لغز القرن [2]

مضى عام ونيف منذ تحريرنا للجزء الأول من هذا الموضوع، ويبدو أننا لم نصل إلى نهاية الحلقة؛ لأن طبيعة المجتمع الذي نتتبع قفاه ماهر بصنع الألغاز، وبالتالي فالعملية مستمرة وتأخذ بعضها رقاب بعض إلى أن يقيض الله من يقيم العدل في أرضه ويحسن الخلافة فيها.

قد يحسب البعض بأننا متشائمون وننظر الأمور بعين الريبة والشؤم متجاوزين دعوات المجتمع المتحضر الذي ينادي بالتفاؤل والإيجابية حتى في أحلك الظروف؛ لأن المرء يساوي تفكيره الذي يورثه السعادة أو الشقاوة على حد قولهم، هذا لا يعني الحيد عن تسمية الأشياء بمسمياتها، ولو أننا نؤمن بنظرية التفاؤل الحسن ليست لأنها دعوة حديثة بل باعتبارها من قواعد الإسلام إلا أن مقتضيات العدالة والقسطاس والإنصاف تقتضي وصف الأشياء على ما هي عليه دون الإفراط أو التفريط ؛ لأن أهل العلم يذكرون ما لهم وما عليهم في حين يذكر أهل الأهواء ما لهم دون ما عليهم.

هذا المقال والذي سبقه تجسيد لمشهد مرير عايشه القاصي والداني لكن الفأل الحسن من شيم النفس المؤمنة؛ لأن مع العسر يسرا، وأن مع الكرب الفرج. وإليك بثنائيات اللغز التي تذر الحليم حيرانا وتفقد مستعجل النصر توازنه وتترك البائس يرتاب في عدل وحكمة العليم القدير، ويتمنى الجميع أن لو كانوا يعلمون الغيب ما انتسبوا إلى هذه العشيرة الفظة.

  1.  الوحدة والفرقة: ينفرد الصوماليون بجميع عوامل الوحدة التي كانت من المفترض أن تعزز ألفتهم وتقوي شوكتهم، فجميعهم مسلمون ديانة وسنيون عصبة وشوافعة مذهبا وسمر لونا وشرقيو أفريقيا موطنا، وإن أردت الإطناب فجميع الصوماليين يتحدثون باللغة الصومالية ويدينون بالإسلام ويتبعون مذهب الإمام الشافعي، وإن كان بعض المتسعوذين أرادوا أن ينقلوا الناس إلى المذهب الحنبلي أو يتركوهم دون مذهب ناسين بعض أقوال أهل العلم بضرورة التقليد لمن لم يصل إلى درجة الاجتهاد، لكن عندما يصنف الصوماليون فهم شوافعة ، أما القطر فجميعهم في شرق أفريقيا وان كانوا كالأكراد في التقسيم، لكن لم يشمل التقسيم عملية التهجير لذلك الذين طال عليهم التقسيم يجاورون الجمهورية قلبا وقالبا. هذه عوامل وحدة قد لا تتوفر في أي مجتمع آخر، والجميع يشير إلى هذه العوامل عند الحديث لكن الذي يقولها عنصر مساهم في التفرقة، يا ترى هل خدمت هذه العوامل لصالح الوحدة لهذا المجتمع الذي تمزق إربا إربا ، أليس هذا لغزا أم اللغز هو إيجاد هذه العوامل مجتمعة في مجتمع يعشق الخلاف ولا يكاد يتفق على شيء؟
  2. التدين والتمرد: يوصف الصوماليون بالتدين؛ لأنهم خبراء في رفع شعار المظهر العام، ففي المطارات والأماكن العامة تجدهم ركعا سجدا في حين فضل آخرون التراخي وتناول المنبهات والأنس، نقلوا ثقافة بناء المساجد إلى دول المهجر إضافة إلى نشر ثقافة الحجاب وخلاوي القرآن والأنفة عن أكل المحظورات وغير ذلك، هذا في العبادات أما المعاملات التي هي الدين فلم يعرفوها علما وعملا، كان من البديهي أن يترجموا هذا التدين المظهري إلى واقعي وعلمي ويكونوا إخوة في الله و النسب لكن في الحقيقة هذا المجتمع جبل بالتمرد والخلاف لأتفه الأسباب مما نتج عن الدمار الذي قضى على الأخضر واليابس، أليس هذا لغزا أم أن التدين يعني التسلط والشحناء و و و ……………؟
  3. الكفاءة والضعف: هناك تجدد في نظريات الإدارة والحكم الرشيد ونوصل خبراء هذا المجال إلى أن المدير أو الإداري الناجح هو من يختار من هو أحسن منه كفاءة من الناحية العلمية والمهنية في طاقمه أو بطانته العاملة معه، لكن لوحظ في الصومال في الآونة الأخيرة بأن الضعف المهني مؤهل وعامل مهم في تبوأ مناصب هامة، في نفس الوقت يتم اتهام وفصل من كانت منقبته الضعف بأنه ضعيف. الكل يعلم بأن المحاصصة القبلية هي الطاغية في التعيين، هذا هو المعمول به في العالم الثالث بينما العالم المتحضر يتبع نظام الأحزاب لأن القبيلة عندنا أحزاب لكن يمكن تكييف المحاصصة بالمؤهلات العلمية والمهنية دون النظر في الولاء أو التبعية أو الصحبة. في المقابل يتم استبعاد من أبدوا كفاءة عالية في تسيير وإدارة أماكن عملهم بحجج واهية بينما الحقيقة هي مجرد حسد لا غير، أليس من اللغز أن يضاف الضعف المهني والشخصي إلى قائمة المؤهلات دون سند علمي وعلى خلاف نظريات الإدارة في حين صنفت الكفاءة العالية إلى المهارات غير المرغوبة فيها أم المعيار العالمي لا ينطبق على الصومال وبالتالي توضع معايير أخرى محلية الصنع ؟
  4. العدد والعتاد: من أدبيات الاقتصاد انه ينبغي أن يكون هناك توازن وتكافؤ في الإيرادات والإنفاق على كل المستويات الفردية منها والجماعية أو بعبارة أخرى تقارب موارد الحكومة الاقتصادية والإنفاق، وحسب المنحى الجديد الذي اتخذته الحكومات فيما يتعلق بالمصروفات فلا ينبغي أن تطغى مصروفات الرواتب على الجانب التنموي؛ فالعتاد يملي عدد العاملين في المؤسسات العامة للحيلولة دون إنهاك الإنفاق في الرواتب على حساب التنمية، هذه نظريات الاقتصاد والإدارة وقد وجدت قبولا لدى صناع القرار وواضعي السياسات العامة، وهي المعمولة بها في معظم دول العالم. أما الصومال حيث تعاني الموازنة العامة عجزا و شحا في التمويل فالأمر على خلاف القياس حيث هناك قوافل في المسرح قد ملأت الحلبة وأصبح البلد رهين رغباتها، أكثر هذه القوافل عددا قافلتان هما قافلة مجلس التشريع وقافلة مجلس الوزراء . كان المجتمع مستغربا من عدد البرلمانيين الفائض وقبل أن يفيق من حيرته فوجئ ببدعة لم يوجد لها تأويلا حيث ارتفع عدد مجلس الوزراء من 18 – 60 وزيرا خلال ثلاثة أعوام، حاول أمثل الصوماليين طريقة في التأويل أن يجد تفسيرا لهذا العدد واكتفى بالقول بأن الغرض من العدد هو إظهار كثرة الكثافة السكانية للعالم ليضاعف المانح منحته ويخسأ طامع البلد عند معرفته عدد السكان، أما الرواتب فهم مهرة في تحصيلها بصرف النظر عن طريقة كسبها. أليس من اللغز إيجاد موكب بشري عامل لا يخدم اقتصاد البلد ولا المواطنين أم العملية حنكة سياسية لم يعرفها ساسة العالم أو أرباب النظريات الاقتصادية و الإدارية؟
  5. الثقة والشك: دُوِّن في كتب الأدب العربي مثل عربي جاهلي” حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة” وكان ذكره لأغراض علمية وثقافية، هذا ا لمثل إن لم يكن له سند في النقل، له سند في الواقع فقد انتشر الشك على المستويين الفردي والجماعي كأنه أشرب في قلوبهم ، لعل البعض يحسب بأن الشك نتيجة لما جرى خلال أعوام الهرج والمرج لكن هناك مثل صومالي قديم يظهر مدى تجذر الظاهرة في هذا المجتمع” احذر من الشر فالخير لا يضرك ” هذا دليل واضح يظهر بأن الشك من ملازمات دأبهم. في الجانب الآخر هناك مصالح ومنافع تحتم العمل الجماعي لبعض الأطراف المشاركة في الحكم فعلاقة رئيس الوزراء بالرئيس وعلاقته بالوزراء علاقة عمل مشترك لا يمكن إنجازه إلا بانسجام تام وثقة بالآخر وإخلاص في النية وتبني رؤية موحدة، لكن هناك سابقة وهي الشك المطلق، إذا كيف يمكن اتحاد الشك والثقة؟ ولهذا ترى الحكومات تشكل ثم تتبعها التجاذبات والتحالفات والموالاة والخلافات، وقبل إنجاز أي عمل تأتي رياح البرلمان لتصوت لصالح طرف أو ضد آخر على أساس المنفعة الفردية أو القبلية. أليس من اللغز أن توظف من لا تثق به أم الثقة ليست مهمة في الوظائف والعمل الجماعي؟
  1. الوطن والفرد: كلٌ يدعي وصلا بليلى، ما أكثر المسميات التي تدّعي أنها تحيى وتموت للوطن، وما أكثر وسائلهم وأسلوبهم في تحقيق هدفهم. فمنهم من وجد هدفه تحت ظلال القبيل وتصنيفاته وبهذا يريد – حسب زعمه – أن يبني البلد من منطلق المصلحة والمحاصصة القبلية . وآخر وجد ضالته تحت الراية السوداء، مصنفا غيره بالرّدة والزندقة ويرى القتل والبتر باسم الإسلام حلا ناجعا للأزمة، وثالث ركب موج الإسلام السياسي ليخدم العباد والبلاد معاتبا العنف أيا كان وابتغى الحل في ملعب بعض الدول الداعمة للفكرة، ورابع تبنى مبدأ الأحزاب وفلسفة فصل الدين عن الدولة أسوة بالدول المتقدمة والديمقراطية، وهو يبحث الحل عن ذوي الفلسفة وأتباعهم، وخامس أخذ سلة وسماها ( جمعية – هيئة – الخ) ليتسول بها نيابة عن الشعب المقهور ليخفف عن العناء فهو إما على الحاسوب كاتبا التقارير المشؤومة أو في ورشة للنقاهة ، وآخرون، فالقائمة طويلة بطول وعرض مساحة البلد والأسماء كثيرة بعدد سكان البلد. كل هذه المجموعات وان اختلفت أوزارهم وأجورهم تدعي أنها الجهة الوحيدة التي تخدم للعباد والبلاد، تحزن بحزنهما وتفرح بفرحهما ونضحي للوطن وأهله بكل نفس ونفيس. إذا أمعنت النظر في هذه الدعاوى والمسميات، تجد أن معظمهم مسئولون ومحاسبون لأسيادهم دون أدنى استشارة للشعب، كما أنهم لامعون جسديا ومستقرون ماديا على خلاف من يعول عليهم . أليس من اللغز أن يتحد الهدف وهو العمل لصالح الوطن وتتفرق الأساليب والمسميات وكل يلعن الآخر متهما إياه بالعمالة والإجحاف أم العملية مجرد مصالح فردية وهذه المسميان مركب ناعم لأصحاب المصالح؟
  2. الدولة والشعب: يقال بأن الصينيين يتساءلون بعد نهاية الدوام ماذا قدمت لبلدي” لكن مجتمعات العالم الثالث تتساءل ” ماذا قدمت لي الدولة” ، وبالطبع هذه أخلاق المجتمع الصومالي، الكل يلوم ويعاتب الحكومة في حين شمَّر الجميع لإفشال الدولة عمدا أم خطأ. أين أدوار المجتمع على اختلاف أطيافه، هناك دور للعلماء لا تستطيع الحكومة القيام به، وهناك دور لرجال الأعمال وآخر للمجتمع المدني وثالث للشباب ورابع للأمهات الخ. فمسئولية بناء الدولة مسئولية مشتركة، وكل واحد يقف ثغرة لا يستطيع الآخر سدها. أليس من اللغز أن ترى عيب الآخر ولا تنتبه إلى عيبك، أم للحكومة عصا سحرية تسهل لها إصلاح ما أفسده الجميع. أليس كل واحد من المجتمع ساهم في الهدم لماذا لا يساهم في البناء؟
  • هذه حزمة من التناقضات والألغاز، وهي غيض من فيض؛ حيث لا يسع لنا حصرها، وربما لنا موعد أو موعد آخر لمواصلة سرد اللغز وأهله. لنتساءل عن الحل فقد طال العناء، ولنتجرد عن الذاتية والأنانية حتى لا تزداد الأسماء التي تضع النقط على الخريطة لتجد موطأ قدم لها لكي تعقد صفقة مع لاعبين جدد؛ وبالتالي تزداد الفتن ما ظهر منها وما بطن.
  • مسئولية بناء الدولة جماعية وتبدأ بإصلاح النفس ثم الأسرة ثم المجتمع، هناك مقولة لأحد المفكرين تستحق أن تعلق في البيوت ” أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم على أرضكم”، من هذا المنطلق لنقم دولة الصومال في نفوسنا ستقوم تلقائيا في أرضنا، وهذا لا يتسنى إلا بتأدية كل فرد وجماعة دورها المنوط بها من منطلق المصلحة العامة.

4 تعليقات

  1. شكر الإخوة على تعليقاتهم الفذة والمشجعة وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه صلاح الدين والدنيا

  2. شكرا أيها الأخ الكريم ، كلمات تستحق الإشادة، ومنطق صحيح ، ولكن لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي .
    عبد الباسط شيخ إبراهيم

  3. مقال رائع … نسميه مقال القرن

  4. حسن مودي عبد الله

    مقال رائع …يلخص الواقع الصومالي … ويستحق القراءة أكثر من مرة… وقد خطه قلم متمكن!

%d مدونون معجبون بهذه: