “شريف” حيث اشتدت وتيرة الصراع على السلطة بين من يظهر عليهم التدين، ولكنَّ أفعالهم كانت تخالف أقوالهم!

هذه اللمحة السريعة تكون اتكاء قويا لتحديد مكمن المشكلة العظمى التي تهددنا جميعا، وتهدد مستقبل الأجيال القادمة، وأفنت أطنانا من البشر سابقا، والمصيبة كل المصيبة أن ترى الفَاقِرة تتكرر وتقف أمامها مكتوف اليدين ولا تحرك ساكنا، فالأمم الذين عانوا مشكلة الصراع على السلطة استطاعوا أن يضعوا لها حدا ويجدوا لها بَلسَماً وشفاء، فجعلوا “الرئيس” مجردَ خادم للشعب يعمل لمصحة شعبه ووطنه، ويُسلمون له القيادة متى يريدون ومَن يريدون، ويعزلونه متى يشاؤون، ويراقبون سلوكياته ودَخله المالي بكل دقة، فلا يمكن أن يصل إلى سدة الحكم إلا برصيد شعبي، ورضى العقلاء واختارهم له. بينما – يا لَسوء حظنا – غالبية الذين يحكموننا ليسوا سوى دمنة في أيدى الأجانب، وممثلون لهم، ورصيدهم الشعبي خمسين تحت صفر؛ لأنهم وصلوا إلى سدّة الحكم عبر مجازر شعبية، وعلى ظهور دباباتٍ ومدافعِ، أو بواسطة الرشاوي والعنصرية القبلية!.

والمشكلة الأطم من هذا أنَّ شعبنا – إلا من رحم ربك – جاهل لا يعرف مصلحته في الدنيا والآخرة، ولا يعرف مصلحة وطنه وأبنائه ومستقبلهم، بل يُساقون إلى أهداف خسيسة كما تُساق القطعان إلى الحظيرة، ويُقَلَّبون في مصالح الجبابرةِ كما يُقلِّب غاسل الميتِ ميتَه!

لقد عانينا غصص التشرذم والاختلاف وحكم الأغزام والطواغيت زمنا طويلا، ألم يأن الأوان لفحص مكمن الداء وعلاجه بكل جدية وإخلاص.

%d مدونون معجبون بهذه: