الوضع الصومالي… نظرة من زاوية معاكسة (14)

المشهد الانتخابي القادم (2-2)

مما لا يختلف فيه اثنان أن إجراء انتخابات عام 2016م في الصومال أمر يحتاج إلى أن يُمهَّد له الطريق بشكل أكثر جدية لخلق بيئة آمنة ومحفِّزة تضمن الانتقال الآمن من النظام القبلي إلى النظام الديمقراطي دون أن تؤدي عملية التحول نفسها إلى مزيد التقهقر على حساب الجماهير الكادحة، وهو ما لا يتوافر إلا إذا تم التوافق على أدق المسائل المتعلقة بالاستحقاق الانتخابي القادم مع توفير الدعم الدولي القوي له؛ بحيث لا يُسمح لأي طرف من الأطراف المعنية عرقلة المسيرة الديمقراطية الوطنية تحت أي مبرر؛ وذلك من خلال اتخاذ تدابير وقائية وتشريعات رادعة على غرار ما تم التوصل إليه ضد أمراء الحرب السابقين أثناء اختيار مجلس النواب الحالي الذي أتى بعد مخاض عسير على أساس قبلي أثار جدلا واسعا لما قيل عن اختلال التوازن في المحاصصة القبلية.

(1)

و بطبيعة الحال يُفترض أن يأتي خيار التحاكم إلى إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع في الصومال بعد تسوية ملفات سياسية واجتماعية كثيرة؛ مثل ملف تشكيل الإدارات لكافة الأقاليم الفيدرالية، والانتهاء من كتابة الصيغة النهائية للدستور الصومالي، وبدء مشروع تجريد الأسلحة من القبائل بالقدر الذي يمكن، وفوق ذلك كله فلابد من بذل جهد جماعي مضاعف لتحجيم نشاط حركة الشباب إلى أقصى حد ممكن إذا تعذر التخلص منها نهائيا. وعلى الصعيد الميداني ينبغي أن يتم الشروع مبكرا في الإجراءات الفنية التي تسبق عملية الانتخابات كاختبار اللجنة العليا للانتخابات وتسجيل الناخبين وتحديد الدوائر الانتخابية وتعيين اللجان المختصة في التنفيذ والإشراف والمراقبة وما إلى ذلك. وكل هذه الأمور إذا تم التوافق عليها تكون مؤشرا إيجابيا وحافرا كبيرا لتقبل الجميع على حسن سير العمل في إطار المساعي الرامية إلى تفويت الفرصة على المتربصين بأمن الوطن؛ ممن يراهنون على إفشال الانتقال السلمي للسلطة ويسعون إلى جرِّ البلاد إلى أتون الفتنة والفوضى من جديد.

 (2)

 في حال استحالة إجراء الانتخابات فليس هناك مانع من تعديل الكيفية واتخاذ أسلوب آخر يحقق نسبة معينة من الهدف المنشود؛ علما أن الانتخابات وسيلة وليست هدفا بحد ذاتها، وإنما الهدف الأساسي للأمة هو التوصل إلى توافق وطني يفضى إلى حل سياسي دائم، وبالتالي فإن اللجان المختصة قد توصى بتبني طريقة دون أخرى مراعاة لمصلحة عليا للوطن، ولا يعني ذلك بالضرورة فشلا للدولة؛ لأن المصالحة الوطنية ونبذ الانقسام وتحقيق الوحدة هي الأساس، ثم إن الإرادة الحكومية وحدها لا تكفي ما لم توجد إرادة شعبية مساندة لها ومتوحدة على تبنى المشروع الوطني الديمقراطي بإيجابية؛ وذلك بعيدا عن النظرة غير المتوازنة التي تقيس كل شيء على ما تحققه الحكومة الصومالية من منجزات أمنية وسياسية تؤهلها لتنظيم هذا الحدث الكبير .

(3)

ومن بين البدائل المتاحة أن تشارك في الانتخابات عينة مختارة بشكل صحيح وممثَّلة للمجتمع بكافة طبقاته وشرائحه ومستوياته؛ على أن تكون العينة كبيرة الحجم بما يكفي؛ بحيث يصل عدد الناحبين على سبيل المثال مائة ألف يمكن توزيعهم بالتساوي على القبائل الخمسة الكبرى في الصومال ؛ وذلك بمعدل عشرين ألف ناخب وناخبة لكل قبيلة، وهو عدد يستعصى على الاستغلال القبلي أو الجهوي إذا ما أُحسن الاختيار بمواصفات يتم دراستها بعناية فائقة. ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن تبني مثل هذه الفكرة لا يعني تكريسا للنظام القبلي بديلا لدولة القانون والمؤسسات بقدر ما هو مواجهة (حقيقة) مفادها أن الشعب الصومالي غير مؤهل حاليا للانتقال من النظام القبلي إلى نظام دولة الحداثة بالسهولة التي يتصورها البعض؛ وبالتالي فلا بد من التدرج في الانتقال الديمقراطي حتى لا تحدث نكسة لا تُحمد عقباها؛ لأن الواقع يُفرض على الجميع أن يتم التركيز على التوافق واقتسام الكعكة بالتساوي أكثر من الاهتمام بإظهار الصورة المثالية للعملية الديمقراطية في الصومال.

وهذه الفكرة تقوم على افتراض أن الجميع توافق على اعتماد نظام جديد للمحاصصة ينبني على أن هناك خمس قبائل كبرى في الصومال بدلا من نظام 4.5 الحالي؛ وبذلك يسهُل أن تُفرَض على كل قبيلة أن تأتي بمرشح رئاسي واحد وخمسين نائبا بواسطة انتخابات داخلية تشرف عليها الحكومة والهيئات الدولية، ثم يتم الانتقال إلى الجولة النهائية لاختيار الرئيس الشرعي للبلاد من بين مرشحي الرئاسة الخمسة عبر انتخابات شفافة يصوت فيها مائة ألف ناخب وناخبة من جميع القبائل، بمن فيهم 250 نائبا منتخَبين من قبائلهم. وهذه الفكرة واحدة من بين بدائل كثيرة يمكن دارستها وتبنيها بهدف تحقيق قدر معين من الهدف المخطط بأقل التكاليف والخسائر؛ وذلك في حالة استحالة إقامة انتخابات يشارك فيها الجميع لسبب أو لآخر.

(4)

 وخلاصة ما نود أن نتوصل إليه في نهاية حديثنا عن هذا الموضوع الشائك هو أننا مقبلون على مرحلة فاصلة من تاريخ الصومال، وبقدر اهتمامنا بها واستعدادنا المبكر لها تكون النتيجة المرجوة منها من حيث الفشل والنجاح، وهي بمثابة اختبار آخر لمعرفة مدى قدرة الصوماليين على إثبات ذاتهم من خلال تخطي التحديات أمام المصالحة الشاملة في وقت تتوالي نداءات الفاشلين والمتشائمين إلى ضرورة إعادة البلد إلى وصاية جديدة. وعلى العكس من ذلك.. كم هو جميل أن يتم اعتبار ما تبقى من فترة رئاسة الرئيس الحالي على أنها فرصة للملمة الجراحات وتهيئة النفوس لاخيتار من يمثل الشعب الصومالي على أسس سليمة بعيدا عن التجاذبات غير المجدية وطغيان المصلحة الشخصية على المصلحة العامة.

5 تعليقات

  1. أنا أرى أن كل خطوة في القضية السياسية الصومالية الشائكة لها مبرراتها ، ولها أسبابها المحلية ، وربما لا يدرك أي امرئ حقيقة الأمر ، لا سيما اذا كان خارج الوطن ، لذا أقول : لا تستعجلوا باتخاذ قرارات صارمة تجاه أي أحد لم تعرفوه من قبل في معترك السياسة الصومالية ، لان هذا القرار ربما يهدم ولا يبني ، ويجب أن تضعوا في نصب أعينكم ” الصومال العظيم ” تلك نصيختي .
    أخوكم : أبو هادي من السعودية الرياض

  2. أرجو إن شاء الله أن تشق هذه الإقتراحات الرئعة طريقها إلى مسامع المسؤولين وصنّاع القرار، على الأقل لتتكون لديهم صورة على المستقبل القريب الذي لم يعد يعرفه الكثير منهم. لازم على المسؤولين الإستشارة مع أهل الكفاءة والخبرة والمراقبين المخلصين لإستخلاص الأفكار وجمع أكبر قدر ممكن من النصائح المختلفة والبدائل المقترحة المتنوعة. فإستعادة بناء كيان الأمة يجب أن يتم من قبل الجميع خاصة أهل الرأي المخلصين.

  3. صرخة فارس الصومال لأسعانود الملثم بالمرصاد

    بسم الله الرحمن الرحيم …
    تحية إجلال للأستاذ الصحفي الوفي المخلص للوطن السيد / حسن مودي ….لقد أعجبتني جدا طريقة عرض رؤيتكم حول الانتخابات الحرة القادمة في الصومال، وأنا أؤيد سيادتكم وأؤمن بما كتبتة فقد عبرتم عن أراء الكثيرين من المتعلمين، حلم الجيل المتعلم بسلاح المعرفة لا بسلاح القبلية؛ ……. ..العاقل بما فيه من الفضائل الكثير …… وأنا أتوقع منكم الكثير…. أخي …. لقد عجز قلمي عن الحديث من الإشارات الرائعة المستخلصة من الدروس الوطنية لديكم. وفي الأخير أرجو ان تتقبلوا منا كل الحب والتقدير ….
    الأمضاء صرخة فارس الصومال لأسعانود الملثم بالمرصاد ..
    من جمهورية الصومال العظمى …

    • صرخة فارس الصومال لأسعانود الملثم بالمرصاد

      بسم الله الرحمن الرحيم السادة شبكة الشاهد العظيمة حقيقتة أشكركم على حسن تعاونكم الطيب معنا في نشر ما أكتبه بل ما أستشعره عنكم ….. وهذا كرم طيب من سيادتكم ..
      من / جمهورية الصومال العظمى .. مع شكري وتقديري ..

      • حسن مودي عبد الله

        شكرا للأخ المعلق ( الملثم) على تشجيعه، ونسأل الله لنا وله التوفيق، إن شاء الله في الحلقات القادمة نستمر في طرح جانب من الحلول من زاية نراها صحيحة…. والله هو الموفق.

%d مدونون معجبون بهذه: