نموذج من التفكير السائد في الصومال

حوار سياسي حول تقاسم السلطة :

( مَدَي وجامع يمثلان نموذجا من التفكير السائد في المجتمع الصومالي والذي يعتقد بأن القبيلة هي أساس التعامل بين الناس في مجال السياسة).

قال جامع : أراك هذه الأيام تقوم بحركات استفزازية لا يتناسب بوضعك السياسي والاقتصادي والإعلامي ، وينبغي لك أن تكبح طمعك اللامعقول ، لأن سياسة الحكم في الصومال قد فرغ منه منذ الاستقلال ، فلا تجاوز بصرك رئاسة كرسي البرلمان ، تطلعكم إلى منصب الرئاسة يشبه قصة الغراب الذي حاول تقليد مشية الطاووس ، حيث ترك مشيته ولم يتقن مشية مقلده فخسر كلا المشيتين ، أخاف عليكم أن تفقدوا هذا المنصب الكبير عليكم .

قال مَدي : من الذي قسم مناصب الدولة على أساس قَبلي ، ثم حكم علي بالمؤبد الذي لا استئناف فيه في رئاسة البرلمان ، ومن الذي أعطى مجموعتين فقط يتبادلان الأدوار في رئاسة الدولة والحكومة ؟ ، وأين القبائل الأخرى في هذه اللعبة القذرة التي تُحصر مقدرات الوطن في أيدي أناس معدودة ؟ ، وهل ما تقوله مسطر في بنود الدستور ؟

قال جامع: عندما كان البلد تحت إدارة المستعمر الإيطالي والإنجليزي كان غالبية المتصدرين في المشهد السياسي ينتمون إلى قبائل معينة ، وكانت أولادهم تدرس في المدارس القليلة التي كانت موجودة في البلد ، وأنت يا مدي كان أجدادك يعشقون الهواء الطلق ويمسكون أذناب الإبل ويشتغلون بالزراعة ، فكانت حياة البداوة أحبُ إليهم من كل شيء ، فكأن لسان حالهم يقول :

لبيـت تخفـق الأرياح فيـه                أحب إليّ من قصـر منيـف

ولبس عبـاءة وتقـرّ عينـي               أحب اليّ من لبس الشفـوف

وأكل كسيرة من كسر بيتـي           أحب إليّ من أكـل الرغيـف

وأصوات الريـاح بكـل فـج                 أحب إلى من نقـر الدفـوف

وكلب ينبـح الطـراق دونـي              أحب إلـي مـن قــــط أليـف

خشونة عيشتي في البدو أشهى    إلى نفسي من العيش الطريف

فمن كان شأنهم هكذا فلا ينتظر منهم إرسال أولادهم إلى المدارس .

 فلما ارتحل المستعمر سلَّم الحكم إلى أجدادي؛ لأنهم خدموا في سلك المستعمر ، وهم بدورهم خلفوا أولادهم في الحكم ، وأنا وأمثالي يجب أن نسُّدَّ الفراغ الذي خلفه آباؤنا ، لذا، فأنت وأمثالك ليس لكم إلا الفتَّات من المناصب الدونية .

قال مَدَي : ما قلته من عدم تمكننا من دخول المدارس الحديثة في زمن الاستعمار صحيح ، ولكن العلة لم تأت من عندنا بل هي مكيدة جاءت من قبل أجدادكم؛ حيث ادعوا بأن إرسال الأطفال إلى المدارس خطر على دينهم ، وبينما قَيدوا أسماء أولادهم في تلك المدارس ، ليصبحوا فيما بعد قادة وحكام البلد .

ولكن الأمر لم يعد كما كان يا جَامع ، فتفطن آباؤنا بهذه المكيدة ، فأدخلوا أولادهم في المدارس حتى حصلوا شهادات عليا ، وأنت وأمثالك وضعتم ثقتكم على عنتريات أبائكم وادعاءاتهم المزيفة ، فتغيرت الدنيا ، فأمسى أحفاد أهل البداوة يتقنون اليوم أَلاعِيْب السياسة ، ويقدرون فتح شفرات الحكم والقيادة ، من غير اعتماد واتكال على أحد ، وشِعارهم :

كُنْ ابن من شئت واكتسب أدباً    يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول ها أنذا          ليس الفتى من يقول كان أبي

فالواجب يا جامع إن أردنا إعادة البلد إلى مكانه الصحيح ينبغي أن يتقدم العصَّامي ويتأخر العظامي ، لتشرق الشمس على الأرض بكل جمالها .

قال جامح : كلام جميل يا مَدي ، ولكن نطلب منكم الصبر والانتظار حتى يحين الوقت الذي يتحقق ذلك .

قال مَدي : يا جامع تقسيم مناصب الدولة على أساس قَبلي ، أمن بنود الدستور المعلن ، أم للبلد دستور أخر مخفي عن الأنظار ، وهل الدستور يفرق أبناء البلد على أساس التحضر والبداوة ، أم السطوة وكثرة الادعاء والصياح ، أم يعامل الناس بحسب الكفاءة والعطاء ؟.

قال جامع : يوجد في الصومال دستور واحد ، يشارك فيه الجميع في الواجبات والحقوق بالتساوي ، ولكن اعلم يا رفيقي أن عالم السياسية وخاصة بلد مثل الصومال لا يُتَقيد ببنود الدستور ، بل هناك تفاهمات جانبية تُسمى اتفاقية الرجال النبلاء (Gentlemen Agreements)، ولأجل ذلك تُدار العملية السياسية على هذا الاتجاه .

قال مَدي : معنى ذلك أن مَدي لا يعدو قدره رئاسة البرلمان ، وزميلي جامع وخصمه يتناوبان الكعب المعلى والعسل المصفى ، في الرئاسة والحكومة ، والباقي كما قيل :

ويقضى الأمر حين تغيب تـَيمٌ        ولا يُستأذنون وهم شهود .

قال جامع : شاطر ، فهمك ممتاز .

قال مَدي : يا جامع هذه التفاهمات لم أشارك فيها أصلا ، ولم يؤخذ رأي فيها ، ولذلك أنا حِلُّ مما جاء فيها ، وقد قررت أن أتجاوزها ، وإن اُخْتِير لي من قد يبدو أنه يمثلني ولكن الواقع خلاف ذلك .

قال جامع : أحذرك يا مَدي من تكرار قصة مشية الغراب ، قد لا تعود إلا بخفي حنين .

قال مَدي : هذا تهديد من لا يملك شيئا ، ولذلك لا يعنيني من قريب ولا بعيد ، ولكن الذي لم أفهمه حتى الآن هو : أين دور وموقع زملائي في الوطن كَاهِن وشَيغُو ومَعَو وجيلاني ؟، أليس لهم حقوق في مشاركة إدارة البلد ؟

قال جامع : لا تمنح الحقوق بالكلام المجرد ولا تنال مجانا، وقد تجاوز الزمن بهؤلاء ،فلا تكرر تطبيق تجربتك الفاشلة وتطلعاتك الفارغة على الآخرين .

قال مَدي : يا جامع أراك تستميت بتطبيق مبدأ الفيدرالية في الأقاليم لتنفرد بها ، وفي ذات الوقت تصارع من أجل حصول مناصب قيادية في الحكومة المركزية ، لتلتهم النصيب الأكبر من كعكة الوطن ، أليس هذا دليلا على أن الظلم الذي كنت تمارسه منذ زمن بعيد لا نهاية له بل يزداد شراهة وشراسة .

قال جامع : يا مَدي من تذوق طعم الرئاسة وفهم دهاليز السياسة وعرف صولجان الحكم لا يقنع دونها ، وكنت أظن أن جواد القيادة في هذا البلد لا يمتطي ظهر فرسها إلا أنا ، فإذا أغمار ممن كنت أسيء الظن بهم يتطلعون إلى شم رائحة هذه الريحانة ، ولذا قررت باستخدام أساليب مختلفة وأسماء متنوعة ، لكي لا أعود بدون فريسة .

 قال مَدي : هناك توجه للانتقال إلى نظام الصوت الواحد ، وإن لم تكن هناك إحصائية رسمية للسكان ، إلا أن الاعتماد الأول سيكون الإحصائية الرسمية التي اجرته الحكومة السابقة قبل سقوطها في القرن الماضي ، ويوزع كراسي البرلمان وعدد النواب لكل منطقة حسب هذا التعداد ، أليس هذا أفضل من تقاسم السلطة على نظام البداوة التي ظهرت عواره لكل عاقل .

قال جامع : هذا الفهم المغلوط ما كنت أريد تحذيرك منه ، نحن في دولة فقيرة وشعب جاهل ، ونظام الصوت الواحد لا يصلح لنا ، وهو مصدر الخوف والقلق وعدم الاستقرار ، ويفتح شهية من أغلقنا عليهم الباب ، ونظام تقاسم السلطة اليوم عسل في سمن ، وأنت معزز مكرم في قيادة البرلمان ، وقد نرضخ لك بعض الشيء كلما ضاق الحال ، فاخلد إلى نومك الهاني ، وليتوقف الحوار إلى هنا ، ومع السلام .

قال مَدي : يا جامع ، مثل هذا المنطق قد عفى عليه الزمن ، وعقارب الساعة لا تعود إلى الوراء أبدا ، وإعمال العقل أولى من إهماله ، فمن لم يتعلم من الماضي دروسا فلا يستطيع التعامل مع المستقبل ، وإياك والغرور فإن مغبته غير محمودة ، والسلام عليكم .

2 تعليقان

  1. هو في النهاية حوار يفيد المحللين ليعرفوا مواضع أقدام القبائل ونفسياتهم وحججهم. لكن أسألك بربي لو رأيت داعية كبيرا في نظرك مثل الشيخ [……..] و [ الشيخ……] مجادلا عن قبيلته لا لأنها استبيح دماؤها أو أنها أهينت ليست في ذات الله …وإنما لأنها تستحق أرفع من هذا الكرسي أو ذاك ، أو يجادل أن حق قبيلته أن تحصل أكثر من وزيرين أو ثلاثة أو أربعة وهكذا….فهل كان يسقط عن عينك ؟

    لو أن داعية أهينت قبيلته بما هو إهانة معتبرة مثل صنيع بعض القبائل الظالمة بتحقير قبيلة فلانة وعلانة وعدم التزوج منها، وجاء ليرفع الظلم عن قبيلته لكان له وجه حق ..
    ولكن التنافس الذي تحركه دوافع التكاثر والتكالب على المنافع فالداعية والمربي أرى أن موقفه يكون هو إشغال نفسه، وقومه بما هو أنفع لهم فيحثهم على التعلم ؛ ويبني لهم مدرسة وجامعة لأن القبائل سواء الصغيرة أو الكبيرة لن تعجز عن الدفاع عن مصالحها. إن إيمان المثقف بأن قبيلته ليست في موضع الرئاسة لا يبرر له بأن يكون متحدثا باسمها ومحاميا عنها فللقبيلة شيوخ وسياسيون لا يفكون عن المطالبة….ومهمة الداعية ليس أن يكون دوره مكملا لمهمة شيخ القبيلة أو السياسي طالب النفع المادي ، وإنما هي في التخفيف من غلواء هذا التنافس المحموم، بالتهذيب والتربية. والداعية الحقيقي يعلم ان ميدانه ليس ميدان العامي الذي يتشبع بشكاوى قبيلته ثم يتقيؤها في مجالس القيل والقال ( فطي كو درر )

  2. السلام عليكم
    أظن أن الحوار مصطنع من قبل شخص واحد منتم إلى إحدى القريتين “المتنازعة في الحوار” لكنه في النها ية حوار جميل ، ولكنه قد يزيد الطين بلة ؛ لانه عند التد قيق يوحي إلى الاقتراب بالقلبلية التي ينبغي التلخص منها نها ئيا…..

%d مدونون معجبون بهذه: