مشكلتنا ثقافية أم سياسية؟

كثيرا ما صادفت مثل هكذا السؤال يطرح في منابر الحوار والنقاش، ويشمل هذا السؤال عدة مسلمات ضمنية من بينها مثلا التسليم في أن مجالي الثقافة والسياسة يستقلان عن بعضهما البعض، وكذا التسليم في أن المشكلة تعود بالأساس إلى أحد هذين المجالين حصرا، وحصر المشكلة في هذين المجالين يعني استبعاد أية آثار محتملة لباقي المجالات ـ المذكورة ضمنا ـ في المشكلة محل البحث.

لكي يتسنى لنا الوصول إلى جواب مقنع حول هذا السؤال علينا أن نختبر أولا المسلمات الضمنية وبالأخص المسلمات المذكورة آنفا، ولننطلق بعد ذلك من الأرضية المناسبة التي يؤسسه لنا هذا الاختبار.

فحص المسلمات

في رأيي الثقافة ليست مجالا مستقلا ينافس باقي مجالات الحياة، الثقافة في رأيي إطار عام تستند اليه باقي المجالات، وهذا الرأي يتماشى مع التعريف المختصر والمعمق للثقافة، وهو التعريف الذي يعرف الثقافة بأنها “كل المبادئ والقيم والقناعات التي تحكم السلوك البشري” مع العلم بأن هذا السلوك قد يكون سلوكا سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، والتنوع على مستوى السلوك يعني التنوع على مستوى المبادئ والقناعات الحاكمة، فالسلوك السياسي تحكمه الثقافة السياسية (المبادئ والقناعات الحاكمة للسلوك السياسي) وكذا السلوك الاقتصادي والاجتماعي، هذا فيما يتعلق بالمسلمة الأولى.

وبخصوص المسلمة الثانية وبعد استبعاد الثقافة كمجال مستقل منافس يمكننا أن نعتبر المجال السياسي (يشمل الثقافة السياسية والسلوك السياسي الناجم عنها) العقدة الرئيسية للمشكلة محل البحث، والتي بحلها تنحل باقي العقد الفرعية، واختيار المجال السياسي كعقدة رئيسية للمشكلة محل البحث يعود إلى الآتي:-

  1. إصلاح باقي المجالات يتأسس على المجال السياسي فلا يمكن أن نتصور مثلا قيام صلاح اقتصادي شامل من دون صلاح سياسي، ولا يمكن كذلك أن نتصور قيام صلاح اجتماعي شامل مع فساد السياسية؛ لأن السياسة تتحكم على المفاصل الرئيسية لهذه المجالات.
  2. الصلاح السياسي الشامل يعود بالنفع حتما على باقي المجالات.

تساؤل وجيه

إلى هنا يبرز سؤال معقد للواجهة، وهو “هل يمكن أن يتم الصلاح السياسي بمنأى عن باقي المجالات؟” ـ سبق أن جزمنا القول في أنه لا يمكن أن يتم صلاح شامل لباقي المجالات دون الاستناد إلى الصلاح السياسي ـ والسؤال الآن هل يمكن أن يتم الصلاح السياسي نفسه بمعزل عن باقي المجالات؟.

في رأيي يمكن أن يتم الصلاح السياسي الشامل في بيئة متخلفة اجتماعيا واقتصاديا وذلك بوجود شرط واحد فقط هو أن توجد كتلة حرجة من النخبة السياسية الواعية ثقافيا والمصممة بعزم على إحداث تحول سياسي راشد وشامل، ومن ثم إحداث تحول شامل في باقي المجالات.

بروز هذه النخبة قد يعود إلى عامل خارجي عن البيئة المحلية، وقد يعود إلى تعاضد بعض الظروف المحلية أو قد يعود إلى صلاح جزئي (غير شامل) يطال على بعض المجالات الاجتماعية الفرعية كالتربية والتعليم مثلا.

خلاصة ما في الكلام

ونحن نتحدث عن المشاكل يلزم أن نعي جيدا أن جذور مشاكلنا الاجتماعية تعود أولا إلى الفكر والثقافة والى المبادئ والقناعات الحاكمة للسلوك العملي الذي يترجم الحل أو المشكلة المعنية إلى واقع حي مطبق، عليه يبدأ الإصلاح من العقل ففي العقل توجد الثقافة السياسية المشوشة، وإصلاح هذه الثقافة يؤدي حتما إلى سلوك سياسي راشد، وفي العقل توجد الأفكار الاجتماعية المتخلفة وإصلاحها يؤدي إلى سلوك اجتماعي راشد، وحين نريد أن نصلح ما في العقل من أفكار متنوعة (سياسية، اجتماعية، اقتصادية) علينا أن نوجه السهام أولا إلى الجرح الرئيسي الغائر الذي لو التأم تلتئم معه باقي الجروح، ولا شك أن هذا الجرح هو الجرح السياسي الغائر والمتمثل بدءا بالثقافة السياسية المتخلفة (الأفكار والمبادئ والقناعات السياسية المتخلفة) وانتهاء بالسلوك السياسي المتخلف الناجم عن تلك الثقافة المتخلفة .

%d مدونون معجبون بهذه: