أما آن للعرب أن ينصفوا الرئيس السوري بشار الأسد؟

أعتقد وأرجو أن أكون مخطئا بأن نظام الرئيس بشار الأسد يحتل على الأقل في وسط الأنظمة العربية في المواصفات العامة إذا لم يحتل بالصدارة ولا يختلف عن بقية القادة العرب إلا ما كان في قراره المستقل عن الهيمنة الخارجية، ومن المؤكد أن العرب باختلاف مشاربهم وتفاوت درجاتهم أنه إذا غيرت أمريكا رأيها وموقفها اليوم تجاهه فإنهم سيتغيرون تلقائيا ويتحولون إلى مطبلين له، مما يؤكد حتما أن كراهيتهم له نابعة من إيحائها غير الصادق، وحبهم له أمر تتحكم به جهات غربية.

صحيح إنه كان ينبغي أن يترك الحكم في أول يوم رأى فيه انتفاضة الشعب السوري ضده كما فعل الرئيسان بن علي ومبارك حتى يختار من يراه صالحا لحكمه حقنا للدماء وحرصا منه على وحدة سوريا وسلامتها من كل فتنة، لكنه طالما تشبث في الحكم، فينبغي أن نتركه ولا ندع الغرب يضحك علينا نحن العرب والمسلمين بالجري ورائه كل يوم إلى جهة وهمية، ونشارك من حيث ندري أو لا ندري بتفتيت وتقطيع سوريا إلى دويلات وقد يكون السنة أضعف تلك الدويلات القادمة في حال خروج بشار من سدة الحكم، لسبب واحد هو أن العلويين سيجدون مساندة ومؤازرة من إيران ويكونون جزءا منها وامتدادا لها يقربهم إلى منافذ البحر الأحمر، مثل ما أصبح لها منفذا إلى هذا البحر الإستراتيجي من خلال الحوثيين الذين سيطروا على اليمن السعيد، فمن يكون إذا للسنة في سوريا؟ هم بالتأكيد سيكونون أيتاما لا حول لهم ولا قوة، وأقرب دليل أقدمه هنا هو السنة في العراق.

النظام السوري يحتفظ في سجله التاريخي شرفا ونبلا إذا ما قورن بالأنظمة العربية الأخرى، فللعلم والحقيقة والتاريخ، أنه كان النظام العربي الوحيد الذي لا يدين ولو دولارا واحدا للبنك الدولي ولا لصندوق النقد الدولي، والمكتفي ذاتيا من الناحية الغذائية ولا يستورد أي نوع من أنواع الحبوب الغذائية والدواء والمستلزمات الضرورية الأخرى التي يعتمد عليها الآخرون في الخارج حتى وصل المواطن السوري إلى مرحلة العيش بالرفاهية. والمعروف أن سوريا ليست دولة نفطية عملاقة حتى نقول إن الرفاهية جاءت عن طريقها؛ ولكنه الإنتاج والتصميم بالاعتماد على الذات، كما كان النظام العربي الوحيد الذي يتساوى على أراضيه جميع المواطنين العرب بغض النظر عن جنسيتهم ولونهم ولهجتهم ومعتقداتهم ولا يُسألون عن تأشيرة دخول إلى الأراضي السورية، لهم ما للمواطن السوري وعليهم ما عليه طالما أنهم باقون في أراضي تلك الدولة التي أعتبرها ـ أنا شخصيا ـ عادلة في هذه النقطة بالذات مقارنة بدول أخرى تنتهج نهجا متشددا تسميه وحدها دون سائر الدول في العالم ب”الكفالة والترحيل والبدون إلخ”. وقد آزر بالنخوة والرجولة العربية المعهودة أشقاءه العرب عند الكرب والمصيبة مثل ما فعل في معركة تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي المتجبر، وهذه كلها حسنات لم نسمعها في سجل قائد عربي واحد غيره حتى الآن، إلاّ ما رأيناه – وقد يكون قليلا إذا ما قورن ببشار- من قادة دولة قطر الحكيمة وما سيكون مستقبلا من الملك السعودي العاقل سلمان بن عبد العزيز حفظه الله ودولته فقد بدأ بخطوات توحي بالخير للعرب، والعرب تراكمت واشتدت عليهم الإهانات.

أما أفعال الرئيس بشار الحالية رغم أنها تتصف في بعض الأحيان بالبربرية والقسوة والإفراط الشديد في استخدام القوة، فإنها مبررة في نهاية المطاف بعرف الدولة الحديثة لمحاربة المتمردين والمارقين والفاسدين والقاعدة المتعطشة لسفك الدماء والخونة والمتآمرين من الخارج ، واذكروا لي دولة واحدة في العالم العربي والإسلامي لا تقوم بقمع المظاهرات وإخماد الفتنة بالقوة، نعم إنه عرف الدولة الحديثة، وكم كان جيدا لو أصبح بقية القادة العرب مثله في استقلال القرار والرأي وأن يكونوا قادرين على قراءة الحقائق في أرض الواقع.

أقرب دليل على أن العرب لا يقرؤون الحقائق في أرض الواقع وترعاهم أمريكا والغرب مثل رعي السيد لماشيته يسوقها حيث يدر ضرعها ويسمن لحمها ليطيب أكله، هو الحقائق التي تتواتر يوما بعد يوم من أن الحوثيين وصلوا إلى صنعاء وهي الخاصرة الضعيفة التي ينهشها الذئب بكل سهولة إذا ما تمكن منها في فريسته ولا يرجى لها النجاة، تلكم الخاصرة العربية وصلوا إليها بمؤامرة عربية وتمويل سخي منهم، واليوم يعلم الجميع أن إيران وهي دولة تمتلك قرارها وتعرف من أين تؤكل الكتف، تركب صواريخها وأسلحتها الثقيلة في المناطق الإستراتيجية باليمن وتساعد الحوثيين في ترشيد طاقتهم والتخطيط السليم، والتمويل، وضبط الأعصاب في ردود الأفعال، والزحف بنفس طويل ومن ثمّ الاستيلاء على البقية الباقية من اليمن بأقل التكاليف.

هل يستطيع أي عاقل منا أن يقول إن العرب عندما كانوا يمولون ويسلحون المليشيات الحوثية بإسقاط الدولة اليمنية والاستيلاء على مركزها، أنهم لم يكونوا يدركون بالبداهة أن حبل وريدهم موصول بشرايين إيران وأنه لن ينقطع أبدا إذا ما التأم جيدا، ويشكون الآن من الحوثيين وانقلابهم وقوتهم المتنامية يوما بعد يوم، مع الأخذ في الحسبان القنابل الشيعية الموقوتة القابلة للانفجارات الانشطارية في اللحظة المناسبة بجميع دول الخليج، ومن يدري أن هذه اللحظة ستبدأ باليوم الذي تستقر فيه الأوضاع باليمن.

قال لي أحد الأصدقاء إن الحوثيين خاضوا حربا خاطفة ضد الدولة السعودية في وقت سابق عندما كانوا مجرد مليشيات ضعيفة يحاربهم الرئيس علي عبد الله صالح في كهوفهم وأدغالهم، واختطفوا منها جنودا، فما بالك اليوم وفي يدهم الدولة اليمنية بكامل آلتها الحربية، يمتلكون الدبابات والطائرات والصواريخ بأنواعها المختلفة، ويحظون بدعم إيران المطلق وعلي عبد الله صالح وربما الرئيس السيسي وأمريكا ومن ورائها الغرب؟ واختتم كلامه بالمقولة المشهورة “لقد كبُر أمر ابن أبي كبشة” ودول الخليج العربي أصبحت برمتها تحت إدارة إيران شاءت أم أبت، ولن يجدوا مساعدة من سوريا في هذه المرة لتحريرهم من إيران التي تجعل الحوثيين مطيتهم في حكم الجزيرة العربية مستقبلا، لسبب وجيه أنهم لم يخذلوه فحسب وإنما حاربوه بصورة أو بأخرى حتى اضطروه للاحتماء في أحضان الإمبراطورية الفارسية التي تطمح في التهامهم جميعا.

وأيا كان الأمر فإن العرب ينبغي أن ينصفوا الرئيس بشار الأسد وحكمه في سوريا وأن يستدركوا ما فات، ويقرؤوا الحسابات مرة أخرى ومن زاوية مختلفة عن السابق ويعيدوا سوريا إلى حاضنتها الطبيعية في الوطن العربي، فهي عمق إستراتيجي ولا يعقل في أي حال من الأحوال أن يتركوها تنضم إلى حلف الإمبراطورية الإيرانية المنبعثة من جديد.

%d مدونون معجبون بهذه: