تأملات في عادات وتقاليد الشعب الصومالي (1)

كيف نتعامل مع الإرث الثقيل الذي تركته لنا الأنظمة العشائرية الدكتاتورية؟

يَذْكُر التاريخ أن التركيبة الاجتماعية للشعب الصومالي تتكون من: أسرة وفخذ وبطن وعشيرة وقبيلة وحلف .. إلخ . ولكل تركيبة من هذه التراكيب قيادة – سواء جاءت بالوراثة أو بالاختيار – تحمل ألقاباً ومسميات تختلف من فئة لأخرى، منها : الإمام، والملك، والسلطان، والشيخ، و العاقل (حكيم) .. إلخ، وبالرغم من فخامة هذه المسميات والألقاب وسطوتها على النفوس إلا أن نفوذها محدود بحيث لا يتعدى دور شيخ القبيلة، والسبب في ذلك عدم معرفة الصوماليين بمدلولاتها الحقيقية، لكونها اقتُبست من مجتمعات تختلف عن المجتمع الصومالي في التقاليد والأعراف ونظام القيادة، ولأجل هذا حصل الالتباس للأجانب الذين كتبوا عن التاريخ الاجتماعي للشعب الصومالي، فوقعوا في خطأ حين ظنوا أن هذه المسميات والألقاب متفاوتة في الرتبة والنفوذ، وهذا – طبعاً – غير صحيح، بل إنها متساوية في الهيكل القيادي للمجتمع ومن حيث الرتبة والنفوذ[1].

ومن العادات الاجتماعية الصومالية العريقة عقد مؤتمرات سنوية يبحثون فيها قضاياهم المصيرية المهمة؛ كصلح أو حرب أو سن قوانين عرفية أو اختيار قيادات جديدة .. وما إلى ذلك، وتقاس أهمية هذه المؤتمرات بحسن إعدادها وتنظيمها قبل انعقادها، بحيث تُقدم الدعوات للمشاركين ويُحدد فيها موعد وتاريخ انعقاد المؤتمر، كما تُحدد البرامج التي تُناقَش فيها، ويحق لكل ذي صفة أن يشارك في هذه المؤتمرات، ولها صلاحيات تخولها في سن قوانين عرفية لما يستجد من قضايا، وموافقة وتصديق أعراف قانونية صارت بين جماعة أو جماعات وتنفيذ قرارات سابقة وإزالة خصومات ..إلخ، وفي الغالب تنعقد هذه المؤتمرات تحت الأشجار ويرأس إدارة جلساتها سلطان الجماعة المجتمعة، وهو الذي يقوم بدور منسق الجلسات ويقرب وجهات النظر بين المؤتمرين في القضايا المطروحة ويعرض الأسئلة التي تطرح، وفي حال غياب رئيس المؤتمر ينوب عنه أكبر الحاضرين سناً.[2]

ويتميز المجتمع الرعوي بالحرص على حضور جلسات المؤتمرات واستماع مناقشاتها والكلمات التي يلقيها رجال لُسن اشتهروا بالفصاحة وبلاغة القول، يُستمع إليهم باهتمام بالغ؛ حيث لا حركة ولا لغط ولا تشويش على المتحدث حتى لا يُؤَثر هذا على سير العمل، ومن عاداتهم في مثل هذه المؤتمرات تعيين مبلغين ليقوموا بتبليغ الحاضرين كلمات المتحدثين.

ومن ناحية القضاء وإصدار الأحكام العرفية؛ يستمع المجلس القضائي للخصوم ويصدر قراراته وفقاً لأحكام عرفية سابقة صدرت في قضايا مشابهة، وهذا التراث الحضاري يذكرنا بدور المؤتمرات العشائرية في ترسيخ الديمقراطية وسياسة الحوار في الرعية وتحقيق العدالة بالأناءة والتريث والتفهم قبل إصدار الأحكام، مراعاة للمصلحة الوطنية الكبرى.

و في ظل الأزمة الصومالية الراهنة كانت هناك مؤتمرات ناجحة انعقدت في ظروف استثنائية صعبة، لكنها في الواقع أسفرت عن مصالحة جديرة بالاعتبار والاستبصار، بالرغم من وجود بعض العقبات والعثرات نتيجة لغياب العدالة الاجتماعية التي تضمن الاستقرار في المجتمع، ومن هذه المؤتمرات التاريخية:

1 – مؤتمر بوراما بأرض الصومال في عام 1993م، والذي أسفرت عنه مصالحة حقيقية بين أهلنا في الشمال، وكنتيجة طبيعية لاحترم الناس عاداتهم وتقاليدهم في التصالح والتسامح واحترام أهل الحل والعقد، تصالح الناس في هذا المؤتمر وتم تسليم سلاح الجبهات لمجلس شيوخ العشائر، ولذلك نرى اليوم أن أهل الشمال ينعمون بالتعايش السلمي والاجتماعي.

2 – هناك نماذج أخرى لمؤتمرات مصالحة ناجحة لا تقل أهمية عن مؤتمر بوراما؛ كالمؤتمر الصومالي للمصالحة الذي انعقد في مقديشو عام 2011م وتمخضت عنه الحكومة الصومالية الحالية، ولكن مؤتمر بوراما أحرز قصب السبق في هذا المجال، والملاحظ في هذه المؤتمرات أنها انعقدت في الداخل، بعيدة عن تدخلات الأجانب وبمدد زمنية طويلة تتجاوز عن ثلاثة أشهر في بعض الأحيان وبتمويل ذاتي، وبهذا كان النجاح حليفها.

الذي نراه اليوم هو حصول تغيرات خطيرة في العادات والتقاليد تدفع الناس إلى الغريزة دون تفكير؛ صراعات قبلية للاستيلاء على السلطة، افتقاد الصدق والشفافية، تمزق وإعلان دويلات انفصالية وشبه انفصالية ، فوضى ونكبات مستمرة … إلخ .. فكروا جيداً، من أين أصابنا كل هذا؟، مِن غزو خارجي احتل ببلدنا ، أم حلت فينا كارثة طبيعية؟، أم أن سبب ما آلت إليه بلادنا هو ما اقترفته أيدينا؟ ألم يحاول البعض في السابق أن يحولوا نظام الحكم من جمهوري إلى ملكي وراثي؛ مما أدى إلى قيام الجيش بذلك الانقلاب المشؤوم الذي تولى بموجبه الجنرال سياد برى مقاليد الحكم في البلاد، ذلك العسكري الذي كان همه السيطرة والنفوذ، والذي يُعتقد أنه بسبب جهله وخلفيته الثقافية والاجتماعية خاض بعد فترة وجيزة من حكمه حروباً لم يأخذ الجيش الوطني الصومالي استعداده اللازم لها؛ وبظهر مكشوف، فدمره تدميراً، ثم توجه إلى الشعب فحكمه بالحديد والنار وفرقهم إلى قبائل وعشائر متناحرة للاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة وفق سياسة (فَرِّقْ تَسُد)، وخلال سنوات حكمه العجاف البالغة 21 عاما أحرق المدن بأكملها بطائرات الجيش الوطني ودباباته التي كان من المفروض أن يحمي بها؛ حتى أدخل البلاد في نفق مظلم صعُب الخلاص منه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو.. كيف نتعامل مع هذا الإرث الثقيل الذي تركه لنا النظام الدكتاتوري السابق، وما تلاه من الحروب الأهلية المتعاقبة التي نالت من سمعة بلدنا الحبيب؛ حتى صرنا مضربا للمثل في الفوضى والفشل؟ فهل نكرر نفس هذا السيناريو؟، أم يكون لنا طريق آخر نستشعر فيه جسامة الأمانة التي ينبغي أن نتحملها كمثقفين لكي نبرز للناس المشكلات التي يعانون منها، ونحاول مواجهتها وإيجاد الحلول لها وندلهم على الطريق الصحيح الذي يجب أن يكونوا عليه؟

 ومن هنا نفهم ببساطة أن افتقار الشعب الصومالي إلى أولئك المثقفين الجادين – الذين يستلهمون من ثقافتهم الأصيلة – يجعله لا يكتشف حجم التحديات والمخاطر التي تحيط به، وهذا ما يدعونا إلى استنفار قوى الشعب الهائلة والكامنة بهدف إنقاذ الموقف وتصحيح المسار الاجتماعي قبل السياسي؛ وذلك للحيلولة دون أن يحكمنا الغرائزيون والقبليون وأمراء الحرب والجشعون الذين لا يملأ بطونهم إلا التراب، ومن المؤسف أن هؤلاء يستغلون من بعض المثقفين الذين يقومون بوظيفة تخدير الجماهير لتنقاد لهم بسهولة؛ وبذلك يستحكم طوق المؤامرة علينا، ونصل إلى نقطة اللاعودة.

 ……………………………..

هوامش

[1] – بحث غير منشور للكاتب.

[2] – المصدر السابق.

4 تعليقات

  1. نحن طلاب الحقيقة
    هذا مقال نشرته لي شبكة الشاهد بتاريخ 17 سبتمبر 2014م، وحظي ببعض المداخلات القيمة من القراء الكرام وعلى رأسهم الأستاذ خالد حسن يوسف والذي أثرى الموضوع بآرائه وتوضيحاته وتعليقاته على بعض الجوانب مع اختلافي في بعض ما ذهب إليه ” والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” كما يقولون.
    وأحببت أن أنشر ذلك في صفحتي في الفيس بوك بهدف إتاحته لمزيد من القراء وإفساح المجال لهم للتعليق وإضافة ما لديهم من معلومات وأفكار، إذ أن هدفنا هو تسليط الضوء على عاداتنا وتقاليدنا الصومالية النبيلة، وإبراز المتفق عليه والمقبول منها والتي تشكل مصدرإجماع وهوية مشتركة للصوماليين كلهم، كعامل مساهم في حل مشاكلنا الراهنة والتي استعصت على كل الحلول.
    ومهما يمكن من أمر، فهناك عادات وتقاليد وأخلاق مقبولة لدى الجميع وتستحق أن نبني عليها ونجعلها مصدر اجماع لكل الصوماليين، خاصة وأنهم في الوقت الراهن في حاجة ماسة لما يجمعهم ويوحد كلمتهم .
    والمعروف أن لكل أمة وشعب عادات وتقاليد جيدة، تجد القبول والاستحسان من معظم أفراد الشعب، بل ويتمسكون بها ويدافعون عنها: وعندما ظهر الإسلام في الجزيرة العربية وجد كثيراً من العادات والتقاليد، فأزال سيئها وأبقى على الحَسَن منها و قال – صلى الله عليه وسلم – في ذلك: (إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق).
    وعند العودة إلى تاريخ الشعب الصومالي؛ أصله وعاداته وتقاليده، نختلف مع الأستاذ خالد الذي يؤمن أن المجتمع الصومالي تكون نتيجة لحدث تاريخي واحد، كما يُفْهَم من تعليقه (نظراً لكون المجتمع قيد الدراسة والنقاش هو صومالي وذو جذور إفريقية ضاربة في العراقة وله لغته الخاصة به، كان الأفضل استخدام عبارات صومالية– يقصد الكاتب – … إلخ )، ونحن نرى أنه تكون نتيجة لهجرات عربية مختلفة ومتتالية انصهرت وتفاعلت مع العناصر الإفريقية كما يراها بعض الباحثين .
    كما أن عادات وتقاليد المجتمع الصومالي تختلف من بيئة لأخرى تبعاً لاختلاف المناطق الجغرافية والأنشطة التي يمارسها السكان، كما يراها العلامة ابن خلدون الذي قال: “أن الإنسان هو ابن بيئته الاجتماعية، كما أن المجتمع هو ابن البيئة الطبيعية التي يعيش فيها”( ).
    ومن أجل ذلك لا نوافق تركيز الكاتب على مناطق جغرافية معينة وجماعات قبلية محددة، قد يرى البعض أنها مثال للتوحش أو الادعاء بما ليس فيها، حسب وصف الملازم البريطاني (C.J. CRUTTENDE) في المجلة الآسيوية عدد رقم 149 بتاريخ 1844م، وإعطاء انطباعات مزيفة للناس على أنها تقاليد وعادات المجتمع الصومالي، في حين أن هناك بيئات جغرافية حضارية تتمتع بالنُبل والدين والعفاف حسب وصف الرحالة – ابن بطوطة لأهل مقديشو في عام 733هـ الموافق 1331م ( )، “في حين بلغت مقديشو وزيلع وهرر و ورشيخ ومركة وبيدوة وبارطيرى ومدن صومالية أخرى شأواً كبيرا في العلم والحضارة، كانت الحبشة تَرزح تحت حالة من التخلف والتعصب يرثى لها” وقد وصف المقريزي ( ) هذه الحالة في القرن الخامس عشر الميلادي حيث قال: ” كانت مملكة إسحاق بن داوود ومملكة آبائه همجاً لا ديوان لها ولا ترتيب ولا قانون”( )، وكذلك قال:” يتشددون تشدداً زائداً ويعادون من خالفهم من سائر الملل أشد عداوة ( )، أما من الناحية الإجتماعية فكانوا كما يروي المقريزي” عراة الأبدان لا يعرفون لبس المخيط” ( ).
    ونحن نبحث عادات وتقاليد تجمع الأمة وتوحد كلمتها وتبرز محاسنها وتستحق أن نبني عليها الصومال الجديد، وبالعدالة والإنصاف نجد هذه العادات والتقاليد في السواحل الجنوبية التي كانت تحت قيادة صالحة تشجع العلم وترحب بالعلماء وتوفر الأمن والاستقرار لرعاياها، وكذلك نجدها في السواحل الشمالية الغربية التي نشأت فيها السلطنات الإسلامية التي عُرِفَت في التاريخ بـ ” دول الطراز الإسلامي”… هذا تاريخنا وتلك عاداتنا وتقاليدنا، أما ما ذكره الكاتب من عادات جاهلية إفريقية تتمثل في عادات GaraadWiil Waal وهمجيته، أو فرضته البيئة الجغرافية القاسية وندرة الموارد والإمكانيات الاقتصادية على أهلنا في الأقاليم الوسطى والسواحل الشمالية الشرقية، فلا تمثل كلها عاداتنا وتقاليدنا وخاصة ما تتسبب فيه البيئة من سلوكيات سيئة تتنافي مع الدين وتتعارض مع روح الإخاء الإنساني والإسلامي.

    عثمان مصطفى

    http://www.forsomalia.com/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%83/2286-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-1

  2. صرخة فارس الصومال لأسعانود الملثم بالمرصاد

    بسم الله الرحمن الرحيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته اود ان اشكركم على طيب مقالكم ويدل على المستوى العالي من الوطنية والمحبة للشعب الصومالي العظيم ككل ولهذا اسعدني جدا ما قرأت في مقالكم وأضيف هذا هو الأمل من مثقفينا مثلكم وبارك الله فيك وفي أعمالكم الثقافية والشكر موصول للشاهد. أخوكم من لاسعانود

  3. عبد الحكيم لقمان

    اشكر الاخ عثمان ولا شك انه يجيد التعبير لغة الضاد لقد تحدث ذاك الارث التركمي بمتغير المسميات الذي ذكر الكاتب واوافقه علي تلك العقبات التي تنتظر الاجيال القادمة

%d مدونون معجبون بهذه: