السياسيون والعسكر في الصومال

 حين تمشي في جولة سريعة في شوارع مقديشو فإنك ستحس بمشاعر متضاربة، فقد يعجبك بريق الشوارع وكثرة الأهالي والسيارات والحياة العجيبة التي تعج بها المدينة، وقد يعجبك ترامي أطراف المدينة وعودة المرافق تدريجيا إلى الحياة، وقد تكتفي بهذه المظاهر إن كنت ساذجا فتفرح بما رأيت وكأن كل شيء على ما يرام ولم يبق إلا المضي قدما في الطريق المرسوم نحو النهضة واستعادة الحكومة المغيَّبة.

 ولكن في المقابل – على حد تعبير فيصل القاسم – ستصيبك مظاهر أخرى كثيرة بالاكتئاب المزمن وقد تصيبك بالاحباط القاتل، وقد تدفع بك إلى الهجرة من هذا البلد المنهك بالكوارث تلو الكوارث، تالله ما أكثر تلك المظاهر وما أكثر الأدواء التي تتغلغل في أعماق المجتمع الصومالي وفي أعماق النخبة الحاكمة، ولا أحد يستطيع أن يدعي حصر تلك الأدواء أو الإحاطة بها جميعا مهما حاول.

 أنا أعتقد أن الكل هنا يشكل حجر عثرة في طريق أي تطور أو تقدم، فالسياسيون والعسكريون يشكلون عقبة كأداء في وجه أي تحسن، وكذلك الشعب بتفكيره القبلي والطائفي، وكذلك المجتمع المدني بأطيافه المختلفة، فكل فرد يبحث عن مصلحته الشخصية على حساب المصلحة العليا للبلد، وكل شخص يسعى للوصول إلى أهدافه ومبتغاه بأسلوبه الخاص ويبذل في سبيله الغالي والنفيس. ولكن القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو الفصاحة وقوة الحجة والتعبير حين يتكلمون عن الوطنية وأهمية التضحية من أجل هذا البلد، ولكن حين يأتي العمل فهم في واد آخر إلا القليل من أصحاب الرجولة.

  •  نقاط التفتيش

حين أخرج من بيتي كل يوم أمر بعدة نقاط … ، لا أدري كيف أصفها فهي ليست نقاطا للتفتيش بالمعنى المعتاد للكلمة، والذي يصنعه أشباه العسكر المتواجدين في تلك النقاط يصيبني كل يوم بالاكتئاب والإحباط، وقد تعاملت معهم شخصيا كما تعامل معهم كل شخص يستخدم تلك الشوارع، والكل يعلم أنهم لم يعملوا تلك النقاط لأجل ضمان سلامة المواطنين، ولا من أجل جبي الضرائب التي تستخدمها الحكومة للقيام بالإصلاحات والأعمال الحكومية اللازمة، ولا من أجل مراقبة الأحوال الأمنية ومتابعة العناصر المخلة بالأمن، لا فليس شيء من هذا وارد في أذهان القائمين والمسؤولين بهذه النقاط ولا في أذهان أشباه العسكر الذين يباشرون أعمالهم هناك.

 العمل الرئيسي هو السرقة المنظمة، ففي وضح النهار يستوقفك الشرطي المزعوم الذي يرتدي أي لباس يريد وربما لبس الفوطة وحمل بندقية كلاشنكوف بطريقة توحي لك بأنه يعتقد أنه لا زال يرعى الإبل، يستوقفك هذا اللص المسلح فيسألك عن دفتر السيارة وعن رخصة القيادة وعن بطاقتك الشخصية وربما ليس له شأن بهذا أصلا. وتتعجب حين ترى انفراجا وانبلاجا في أسارير وجهه وتغمره الفرحة؛ لأن أوراقك ليست كما يرام، فهو يريد أصلا أن يأخذ منك بعض النقود ويعتقد أن مصلحته الشخصية تكمن في أن تكون أوراقك غير مرتبة، هنا يبهدلك ويمرمطك في نصف الطريق حتى تضطر لإعطائه بعض النقود، ثم للتو يكلم أصحابه اللصوص الآخرين فيطلقون سراحك ولا يعترضك أحد.

 مرة سألني أحدهم عن أوراقي وكنت قد نسيت الأوراق كلها فبحثت في السيارة عنها لكي أوهمه أن معي كل شيء، ولكنه ضحك مني وقال يا هذا هل أنت أعرابي، أنا لا شأن لي بأوراقك وإنما أريد بعض النقود (هكذا عيني عينك)، فقلت له لماذا لم تقل ذلك منذ البداية وأعطيته ربع دولار فانصرف يهز ذيله شاكرا ممتنا. وحين عاتب أحدنا بعض هؤلاء الشرطة على هذه الممارسات والنقود التي يأخذونها غصبا ولا تنفقها الحكومة على أي مصلحة للشعب، كان جوابه (نحن يا رجل عبارة عن فم وبطن Af iyo Calool لا أكثر، فلا تنتظر منا خيرا). العجيب أن هؤلاء صرحاء في معظم الأحيان وربما قالوا لك أنه لا توجد حكومة أساسا، فهم لا يتلقون أية رواتب ولديهم ضوء أخضر باستخراج رواتبهم وضرورتهم من القات من عرق جبين السائقين وغيرهم من المواطنين، فالمسألة ليست سرا ولا يحسبونها منكرا، وإن عاتبتهم قالوا لك صراحة بأن هذا الذي يأخذون لا يساوي شيئا مقارنة بالسرقات التي يقوم بها كبار المسؤولين والسياسيين. وهذا صحيح فالأمر لا يحتمل المقارنة.

 أما ما يلاقيه أصحاب الباصات والشاحنات فحدث عن البحر ولا حرج، ففي كل نقطة من هذه النقاط المأفونة تجدهم يأخذون منهم نقدا، وربما أطلقوا عليهم النار إذا حاولوا الفرار وقد حدث مرارا أن قتلوا سائقين من أجل ربع دولار أو أقل، أما الشاحنات فالمطلوب منها كثير ورغم أن الضرائب دفعت في الميناء وفي نقاط سابقة إلا أن كل نقطة لا علاقة لها بأي شيء آخر وكأنها حكومة بحالها، مما يزيد من غلاء الأسعار وشظف العيش الذي يعانيه كافة الشعب.

  • السرقة المنظمة

 السرقات المنظمة واللصوصية الاحترافية لا تتم فقط في شوارع العاصمة ونقاطها المتعددة، ولكن تحصل أيضا في الميناء وفي المطار وفي وزارة المالية وفي البنك المركزي وفي كل مكان يدر مالا، والسرقات التي تحدث في تلك المرافق فظيعة جدا فهي بالآلاف والملايين من الدولارات، وكل مسؤول يعلم جيدا أنه تم تعيينه في منصبه لكي ينهب الثروات التي تقع تحت يده، وكل شخص منتخب يحاول جاهدا استعادة أمواله التي أنفقها في الانتخابات بهذه الطرق الملتوية فهي تجارة من نوع عجيب. السرقة شيء طبيعي هنا وهي الأصل والفرق بين السارقين هو فقط في الكمية المسروقة وفي مدى التفنن في إخفاء السرقة، ولكن لا يوجد أحد لا يسرق، وكأنهم يريدون تطبيق المثل العربي العامي “حاميها حراميها”.

 هذا بالإضافة إلى وجود عدد كبير من المجرمين السابقين ومن زعماء الحرب وقواد العصابات الذين قتلوا بالأمس القريب الآلاف من الناس وهم الآن في وسط النخبة الحاكمة، فمنهم النواب والوزراء ومدراء المحافظات ورؤساء الأقسام، والجيش مليء بهم إلى حد التخمة. وما يسمونه الجيش أصلا مجموعة مشكلة من أطفال الشوارع وتجار المخدرات واللصوص والقتلة الذين لا يستطيعون العيش من دون بندقية، وربما اشتهى أحدهم في كل فترة أن يطلق النار على أحد ما بدم بارد، فقد تصيبه نوبة إذا لم ينفس عنها بإطلاق نار عشوائي من دون سبب، فإذا فعل ذلك وأراق الدم البريء شفي من مرضه وواصل عمله الخيري تجاه بلده. وفي كل فترة تقوم وحدات من الجيش بعمليات (العلم الخاطئ False flag operations) بمعنى أنهم يقومون بالنهب والسلب والقتل والتفجير من أجل تحميل المسؤولية لأطراف أخرى لأهداف سياسية أو عسكرية، وربما فقط من أجل التربح من سرقة المواطنين تحت جنح الظلام.

  • تناقضات 

 أنا لا أدعي أنه لا يوجد أحد فيه خير في هذه النخبة الحاكمة أو في العساكر ففيهم البسطاء والساذجون، ولكن أدعي أنه يندر فيهم، وربما في كل ألف منهم رجل واحد يمكن أن يكون مسؤولا بحق، ولكن الغالبية الساحقة منهم مجرمون تتفاوت درجات إجرامهم، فمنهم من سبق وأجرم ومنهم من ينتظر ولم تحن فرصته بعد ولكنه يترصد لها. وأتعجب كثيرا من أي شخص يدافع عن هؤلاء المجرمين وهم أعلم منا بجرائمهم وفظائعهم، وربما كان ذلك لأنه يعرفهم بأسمائهم وربما هو على علاقة جيدة بهم ويعرف جانبهم الجميل، وربما لأنه ينتمي إلى قبيلتهم ولا يشكلون عليه خطرا لأنه فرد منهم. الكثير من أفراد الشعب يتسامحون مع الأخطاء والفظائع التي يرتكبها أبناء قبيلتهم، ويرون فظائع الآخرين بشكل مضاعف، وهذا بعينه من أسباب استمرار المآسي فالكل – بلا استثناء يذكر – يقيس بمكيالين ويتعامل بوجهين متناقضين.

 قبل أيام وفي وقت الظهر كنا نمشي في شارع مكة المكرمة فكانت أمامنا سيارة صغيرة من نوع كارب وكانت تمشي ببطء شديد وتتوقف لسبب أو غير سبب في وسط الشارع المزدحم ولاحظنا أنه ليس للسيارة لوحة مرقمة ولاحظنا أيضا أن الشخص الذي يجلس جنب السائق أخرج قدمه ووضعها على المرآة وأخرج أيضا فوهة البندقية من الشباك، فلما تنحت السيارة أخيرا عن وسط الشارع رأينا شابا صغير يجلس في المقعد الأمامي مستلقيا كأنه الملك النعمان ويلبس نظارة شمسية كأنه رامبو وينظر إلينا بازدراء، وكان معه مجموعة من أمثاله يجوبون الشوارع ويفعلون كلما يحلو لهم بلا رقيب ولا حسيب.

  •  ظلم مقنن

هذه الأحداث الصغيرة من نوعها والأحداث الكبيرة أيضا تشعرني بالغضب العارم والكراهية الشديدة لهؤلاء المجرمين وما يمثلونه، ثم يأتي بعض “العقلاء” ليتظاهر بالتفاؤل ويوهم الناس بأن كل شيء على ما يرام وأن هذه المشاكل القليلة في طريقها إلى الاختفاء بحلول عام 2016، وكأنه لا يعيش معنا في نفس المدينة ولا يرى كل يوم ما نراه من مصائب وظلم مقنن تقوم به الحكومة بأجنحتها الثلاث، وكأن من يدافع عن هؤلاء مستنثى من الظلم الذي يمارس على الشعب المسكين، الذي ينتمي إليه – لسوء الحظ – أؤلئك الأفراد الذين يمارسون عليه ذلك الظلم، فكل واحد يمارس الظلم في مديرية غير مديريته وفي قبيلة غير قبيلته، ويمارس الظلم في منطقته على الضعفاء والأقليات، وهكذا.

لا شك أن هذا الظلم شيمة مستديمة من شيم العالم هذه الأيام، وخاصة في دول أفريقيا والشرق الأوسط، ولا شك أيضا أن الجيوش دائما في هذه المناطق تمارس وحشيتها ضد مواطنيها وليس مع أعدائها الحقيقيين، ولا شك أيضا أن النخب الحاكمة هنا وهناك ليست سوى دمى أو أحجار على رقعة شطرنج يحركها دائما الساسة الذين يحكمون العالم اليوم، ولا شك أيضا أن هذا الظلم مطلوب لذاته لكي يعيش المواطنون دائما في حالة رعب ومهانة ولا يفكروا إلا في إشباع رغباتهم البهيمية. ولكن رغم كل هذا لا بد للإنسان أن يعيش حرا في هذا العالم أو يعيش مستريحا تحت الثرى.

  • وأخيرا…

 يتهمني بعض الناس بالتشاؤم ورؤية النصف الفارغ من الكأس، أقول لهم بأنني لا أرى الكأس أصلا لأرى نصفها الممتلئ أو الفارغ، فالكأس لا وجود لها هنا، ولن أتوقف عن التشاؤم إلا إذا جئتم بالكأس، فحتى لو كانت فارغة فسأشعر عندها بالتفاؤل. اجتمع اللصوص من كل حدب وصوب ليحكموا البلد ثم يتفاءل السذج والبسطاء. والعجيب أن هؤلاء البسطاء يعلمون يقينا أنهم لو كانوا مكان السياسيين والعسكريين فما كانوا ليفعلوا غير ما يفعل هؤلاء، فلذلك لا أحد يلوم الآخر، وهي مجرد مسألة حظوظ، والنوايا متساوية عند الطرفين، ولذلك فالكل يريد للعبة أن تستمر عسى أن يأتي يوم يسترد فيه حقه المسلوب بنفس الأسلوب، فأين الكأس أيها المنصف؟ صدق من قال: “كيفما تكونوا يولَّى عليكم”

%d مدونون معجبون بهذه: